عُصْفُوُر وجَرَادَة- أبْ لِحَايّة، قصصٌ مِنْ التُّراثْ السُّودانَي- الحَلَقَةُ التَّاسِعَةُ والعُشْرُون .. جَمْعُ وإِعدَادُ/ عَادِل سِيد أَحمَد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كان عُصْفُوُرٌ، وزوجتُهُ جَرَادَة فقيرين، وكادحين، وكانا يسكُنان بالقربِ من قصر السُّلطَان.
وكان عصفور يعمل من بزوغ الفجر، إلى أواخر الليل في الفلاحةِ، والرعي، أمّا جرادة فقد كانت تكدح في خدمةِ نساءِ الحي، ومن بين مخدوماتها كانت بنتُ السُّلطَان!
ورغم ضيق ذات اليد، فقد كانا كريمين، مستورين، زاهدين، وفي حالهما، لا يدخُلانِ في المشاكل، والوشايات، والأقاويل التي كانت تنتظم الحي.
وفي أحدِ الأيَّام، عندما كانت جَرَادَة تقوم بمُشَاط (كوفير) بنت السُّلطَان، إذا بجديٍ كانَ يتقافز، ويمرحُ في الدار، يقترب منهما…
ومان وصل قبالتهما، حتى إبتلع عقداً ماسيّا، كانت بنت السُّلطَان قد وضعته من جيدها، في كُرَاعِ العَنْقَرِيْب (قائمة السرير).
ورأته جَرَادَة، ولكنها خافت من الإحتمالين:
– الأوَّل: (اتهامها بالجنُون، إن هي ذكرت الحقيقة!).
– والثاني: ( اتهامها بالسرقة إن هي صمتت!).
ولكن جرادة، فضّلت الصمتَ، على قول الحقيقة الخيالية، التي لا يُصدقها أحد، وأنهت عملها بسرعة في مشاط بنت السلطان، وانسلت إلى دارها، تتملكها المخاوف وتسيطر على عقلها الهواجس.
وفي المساء، تناهت إلى سمعها الضجةُ، والهيلمانة الحادثة، بسبب فُقدَان العقد من قصر السُّلطَان، وكيف أن بنت السُّلطَان صارت غاضبةٌ، وحزينةٌ، وما فتئت تجهشُ بالبكاءِ، منذ اكتشافها ضياع عقدها الألماسي الثمين، والذي لا يقدر بثمن، وكان عزيزاً عليها!
وبعد توترٍ شديد، وتفكيرٍ عميق، إهتدت جرادة لفكرة!
وكانت الفـــكرة تعتمدُ على أن يلعـــبَ عُصْفُوُرٌ دور الفَـــكِيْ (العرّاف)، ويخبرهم عن مكان العقد الألماسي، بُناءً على المعلومةِ، المُؤكدةِ بالنسبة لها، وهي: (ابتلاعُ الجدي لعقد الألماس!).
فقالت له:
– يا عُصْفُوُر، لقد شاهدت الجدي، بأمَّ عيني، وهو يبتلع العقد، عندما كنت أمشِّط شعر بنت السُّلطَان، وما عليك إلَّا أن تُمثِّل دور الفكي، وتخبرهم عن مكان العقد، ونستغنم نحنُ الفرصةَ لنتقرب من السُّلطَان أكثر ونكسب ودّه، فها هي الفرصة قد دانت لنا.
ولكن (عُصْفُوُراً) قلَّل من شأنِ فكرتها، ورفضَ اقتراحها خَوْفاً، ورهبةً، ولمَّا ألحَّت عليه، تعلل بأن السُّلطَانَ سيقطعُ رأسَهُ، ويجز عنقَهُ إن هو أخفق.
وسارعت جرادة، فطمأنته بأنها:
– متأكدةٌ، تماماً، مما تقول.
وألحت عليه إلحاحاً شديداً، فوافق، في الأخير، على أن يذهب للسلطان، ويَمْثُلُ في مجلسه، فكيّاً، عرّافاً.
وفي المجلس، قام بطُقُوسِ العرافين، والتي وصفتها له، وأوصته بها زوجتهُ (جَرَادَة)، فحرق البَخُور، وجرَّ السبحة، وعمل بخراتٍ، عضدها بهمهماتِ الدجالين، وغيرها من أفاعيل العرافين.
ثم، توكَّل على الله، وكمن يرمي بسهمِهِ الأخير، قال:
– العقدُ في بطنِ جَديٍ!
– وكيف يُمكن لذلك أن يكُون؟
– ألا تملكونَ جدياً؟
– نعم، نحن نملكُ جدياً.
– إذن، العقد الألماسي موجُودٌ في بطنِ ذلك الجدي.
فأسرعَ الحُراس وذبحوا الجدي، على الفور، وفعلاً، وجدُوا العقد الألماسي في بطن الجديِّ المذبوح.
ولم تسع بنت السُّلطَان الفرحة، وتبعها قومُها إحساساً بالفرح، فهللُوا وابتهَجُوا، وبالذات السُّلطَان، الذي وجد في عُصْفُوُرٍ ضالته، وقرر الإفادة منه لأقصى حد ومن مهاراته المجرّبة، ومآربَ أخرى كثيرة، منها حماية سلطته من اللصوص، وإماطة اكفهرار القدر، ودرء النحس!
وهكذا، فقد تبدَّل حالُ عُصفورٍ وجرادة، بين عشيّةٍ وضُحاهَا، واستقرا في جناحِ الخَدَم، داخل قصر السُّلطَان، ليس بطلب منهما، وإنما بدعوةٍ كريمةٍ من جلالة السُّلطَان، ذات نفسه، والذي طلب من عُصْفُوُر أن يكُونَ حاضراً، وبشكلٍ دائمٍ في مجلسه (أي مجلس السُّلطَان).
وبعد أيّامٍ قليلةٍ، أرسل السُّلطَانُ في طلب عُصْفُوُر، وكانت نيتهُ استعراضُ مهاراتِ عُصْفُورٍ برنامج ترفيهي، أعده للسلاطين من السلطنات المجاورة وهم في ضيافته، وكانَ السُّلطَانُ قد أفاضَ في مدحِ (عُصْفُوُرٍ)، ومجَّد وسرَّه الباتعِ أمام جمعهم السُّلطانِيْ.
فشكا عُصْفُوُرٌ لجَرَادَة حاله، ولامها، شارحاً لها كيف أنها ورطته، وسألها:
– ماذا يمكنني أن أفعل، الآن؟
فطمأنتهُ جرادة، وأكَّدَت له: (إنَّ اللهَ سيكُونُ معه، فلا يحزن، لأنَّ اللهَ عليمٌ بحالهما!).
وكانَ الامتحانُ، حسبما حدَّد السُّلطَان، أن يعرفَ عُصْفُوُر الشيء الذي سيضعهُ السُّلطَان داخلَ عُلب، كانت أمامه، وأكد السُّلطَانُ، للحاضرين، مرَّةً أُخرى، أن عُصْفُوُراً سيكتشف ذلك الشيء، بسهولةٍ فائقةٍ.
وخرج السُّلطَانُ إلى الحديقة، وهناك وجد (جَرَادَةً) تتقافزُ في أحدِ الأغصان، فقبضها، ووضعها داخل العُلبَة… ثم عاد ووضع العُلبَة أمامه، وأعلن بداية التحدي (لعُصْفُوُر)، الذي كان في حالةٍ يُرثى لها، وبطنه قد حاصته، وساحت رُكبه، وصار جسمه كله يرتعد!
فصاح وهو في ذروةِ الورطة، وقال معاتباً زوجته (جَرَادَة) بهمسٍ كمن يُخاطب نفسه:
– أَفّو ، يا جَرَادَة؟
وسمعه جميعُ الحاضرين في مجلسِ السلطان، فما كان من السُّلطَان، لدهشة عُصْفُوُر المفرطة، ما كان منه إلا أن صاح فرحاً:
– ألم أقُل لكم؟ عُصْفُوُرٌ هذا فكي نجيض (محنك)، وسرّو باتع (عظيم الشأن)، نفعنا الله بعلمه، ومتَّعنا، وأفادنا بصحبتِهِ، ثُمَّ أخرج الجَرَادَة من العُلبَة التي كانت أمامه، فقام القومُ، وهم يصافحُون (عُصْفُوُراً) برهبةٍ وإجلال كبيرين، وأغدق عليه السلاطين أجمعين من العطايا، والهدايا، والمال الوفير.
