غضبٌ يصنع التاريخ وغضبٌ لا يكتب تاريخا .. بقلـم: عمـر العمـر


بما أن عبدالله حمدوك لم يذهب في تشخيصه الناجع للأزمة حد تسمية فيروسات المرض بغية محاصرتها واحتوائها، فنحن مطالبون باستكمال تلك المهمة الوطنية رؤية حمدوك اتسمت بقراءة ابلغ نفاذا من كل الطروحات الحزبية. الرجل وصّف الأزمة بأنها صراعٌ بين أنصار التقدم لجهة التحول الديمقراطي ودعاة عرقلة ذلك التقدم أو الإنقلاب عليه . لكن رئيس الوزراء آثر كدأبه الإختباء وراء الحياد. فرغم إعلانه الإنحياز الصريح إلى كتلة أنصار الإنتقال الديمقراطي إلا انه لم يؤشّر ولو إلى سمة واحدة من قسمات هذه الكتلة أو ملمح من ملامح الواقفين على الضفة المقابلة، مع أن كليهما يرفعان شعارات الثورة كلها. هي في كل الأحوال ليست مهمة عسيرة إذ يدرك الجميع أيهما الصادق وأيهما الكذوب المخادع.
*** *** ***

بما أن القانون حمار كما يردد العديد من الحقوقيين فلا بد من لائحة إتهامات تدين أحد الطرفين بالكذب بل هم فريق متلبسون بالإفك المعزز بالوقاحة ، بالبجاحة ، المكابرة، التزوير و الفقر إلى الحياء ، وكل مقومات الأدب وزينة الرجال بالإضافة إلى “قوة العين” على ممارسة السرقة والنهب المسلح. فكتلة دعاة تغيير الحكومة الحالية هم في الأصل التحقوا بصفوف ثورة ديسمبر في تواقيت متأخرة أتاحها لهم حسن ظن الثوار بهم كأبناء الشعب الراغبين في إحداث تحول في بنى الدولة المهترئة تحت سنابك الغلاظ من تنابلة الإنقاذ المجردين من الروح الوطنية والإنسانية. لكن بين من يذهبون إلى الجحيم العديد من أصحاب النوايا الحسنة . لو تحسس متصدرو هذه الكتلة البغيضة مواقعهم بينما كان نخبة من بنات وأبناء الشعب يتعرضون لآليات التعذيب المتوحش بين أيدي أشباه الرجال من الفاقد التربوي وفاقدي التربية الأسرية لكفونا شر التوغل في تبديد الوقت وإعداد لائحة الإتهام.
*** *** ***

ذاكرة الشعب لم تنس بعد استئثار جبريل ومناوي بامتيازات غير مستحقة إبان عهد الإنقاذ كما لن تغفر الذاكرة الشعبية ولوغهما في الفتنة والدم في دارفور حليفهما الحالي وعدوهما السابق حميدتي خير شاهد كذلك لن تنسى الذاكرة كيفية تدوير مسار ونهار من قبل زبانية نظام الإنقاذ بالمناصب الهامشية وحفنات من المال العام الحرام.. قطاع واسع لا يتذكر ذلك المطارد بالهجاء بينما كان طريدا جوالاً بين المظلات السياسية في المنافي .لو تخلى هؤلاء عن الكبرياء الزائف والزيف لأغنونا عن ملاحقة كل دراويش السياسة الآخرين ممن لم يعصمهم وازعٌ دينيٌ أو أخلاقي أو تكبحهم فحولتهم عن الإستثمار في برآة الأطفال “حيران ” الخلاوي بالغش والمكر الصراح.
أنصار التحول الديمقراطي يفصلون بين الدين والسياسة. ربما يدرك من يتغمصون أدوار البطولات الزائفة من قيادات الميلشيات المسلحة أن حروب العصابات لا تنمو إلا في أحضان الأنظمة الشمولية الظالمة. كلاهما الأنظمة والعصابات لا علاقة لهما بالديمقراطية. لماذا لم يلجأ جبريل ومناوي وأضرابهما لتقديم استقالاتهم من مناصبهم الحكومية بغية إحداث إنهيار من الداخل؟ حتما ليس لديهم ضمانات بالعودة إلى تلك المواقع إن هم فرّطوا فيها طوعا.
*** *** ***

