عودة الأطباء والنظام الصحي

د. عمرو محمد عباس محجوب

يدور نقاش مجتمعي داخل الجسم الطبي حول عودة الأطباء المهاجرين لدواعي العمل في مجتمعات متقدمة او عودتهم من الدول التي لجئوا اليها مثل مصر (بدون إمكانية العمل) وشرق أفريقيا (حيث تتوفر بعض فرص العمل) او السعودية (العمل تحت ظروف سيئة) او الغرب (ذات الفرص المحدودة التي تحتاج لتأهيل). يتم النقاش حولها بدون التفرس في ملائمة النظام الصحي السوداني واستعداده لتوفير بيئة صالحة لعودتهم والعمل فيه بشكل مفيد لهم ولمجتمعاتهم.

إصلاح النظام الصحي السوداني ليس مسألة فنية فقط، بل هو مشروع سياسي-اقتصادي-اجتماعي متكامل، لأن انهيار القطاع الصحي في السودان جاء نتيجة تراكمات: ضعف الدولة، الحروب، هجرة الكفاءات، وتفكك البنية المؤسسية للنقص المستمر في التمويل. لذلك، أي تصور جاد للإصلاح يجب أن يعمل على عدة مستويات في آنٍ واحد، مع وضع عودة الأطباء في قلب هذا المشروع، لا على هامشه.

قبل الحديث عن الحلول، من المهم فهم طبيعة الخلل: انهيار البنية التحتية الصحية: مستشفيات مدمرة أو غير مجهزة، خاصة خارج الخرطوم، هجرة الأطباء (Brain Drain): نسبة كبيرة من الأطباء السودانيين تعمل في الخليج وأوروبا او في الملاجيء، ضعف التمويل: الإنفاق الصحي من أدنى النسب عالميًا، تسييس الإدارة الصحية: تعيينات غير مهنية وفساد إداري واختلال التوزيع الجغرافي: تركز الخدمات في المدن الكبرى. هذا يعني أن الإصلاح لا يمكن أن يكون عبر “زيادة عدد الأطباء” فقط.

يمكن ان نضع مباديء أولية لمسارات إصلاح النظام الصحي: إعادة بناء الدولة الصحية (Governance) والتي تقوم على مجانية الصحة على الأقل اولا في المستوى الأولي والثاني ووضع تصور حول دور التامين في المستوى الثلاثي، وربما يساعد في ذلك إنشاء مجلس صحي مستقل بعيد عن التقلبات السياسية واعتماد نظام حوكمة شفاف (موازنات معلنة، رقابة مجتمعية) وإنهاء التعيينات السياسية لصالح الكفاءة.

يلعب ولعب ضعف التمويل الأساس لانهيار الصحة خلال عقود لأنها كانت تنحصر في الإنفاق الرمزي لا الاستثمار. لذلك لابد من العمل على رفع الإنفاق الصحي تدريجيًا إلى 5–7% من الناتج المحلي. وربما يساعد إنشاء صندوق وطني للصحة بتمويل مختلط من ضرائب موجهة (مثل ضرائب التبغ والاتصالات)ودعم دولي مشروط بالإصلاح وغيرها.

نحتاج لوضع تصور حول إعادة بناء البنية التحتية مع بدء التركيز على الرعاية الصحية الأولية بدل النموذج العلاجي المكلف، خطة وطنية لإعادة تأهيل المستشفيات (3 مراحل) بحيث تشمل الطوارئ (المستشفيات
ثالثًا: دور عودة الأطباء – من الهجرة إلى “الدوران”

عودة الأطباء يمكن أن تكون عاملًا حاسمًا، لكن بشرط أن تُدار بشكل واقعي، لأن “العودة الكاملة” ليست دائمًا ممكنة. لذلك الأفضل هو التفكير في 3 نماذج: اولا العودة الدائمة (Permanent Return) وتحتاج إلى رواتب تنافسية نسبيًا (حتى لو أقل من الخارج، يجب أن تكون كريمة وبيئة عمل آمنة ومجهزة ومسار مهني واضح (ترقيات، تخصصات). بدون هذه الشروط، العودة ستفشل.

العودة الجزئية (Circulatory Migration) وهذا هو النموذج الأكثر واقعية: أطباء ذوي خبرات وكفاءات مميزة يعملون بالخارج لكن: يقضون 1–3 أشهر سنويًا في السودان ويشاركون في عمليات، تدريب، بناء قدرات وذلك عبر إنشاء برنامج رسمي “الطبيب الزائر السوداني” وتشمل هذه العودة الرقمية (Telemedicine وذلك بربط الأطباء في الخارج بالمستشفيات السودانية عبر: الاستشارات عن بعد والتدريب والتشخيص المشترك. وهذا النموذج منخفض التكلفة وسريع التأثير.

تحويل عودة الأطباء إلى قوة إصلاح حقيقية؟ لان المشكلة ليست فقط “عودة الأطباء”، بل كيف يتم توظيفهم داخل نظام مريض. لذلك لابد إشراك الأطباء العائدين في إدارة المؤسسات لا فقط العمل السريري وإنشاء شبكات تخصصية وطنية يقودها أطباء من الداخل والخارج وربط العودة بمشاريع محددة: إعادة تأهيل مستشفى، إنشاء مركز تخصصي او تدريب جيل جديد

لن يعود الأطباء إلا بعض قليل بالاعتماد العاطفي، فكثير من الخطابات تفترض أن الأطباء سيعودون بدافع وطني فقط—هذا غير واقعي. أضيف لهذا ان التركيز على النخبة الطبية فقط دون إصلاح التمريض، الإدارة، وسلاسل الإمداد هو حرث في البحر.
إصلاح النظام الصحي السوداني يتطلب معادلة ثلاثية: دولة قادرة + تمويل مستدام + كفاءات بشرية (داخلية + مهاجرة). وعودة الأطباء يمكن أن تكون “المسرّع” (Accelerator) لهذا الإصلاح، لكنها لا يمكن أن تكون “المحرّك الأساسي” إذا لم تُصلح البيئة نفسها.

عن د. عمرو محمد عباس محجوب

د. عمرو محمد عباس محجوب

شاهد أيضاً

مجموعة دال — الاقتصاد السياسي لرأس المال السوداني وتحوّلاته

د.عمرو محمد عباس يُعدّ صعود مجموعة دال، بقيادة أسامة داود عبد اللطيف، أحد أهم التحولات …