وعلى خلاف ما كان يتوقعُ الجميع، فقد كانت تلك الحالة الاحتفائية سبباً لإصابة عصفور بالحزن والغم.
و عندما عاد إلى داره، بثّ عصفورٌ همومَهُ، كلها، لزوجته (جَرَادَة)، قائلاً لها:
– يا جرادة، ليس في كل مرّة تسلم الجرّة!
ووافقته (جَرَادَةٌ)، وهمست له:
– إنَّ السُّلطَانَ سيقتلنا نحنُ الاثنين، إذا ما تم اكتشافُ أمرنا!).
وهكذا فقد اتفقا على إن الحل الوحيد لهما، هو: (الهربُ من ديار السُّلطَان، بما تيسر لهما من أموالٍ لم تكن بالقليلة!).
وفي ليلةِ الهرب الموعودة، شرعا في حزم عشرة جرايب ، مما غلا ثمنُهُ وخفَّ وزنُهُ، وسهُلَ حملُهُ، حسب الاتفاق الذي أبرماهُ قبل أيَّام.
وكان كلمّا يمتليء جرابٌ، يقولُ عُصْفُوُرٌ لجَرَادَة:
– قُولِي واحد!
ثم يلقي لها الجراب، ويقول لها:
– قولي اثنين!
فثلاث، فأربع، فتسعة، ثُمَّ العاشر، والأخير!
لقد كان هذا هو المشهد داخل الغرفة، أمّا خارجها فقد كانَ الوضعُ خطيرٌ جداً…
فقد فرغَ اللصوصُ، لتوِّهِم من سرقةِ خزائن السُّلطَان، ولكن، وقبل أن يهمّوا بالهرب، رأوا ضوءاً ينبعثُ من بيتِ الفكي (عُصْفُوُر)، وتملكهم الخوف وساورتهم الشُكوك، فأشفقوا على أنفسهم، وشعروا بأن أمرَهُم قد انكشف للفكي، وأرادوا أن يتأكدوا، وكان إذا ما مدَّ أحدُهُم رأسَهُ ليرى ما أذا كان الفكي عُصْفُور قد عرف بأمرهم، تزامن تطفُّلِهِ مع عدد الجرائب، فالأول سمع:
– قولي واحد!
والثاني سمع:
– قولي اثنين!
والثالث سمع:
– قولي ثلاثة!
والعاشر سمع:
– وهذا هُوَ العَاشِر، والأخير!
ولمَّا تيقن اللصوصُ من انكشاف أمرهم، طرقوا باب الفكي عُصْفُوُر، وعندما سمح لهم بالدخول، بادروا بلإعتذار منه، وأعلنوا توبتهم يديه، وأوصوه بأن يُرجِع الذهبَ، والمسروقاتِ الأُخرَى، إلى خزائن السُّلطَان، وأن يعفو عنهم، ويسترهم، ويعتقهم…
فعتقهم على الفور، ولكنه احتفظ بالمسروقات حتى الصباح!
وبعدَ أن أشرقت الشمسُ، ذهب (عُصْفُوُرٌ) إلى مجلس السُّلطَان، وسأله عن تمام خزائنه من ذهبٍ، ماسٍ، ومجوهراتٍ، ومال.
وعندها، اكتشف السُّلطَانُ السرقة!
فحكى له (عُصْفُوُرٌ) قصَّةَ اللصوصِ العشرة، وكيف أنه كشفهم.
فدعاه السُّلطَان لأن يطلب الجائزة التي يراها واعداً له بأنه سيُغنيه من رزق الدنيا… فرفض (عُصْفُوُر) أي جائزة تخطر على باله، ولكنَّ عُصفُورٌ طلب من السُّلطَان، أن تكون جائزته هي:
– (السماح لي بمغادرة السلطنة والعودة إلى دياري، وديار أهلي الأصليّة!)…
فسمح له السُّلطَانُ، بِرَّأ بوعده، بالمغادرة إلى ديار أهله!

/////////////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً