عن وشْوَشَة البرتغالية وضمائرها المُستتِرة .. بقلم: د. خالد محمد فرح

 

Khaldoon90@hotmail.com

أجاءتني ظروف مهنتي وعملي منذ نحو عام تقريباً ، إلى جمهورية ” أنقولا ” ، هذه الدولة الناطقة باللغة البرتغالية ، الواقعة في جنوب غربي إفريقيا. ودفعتني ذات الظروف أيضاً ، إلى محاولة تعلُّم اللغة البرتغالية ، التي هي اللغة الرسمية لهذه البلاد ، بل توشك أن تكون أن تكون هي اللغة الوطنية الأولى فيها ، ولسان الأم بالنسبة لمعظم سكانها ، على الرغم من وجود عدد من اللغات المحلية الأخرى إفريقية الأصل ، ولكنها تظل لغات مستضعفة ومحدودة الأثر في البلاد بصفة عامة. ذلك بأنَّ الاستعمار البرتغالي الاستيطاني والثقافي ، قد ألمَّ بهذا الصقع من القارة الإفريقية منذ القرن السادس عشر الميلادي ، ومكث فيه لنحو خمسة قرون حسوما.
هذا ، والبرتغال ، وهي الدولة المُستعمِرة السابقة لأنقولا ، بلد صغير المساحة ، وقليل السكان ، يقع في غرب شبه الجزيرة الأيبيرية التي تضمه مع إسبانيا ، ويطل من جهة الغرب على المحيط الأطلسي. وقد كانت البرتغال منذ مطلع عهد الكشوف الجغرافية في أوروبا ، ابتداءً من القرن الخامس عشر الميلادي فما بعده ، أمة بحرية عظيمة ، حققت شهرة واسعة ، وتمدداً تجارياً وإمبريالياً واسعاً في شتى أرجاء المعمورة كما هو معلوم.
ويقول اللغويون إن كلمة ” البرتغال ” معناها: ” باب الغال ” التي هي فرنسا. أي كأن هذه البلاد هي المدخل أو المعبر إلى بلاد الغال ، فهي في الأصل: ” بورتو غال ” ، فبورتا معناها: باب بالبرتغالية ، وهو بالفرنسية ” بورت ” ، والغال هم سكان فرنسا الأصليون ومن اسمهم اشتق لقب الزعيم الفرنسي الشهير ” شارل دي غول “.
ويقولون أيضاً ، إن اسم ” البرتقال ” هذه الفاكهة المعروفة ، مأخوذ من اسم ” البرتغال ” الدولة ، لأنها كانت وما تزال من أكبر منتجي هذه الفاكهة ومصدريها ، كما أن اسم ” المَندرين ” ، تلك الفاكهة الحمضية الشبيهة بالبرتقال ، مأخوذ هو الآخر من اسم لغة قومية ” الهان ” الصينية الشهيرة ، لأن بلادهم قد ارتبطت تاريخياً بإنتاج وتجارة ذلك النوع من الموالح.
والظاهر أن سائر العرب قد آثروا كتابة اسم هذه الدولة هكذا ” البرتغال ” بالغين الموحَّدة ، وكتابة اسم الفاكهة هكذا ” البرتقال ” بالقاف المثناة ، توخيَّاً للتفريق بينهما ، منعاً للاتباس.
وبسبب أن البرتغال قد كانت شريكة لإسبانيا في التراث العربي بالأندلس ، ذلك التراث الذي ظل قائماً ومستمراً لنحو ثمانية قرون ، فقد استعارت اللغة البرتغالية آلاف الألفاظ من اللغة العربية ، فهي ما تزال موجودة فيها ومستخدمة إلى هذا اليوم.
ولا شكَّ في أنَّ جميع الألفاظ التي تبدأ بصوت ألف ولام التعريف “ AL “ في البرتغالية والإسبانية كذلك ، هي ألفاظ عربية الأصل بكل تأكيد. ذلك بأنَّ أداة التعريف الأصلية في اللغة البرتغالية هي ” أُو ” بضم الهمزة تليها واو وتكتب هكذا بالبرتغالية “ O “ بالنسبة للمذكر ، و ” آ ” أو همزة ممدودة وتكتب هكذا بالبرتغالية “ A “ بالنسبة للمؤنث باضطراد.
ولذلك فإن كلمات مثل:
Azeite الزيت ، azeitona الزيتونا الذي هو الزيتون ، al deia الضيعة بمعنى القرية ، alface الفَسْ أي الخس هذا الخضار المعروف ، alfiad الفياد أي الخياط ، acucar السُكَّر ، alvalad الفلَد أي البلد ، بالإضافة إلى آلاف الألفاظ المشابهة الأخرى ، قد أخذتها هذه اللغة عن اللغة العربية.
ذلك ، واللغة البرتغالية هي لغة تنتمي إلى مجموعة ما تسمى باللغات ” الرومانسية ” ، المتفرعة بدورها من اللغة اللاتينية التي هي لغة هندية – أوروبية قديمة. وهي تُعتبر بالتالي ، أختا أو ابنة عم بالنسبة للغات مثل الإسبانية والفرنسية والإيطالية والرومانية نسبة إلى رومانيا المعاصرة.
أما الصفة لوزوفوني/ ليزوفوتني التي ترد في معرض الإشارة إلى اللغة البرتغالية أو النسبة إليها ، فمشتقة من الاسم اللاتيني Luso ، وهو اسم مشتق بدوره من الاسم ” لوزيتانيا ” Lusitania ، وهواسم أطلقنه الرومان قديماً على البرتغال عندما احتلوها خلال القرن الثاني قبل الميلاد.
