عن جمعيات / منتديات / تنظيمات الخبراء والمختصين السودانيين

بروفيسور عبدالمنعم طه الصويلح
المدير السابق لهيئة البحوث الزراعية – السودان

في السودان وعقب ثورة أبريل 2019، بدأت ظاهرة قيام جمعيات / منتديات / تنظيمات للخبراء والمختصين من المهنيين والتكنوقراط، ثم ازدادت بعد قيام الحرب في أبريل 2023؛ مستقطبة ذوى الخبرات العلمية والكفاءات المهنية في المجالات المختلفة بهدف إقامة منابر وإعداد خطط في شأن إعادة الإعمار والبناء والتنمية في المجالات الحيوية المختلفة. الفكرة نفسها- تجميع الخبراء والمختصين من المهنيين والتكنوقراط للتخطيط لإعادة الإعمار- نبيلة وتعكس روح وطنية ومسؤولية عالية تجاه البلاد والعباد. وحسب تجارب ومتابعات بعض من هذه الكيانات، يلاحظ أنها تبدأ بهمة عالية ونشاط كبير في تصور الرؤى وبناء الأهداف وتصميم الخطط والبرامج وقيام السمنارات والمنتديات. إلى هذه المرحلة تبدو الأمور كما ينبغي، إلا التحدي أن هذه المبادرات غالبًا تتوقف عند “النقاش الجيد” ولا تتحول إلى “فعل منظم”. هذا التحول لا يتحقق بالصدفة وإنما يتطلب بناءاً مؤسسياً معين، ومتطلبات أخرى، وهو ما تفتقده ولم تتحسب له معظم هذه الكيانات.

الهوية: أولاً ومنذ تكوين الكيان لا بد من تحديد الهوية هل تكون جهة منفذة أم جهة استشارية سواء للحكومة أو للجهات الغير حكومية، إذ أن كل منهما يحتاج لتصميم مؤسسي مختلف من البداية.
فإذا تناولنا خيار الجهة المنفذة، وهو ليس الضرورة القيام بعملية التنفيذ على الأرض كاملاً أو جزئياً، وإنما تعدى مرحلة المنتديات والسمنارات إلى التأثير على الأرض بدرجات مختلفة كما سنرى لاحقاً.

أولى متطلبات خيار التنفيذ على الأرض: تصميم ويناء مؤسسي يؤهلها لإحداث تغيير على الأرض، والصفة الاعتبارية أو القانونية التي تؤهلها أو تجعلها شريك مقبول. وإذ أن الهدف فعلاً الخروج من دائرة السمنارات إلى التأثير على الأرض، فيتطلب ذلك مقابلة موجهات عملية – وليست نظرية، تتمثل في الآتي:
(1) ربط التخطيط بجهة تنفيذية واضحة: أي تنظيم يضع خطط بدون “شريك تنفيذ” سيظل معزولا. وعليه لا بد ومن البداية تحديد شريك أو جهة تنفيذية مثل: جهة حكومية محتملة، أو شريك من القطاع الخاص، أو منظمة إنسانية/دولية. وبدون هذا الربط، تظل الخطط “وثائق”.
(2) الانتقال من الرؤى والخطط القومية الكبرى إلى مشاريع صغيرة قابلة للتنفيذ (Pilot Projects)؛ فبدل خطط قومية ضخمة خاصة عند البدايات – يستحسن ويكون عملياً اختيار مشروع محدود جغرافيًا (حي، مدينة، قطاع واحد)، بميزانية صغيرة نسبيًا، وبزمن تنفيذ قصير نسبياً – فالنجاح في نموذج واحد عملي، أقوى من 50 ورقة سياسات.
(3) هيكل تنظيمي فيه “وحدة تنفيذ” وليس فقط لجان فكرية، فمعظم هذه الكيانات تركز على: لجان دراسات، لجان سياسات؛ ولكن المطلوب: وحدة إدارة مشاريع (Project Management Unit)، تضم مهندسين / تقنيين وماليين وقانونيين ولوجستيات؛ وبصلاحيات حقيقية وليس دور استشاري فقط.
(4) إشراك المجتمعات المحلية منذ البداية فأي خطة بدون المنتفعين المعنيين مباشرة غالبًا ما تفشل. فلا بد من: لجان محلية/أهلية؛ مشاورات ميدانية (حتى لو محدودة)؛ تمثيل حقيقي للمستفيدين – وهذا يحول المشروع من “فكرة نخبوية” إلى “طلب مجتمعي”.
(5) بناء شراكات ذكية بدل الاستقلال الكامل. الاستقلال الكامل يبدو جذاب لكنه غير عملي. الأفضل: مذكرات تفاهم مع جهات وطنية، علاقات عمل مع منظمات دولية، قنوات غير رسمية مع مؤسسات الدولة – فالتأثير يأتي من الشبكات، لا من العزلة.
(6) نموذج تمويل واضح منذ البداية، فأي نشاط على الأرض يحتاج موارد مالية وغيرها: تمويل جماعي (Crowd Funding) محدود؛ منح صغيرة (Grants)؛ شراكات مع شركات. فبدون تصور مورد مالي، التنفيذ مستحيل مهما كانت جودة الأفكار.
(7) إنتاج “أدوات تنفيذ” وليس فقط تقارير: فبدل كتابة تقارير عامة لا بد من إعداد: أدلة تشغيل (Manuals)؛ نماذج عقود؛ خرائط مشاريع؛ دراسات جدوى مختصرة قابلة للتطبيق – فهذه هي الأشياء التي يستخدمها المنفذون فعليًا.
(8) قياس أثر حقيقي (Impact Metrics) لازم التنظيم يسأل نفسه: كم مشروع نُفذ؟؛ كم مستفيد فعلي؟؛ ما التغيير الملموس؟ – وليس: كم ندوة أُقيمت.
(9) قيادة مزدوجة (فنية + تنفيذية): الخطأ الشائع غالباً قيادة أكاديمية بحتة، بينما الأفضل: خبير فني + شخص لديه خبرة تنفيذ (Operations)، لأن التنفيذ مهارة مختلفة تمامًا عن التخطيط.
(10) العمل في “مساحات ممكنة” بدل انتظار الاستقرار الكامل الانتظار لبيئة مثالية يعني الجمود. يمكن البدء في: مشاريع خدمية صغيرة؛ دعم سلاسل إمداد محلية؛ إعادة تأهيل مرافق محدودة؛ دعم مرافق وخدمات معسكرات النازحين واللاجئين – حتى في بيئات غير مستقرة.

الخلاصة: هذه الكيانات لن تصبح فاعلة فقط بتحسين جودة الخطط، بل بتغيير طبيعتها من “منصات نقاش” إلى “منظمات تنفيذ مشاريع صغيرة قابلة للنمو”. فالفرق بين الاثنين ليس في النوايا ولا الكفاءات، بل في وجود شريك تنفيذ، تمويل ولو محدود، ومشروع تجريبي على الأرض.
الصفة الاعتبارية أو القانونية: تحتاج هذه الكيانات إلى صفة قانونية أو اعتبارية – لكن ليس بالضرورة من اليوم الأول، وليس بشكل واحد ثابت – فالأهم هو التدرّج الصحيح بين “مجموعة مبادرة” و”كيان معترف به وقابل للتمويل”. وتكمن أهمية الصفة القانونية أو الاعتبارية في أن أي جهة خارجية (أممية، مانح، حتى شركة كبيرة) تنظر لثلاثة أشياء قبل التعامل مع مثل هذه الكيانات: هل هذا كيان مسؤول قانونيًا؟، هل يمكن تحويل أموال له بشكل رسمي؟؛ هل لديه حوكمة ومساءلة؟. فبدون صفة قانونية: لا يمكن توقيع عقود؛ لا يمكن فتح حساب بنكي مؤسسي؛ ولا يمكن استلام منح كبيرة. فبالتالي تظل في نطاق “مبادرة فكرية” فقط. ليس بالضرورة أن تبدأ مباشرة بالتسجيل الرسمي؛ ففي بيئة مثل السودان (خصوصًا في ظروف حرب/هشاشة مؤسسية)، التسجيل قد يكون: معقد، أو غير مستقر، أو حتى غير ممكن مؤقتًا. لذلك هناك 3 مسارات واقعية:
المسار الأول: العمل تحت “مظلة قانونية” (Host Organization): هذا الحل الأكثر عملية في البداية – شراكة مع منظمة قائمة (محلية أو دولية)، تعمل كمشروع تابع لها، تستخدم وضعها القانوني لاستلام التمويل وتنفيذ الأنشطة. ميزة هذا الخيار سريع وعملي، إلا أن ذو استقلالية أقل.
المسار الثاني: تسجيل كيان قانوني مستقل، والأنسب إذا كان الهدف طويل المدى. وأشهر الأشكال: جمعية/منظمة غير ربحية؛ أو شركة غير ربحية؛ أو مركز دراسات وتنمية. والمطلوب عادة: نظام أساسي (Bylaws)؛ مجلس إدارة؛ شفافية مالية؛ وتسجيل رسمي. وهذا المسار يمتاز بالمصداقية والاستقلالية، إلا أنه يحتاج وقت وإدارة.
المسار الثالث: نموذج “شبكة مهنية” مع ذراع تنفيذ قانوني، وهو حل ذكي يجمع بين الاثنين. فالشبكة هي منصة تجمع الخبراء (مرنة وغير رسمية)، والذراع التنفيذي يمثل كيان قانوني صغير مسؤول عن المشاريع, هذا النموذج تستخدمه كثير من المبادرات الحديثة لأنه يحافظ على المرونة ويوفر غطاء قانوني للتنفيذ.
وهنا يبرز التساؤل – ما الذي يجعل الكيان “مقبولًا” للمانحين فعلًا؟ فالصفة القانونية وحدها لا تكفي. الجهات الدولية تهتم أكثر بـ: الحوكمة (مجلس إدارة واضح، فصل بين الإدارة والتنفيذ)؛ الشفافية المالية (نظام محاسبي، تقارير مالية منتظمة)؛ القدرة التنفيذية (مشاريع سابقة ولو صغيرة، فريق واضح)؛ الامتثال – Compliance (سياسات مكافحة الفساد، سياسات المشتريات، إدارة المخاطر).
في حالة أن تكون هوية الكيان جهة استشارية، سواء للحكومة أو للجهات الغير حكومية؟ كيف يمكن أن تتحصل على هذه الصفة الاستشارية المعترف بها والمتعامل معها؟ الصفة الاستشارية لا تُمنح رسميًا في معظم الحالات، بل تُكتسب تدريجيًا عبر الثقة والطلب على الخبرة؛ ويمكن أن تكون ناجحة ومؤثرة، بشرط: أن تقدم قيمة عملية قابلة للاستخدام وأن تكون قريبًا من مراكز القرار أو التنفيذ، غير ذلك، ستظل في دائرة “المنتديات الفكرية”. ثم ما المقصود بجهة استشارية فعليًا؟ ليست مجرد كتابة تقارير عامة، أو عقد ندوات، بل جهة تقوم بـ: إعداد سياسات قابلة للتطبيق؛ تقديم دراسات جدوى؛ دعم اتخاذ القرار؛ تصميم برامج ومشاريع للآخرين لتنفيذها. هذا أقرب إلى نموذج: مركز تفكير (Think Tank) أو بيت خبرة (Advisory Firm).

ختاماً نشير إلى أن إحدى تحديات هذه المجموعات، خاصة في ظروف السودان الماثلة، الاستقطاب السياسي، وهى ليست مشكلة جانبية – بل هي غالبًا السبب الرئيسي لفشل معظم الكيانات قبل أن تبدأ. إذا لم تُضبط مسألة الاستقطاب من البداية، سيتحوّل أي جهد مهني إلى منصة صراع، وستخسر الثقة من كل الأطراف: الحكومة، المانحين، وحتى المجتمع. التعامل مع هذا التحدي لا يكون بالشعارات (“نحن غير سياسيين”) بل بتصميم مؤسسي واضح يقيّد الانزلاق. ومن هذه:
(1) تعريف صارم للنطاق (Scope Discipline): فأكبر خطأ هو التمدد في قضايا خلافية خارج الاختصاص؛ لا بد أن يكون هناك نص واضح – ما الذي نعمل فيه تحديدًا (مثلاً: إعادة تأهيل المرافق الصحية)؛ ما الذي لا نعمل فيه (السياسة، الصراع، القضايا الأيديولوجية)؛ وأي نقاش خارج هذا النطاق يُمنع داخل المنصات الرسمية للكيان وهذا ليس تقييد حرية – بل حماية للمشروع نفسه.
( 2) “ميثاق حياد مهني” ملزم: ليس بيانًا عامًا، بل وثيقة داخلية تُطبق، وتشمل: عدم استخدام الكيان للترويج السياسي؛ عدم إصدار مواقف في القضايا الخلافية غير المرتبطة بالتخصص؛ الفصل بين الرأي الشخصي وصفة العضو.
(3) فصل المنصات: المهني ≠ الشخصي؛ قنوات رسمية للكيان (منضبطة جدًا).
( 4) قيادة “متوازنة” وليست أحادية.

عن عبدالمنعم طه الصويلح

عبدالمنعم طه الصويلح