مثل هذه الممارسات الفجة ليست من شيم دعاة التقدم، الحرية والعدالة.
دعاة التقدم لا يحرّضون على النكوص إلى الوراء. فالعالم إنتهى منذ سنين إلى قناعات ثابتة بتوصيف الأنظمة العسكرية ضمن قوى التخلف والقعود الوطني. ذلك ما أكسب ثورة ديسمبر زخمها الجماهيري واحترمها على الصعيد الدولي. ذلك ما اكسب خطاب حمدوك سندا دولياً. فأعداء التقدم وحدهم من ينادون بالحكم العسكري! دعاة الحراك الديمقراطي لا يستثمرون المال الحلال – دع عنك الحرام- في التحريض والإستنفار الجماهيري أنصار الديمقراطية يستعينون بقوة الشعب لا يستغيثون بقيادة الأركان. من يراهن على الشعب لا يعتصم ترقباً لبيان عسكري يفرّج أزمته أو يحقق أطماعه . من ينادي بالإستقامة الوطنية لا يكرّس منصبه من أجل تحقيق مآربه الذاتية أو يغلّب مصالحه الضيقة على المصالح العليا للشعب والوطن المؤمنون بالعمل الديمقراطي يمارسون الحوار لا يلوذون إلى آليات العنف. الرؤى السياسية النافذة تبلغ بأصحابها إلى جذور االقضايا لا تقف بهم عند حوافها.
*** *** ***

نعم ثمة أخطاء في تجربتنا الثورية . نعم ثمة خطايا وطنية من قبل الحاضنة السياسية نعم ثمة بطء في بلوغ الغايات وتحقيق الأهداف. نعم هناك إخفاق في شان استكمال هياكل الدولة الوطنية. لكن تجاوز تلك العقبات يُنجز بالحوار الديمقراطي الشفاف ليس بالتواطؤ مع العسكر ضد جماهير الثورة في الخفاء أو محاولات تزوير الإإرادة الوطنية . كل المحاولات الإنقلابية هي من مظاهر العوز الفكري والديمقراطي على سواء. الخطا من سمات حركة التقدم فمن لا يخطئ لايتقدم .مع ذلك ثمة فارق بين تصحيح الخطأ و محاولة حمل التقدميين على مواجهة الإنكسار. بعضٌ ممن رفعتهم سماحة الثورة أوغفلتها جيئ بهم بغية استكمال صورة السلم الإجتماعي الوطني. لكن أمسى ينطبق عليهم قول الراحل حسن الترابي في ذك الحقوقي المعروف” جئنا به كمبارس فبلغ به الأمر انيتطلع إلى دور البطولة” كلاهما في الحالتين بطولة زائفة.هؤلاء المنادون بحكومة تكنوقراط تناسوا مناداتهم عقب توقيع إتفاق جوبا بحل تلك الحكومة وفرضهم نهج المحاصصة المفضي إلى العجز الحالي. رغم ذلك فتحميل تلك الإدارة المدنية مسؤولية التعثر الحالي يجافي العدالة .
فلكبار الجنرالات وزعماء الميلشيات المسلحة أياد في تعطيل حركة استكمال بناء منظومات الدولة. هم المسؤولون عن الإخفاقات الأمنية وتبديد هيبة الدولة وإهمال مطلب إعادة هيكلة الجيش.
*** *** ***

من سمات الغضب الجماهيري صناعة التاريخ . لكن الغضب المصنّع لا يكتب تاريخاً. هناك بون شاسع بين مواكب وقودها شعور وطني فوار وتجمعات يتم تزييتها بالمال. شباب الثورة صنعوا تاريخا مجيداً بغضبهم الوطني النبيل.
صحيح لم يكونوا يملكون قيادة موحدة أو برامج معدة. لكنهم يملكون من الوعي ما يحصّنهم ضد المساومة أو التفريط كما يحصنهم ضد الإنجراف مع الإحباط لجهة سفح اليأس أو الأستسلام لمحترفي الفساد والإفساد وتصيّد المناصب .
هذا جيل واجه بشجاعة نادرة آليات قمع متوحشة فما لانوا ولا وهنوا. البعض يتحدث عن مبادرات يجري تداولها بغية تجاوز المأزق الراهن . هي ليست غير مساومات يبتغي المفسدون منها تحقيق ما يحفظ ماء وجوههم قبل أن يبتلعهم تسونامي جماهير أنصار التحول الديمقراطي والحكم المدني ، طوفان غضب الشارع صانع التحولات الكبرى .موعد الفصل الحاسم يوم الخميس.لعل المتأمل للمشهد يلحظ قي يسر كثافة الوجود النسائي في مواكب أنصار الثورة وندرة التواجد بين أعداء التقدم . هذه رسالة بليغة لمن يفهم التاريخ والمستقبل.

aloomar@gmail.com
/////////////////


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!