إنَّ أول ما استرعى انتباهي أنا خاصةً ، وأنا دارس مبتدئ للغة البرتغالية ، الغالبة الظاهرة والطاغية لصوت الشين والأصوات الأخرى القريبة ممه مثل صوت الجيم المعطشة عليها ، مما يجعل لهذه اللغة وشوشة بينة ، حتى نستطيع أن نصفها بأنها لغة موشوشة ، إلى درجة قد تبلغ أحياناً إلى حد التشويش وتشعيث الذهن ، خصوصاً بالنسبة للدارسين المبتدئين ، من ذوي بعض المعرفة والتجربة اللغوية النسبية السابقة مع اللغتين الإنجليزية والفرنسية كحالتي.
فلئن اشتهرت اللغة العربية بأنها لغة الضاد ، واللغة الفنرسية مثلاً بأنها لغة الغين كما نقترح ، نسبة لطريقة نطق حرف ال R الذي يستحيل إلى غين لديهم عند النطق النموذجي ، فإننا نستطيع أن نقول إن اللغة البرتغالية هي لغة الشين بامتياز.
والسبب في ذلك هو أن اللغة البرتغالية ، شأنها في ذلك شأن اللغتين الإنجليزية والفرنسية مثلاً ، ترمز كتابةً إلى علامة الجمع بحرف ال S ، سوى أن الإنجليز ينطقون هذه ال S بصور مختلفة حسب موضعها من الكلمة ، بينما أن الفرنسيين يكتبونها ولا ينطقونها مطلقاً ، إلا في حالات نادرة عندما تقع بين حرفي علة. أما البرتغاليون فينطقون هذه ال S شيناً محققة وفي كل الأحوال. فكأن شين البرتغاليين هي سين عند الإنجليز.
تأمل عبارة:
Eu tenho Galinhas e Galos – أيوْ تينيو قالينياش إيْ قالوش ، التي تعني بالعربية: لديَّ دجاجات وديوك ، وبالإنجليزية: I have hens and cocks ، فتجد أن صوت الشين هو أكثر ما يصك أذنيك فيها.
وعلى خلاف مع عدد من اللغات الأوروبية ، نجد أن البرتغالية تشبه العربية في خصائص نحوية وتركيبية أساسية ، منها استخدام الضمير المستتر ، مما يجعل اتكاء المتعلم على محض خبرته السابقة مع بعض اللغات الأوروبية كالإنجليزية والفرنسية مثلاً ، غير مسعف له البتة. فالبرتغالية مثل العربية تماماً في وجود عبارات مثل ” أكلتُ ” بفاعل محذوف مقدر هو الضمير ” أنا ” الذي لا يحتاج المرء إلى ذكره ، إذ تدل عليه تاء المتكلم ، وذلك ما لا عهد للانجليزية أو الفرنسية به مثلاً ، بينما هو موجود في البرتغالية التي بوسع الواحد أن يقول فيها:
Falarei contigo أي: سأتحدث معك لاحقا ، بنفس معنى عبارة: Eu falarei contigo بحذف Eu التي هي ضمير المتكلم المفرد ” أنا “. والمعنى المراد في مثل هذه العبارات والجمل محذوفة الضمائر عموماً ، يفهم في البرتغالية بحسب السياق.
هذا ، ولا يقتصر الحذف و الاستتار في البرتغالية على الضمائر فقط ، وإنما يكون أيضاً في معرض الإشارة إلى أسماء الأعلام نفسها التي تبدو وكأنها معرَّفة ، مع أن أسماء الأعلام لا تُعرَّف عادة في معظم اللغات ، بما في ذلك اللغة العربية بالطبع.
فإذا قال البرتغالي O Paulo مثلا ، وترجمتها الحرفية هي ” الباولو ” ، فهو إنما يريد أن يقول O Senhor Paulo أي ” السيد باولو ” ، ولكنه يحذف اللقب Senhor ويبقي على أداة التعريف ، فيصير اللقب المحذوف مقدراً وجوباً ، تدل عليه أداة التعريف وهي ال O .
ولذلك فإن نصيحتي الشخصية لمتعلم البرتغالية المبتدئ خاصةً ، أن يجتهد لمحاولة نسيان تجاربه اللغوية السابقة تماماً ، اللهم إلا ما كان مما سيلاحظه من تشابه ، بل تطابق أحياناً لبعض ألفاظها مع عدد من الأفاظ في الفرنسية والعربية أيضاً كما أسلفنا ، فضلاً عن الإسبانية والإيطالية بالطبع والإنجليزية أحياناً، وأن يقبل على درسها بذهن فارغ ، وعقل متجرد ما وسعه ذلك.
وبعد ، فإن هذه بالطبع مجرد خواطر شخصية ، تعبر عن تجربة ذاتية محضة ، وهي بالتالي ربما لا تعبر بالضرورة عن تقييم موضوعي وعلمي متكامل بطبيعة الحال في هذه العجالة ، عن ماهية هذه اللغة المحترمة التي هي إحدى اللغات الرسمية للاتحاد الإفر يقي.

عن د. خالد محمد فرح

د. خالد محمد فرح

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً