غيبوبة العقل السياسي: ولكن …عقل من؟ .. بقلم: د. الواثق كمير


■خلاصة الأمر!■

kameir@yahoo.com

تورونتو، 11 يناير 2022

تابعت الكثير مما نشره، الدبلومسي السابق خالد موسى، وهو كاتب حاذق وله أسلوب فريد في الكتابة، وبعض تحليلاته حملت قدراً من الواقعية. ومع ذلك، فالمقال الذي نشره مؤخراً، مُفارقٌ للموضوعية، إذ يبدو جليا بأنه قد وضع خلفيته الحزبية، الإسلامية السياسية، أمامه على شاشة الكمبيوتر وكأنه يشاهد، وينقُلُ من قناة طيبة الفضائية! (غيبوبة العقل السياسي مع إبراهيم البدوي وانتهازية الصفوة اليسارية عند أمجد فريد، 6 يناير 2022، الموقع الإلكتروني ل “الرواية الأولى”). ومن ناحية أخرى، لم أجِدُ ما أصف به المقال غير أنه “سمك لبن تمر هندي”، يتناول مقالات/رسائل رأي مختلفة المضمون لأربعة كتاب تتصل بمعنى وتداعيات استقالة رئيس الوزراء، د. عبد الله حمدوك، بدون اتباع منهج مرسوم ينظم العلاقة بين الحيثياتِ وما يتبعها من خُلاصات، مما جعل المقال مُرتبِكاً ومُربِكاً للقاريء الحصيف.

إبدأُ من عنوان الخطاب”فالجواب باينٌ من عنوانه”، فقد اختار السفير خالد عُنواناً مُثيراً لمقاله (غيبوبة العقل السياسي…)، فخطر ببالي صديقي العتيق عشاري أحمد محمود الذي له باعٌ طويل في اجتراح العنوانين الجاذبة للقاريء، كعنوان كتابه الأخير (البازِنْقِر). ولكن الفرق بينهما أن عشاري دائماً يُعرف القاريء بمحددات العنوان، وما يقصده به، في متن النص، بينما خالد لم يُقدِم في أطروحته أي تعريف لعبارة “غيبوبة العقل السياسي”، وماذا يُعني بها. فما هي المعايير الذي اتبعها لقياس مدى ودرجة وعي العقل السياسي للذين وسمهم بهذا الوصف في المقال؟ فالطبيب يملِكُ أدوات التشخيصة وأجهزة القياس الضرورية ليُقرِر إن كان المريض سيفيق من الغيبوبة أم سيُقضي نحبه؟ فهل يا تري نحن (الأربعة المذكورين) مصابون بغيبوبة “دائمة” أم هو اختلال “مؤقت” يُمكن البرء منه واستدراك علاجه؟ لكن، على الكاتب أن يدُلنا على كيفية ومعايير استعادة التوازن بعد زوال الغيبوبة، فهل عقله السياسي هو المرجعية التي تحكم على عُقولنا بالشفاء؟ يبدو أنه يسعى لذلك كما سأتعرض له في السطور القادمة!

أطروحة خالد والخلط بين المفاهيم!

وبالرغم من أن الكاتب لم يُضمنَّ إسمي في عنوان المقال، ولم يشِر إليه، ومعي الأستاذ المحبوب عبد السلام (الكاشف أخوي) إلا في ال 300 كلمة الأولى (من 1990 كلمة). ومع ذلك، فقد توصل السفير خالد إلى خلاصة أطروحته، للمفارقة، في مقدمة مقاله بدلا عن الخاتمة، ومن ثم أتي بالحيثيات لاحقاً (أكثر من 1600 كلمة) من مقالين آخرين للدكتور إبراهيم البدوي والأستاذ أمجد فريد. فهو يرى أن المواقف التي عبر عنها الأربعة تُلخصُ “غيبوبة العقل السياسي و انطماس تجلياته الفكرية”، بالطبع، لا مجال لي في تعقيبي هذا التطُرقِ إلى للمقالين المطولين لإبراهيم وأمجد بإستثناء ما يلي المفاهيم التي استخدمها الكاتب لتفسير وضعه لنا في سلة واحدة. فقد بنى خالد أطروحته على فرضية مغلوطة يخلِطُ فيها بين مفهومي “الليبرالية السياسية” و”الليبراليةالجديدة” (.(Neo-Liberalism فعلى حد تعبيرهِ، وأقتبس منه مُطولاً: “يمثل د. الواثق كمير والأستاذ المحبوب عبد السلام تياراً فكرياً ليبرالياً غير متحزب، لذا نصحا حمدوك بالتباعد عن الاستقالة لأنه يمثل للتيار الليبرالي بارقة امل في ان يكمل مسيرة التحلل من ممسكات الدولة التاريخية السودانية التي تقاوم مشروع الليبرالية الجديدة، وتستقي من ارث دولة سنار التي تحتفي بالتنوع لكنها تحفر عميقا في مجرى الثقافة السودانية الرئيس المتمسك بطبقات جذوره في الثقافة العربية الاسلامية ولسانه الهجين و تنوعه اللُغوي والعِرقي. لذا نظرا لحمدوك باعتباره سادن مشروع الليبرالية الجديدة وليس مجرد رئيس وزراء يقود الجهاز التنفيذي لانفاذ مشروع التحول الديمقراطي” (انتهى الإقتباس). وهذا “كلامٌ كبيرٌ” على قول الأديب العالمي الراحل الطيب صالح مُعبراً عن دهشته من ما ذكره له أحد الأساتذة بجامعة أكسفورد بأن رواية “دومة ود حامد” يتعلم منها نورمان ميلر الروائي الأمريكي المشهور، بينما كان الطيب صالح آنذاك روائياً في بدايات الطريق نحو العالمية، فكان رده “هؤلاء الناس يقولون كلاماً كبيرا”!.

لتفكيك هذا “الكلام الكبير”، أبدأ بالخلط المفاهيمي. إنَّ “الليبرالية الجديدة” هي حزمة من السياسات الاقتصادية التي انتشرت على نطاق واسع في العقود الأخيرة، في ظل العولمة المتسارعة للاقتصاد الرأسمالي، لمعالجة الأزمة الرأسمالية، بعد أن سادت “الليبرالية الاقتصادية” في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، . تشمل الملامح الرئيسة للنيو ليبرالية: هيمنة السوق، تقليص الانفاق الحكومي على الخدمات الاجتماعية، تحرير أسعار السلع والخدمات، وسياسات الخصخصة. فحين يُصرح السياسيون الإسلاميون ذوي النزعة “اليمينية والشمولية”، إن جاز التعبير، بأنهم يكرهون “الليبراليين” – فإنهم يقصدون “الليبرالية السياسية” – وليس لديهم مشكلة مع الليبرالية الاقتصادية والتي تنضوي الليبرالية الجديدة تحت لوائها. ولمَّ نذهب بعيداً للدلالة على هذا التوجه؟ أفلم يرشح نظام الإنقاذ، بعد أن بلغ الوضع الاقتصادي درك الانهيار، الدكتور عبد الله حمدوك لمنصب وزير المالية في أغسطس 2018؟ فهل أصبح حمدوك سادناً لمشروع الليبرالية الجديدة بعد ثورة ديسمبر وفي أعقاب تولىه لموقع رئيس الوزراء الانتقالي؟ وألم يتَّبَع رئيس الوزراء ووزير المالية، معتز موسي، في سبتمبر 2018، نفس روشتة الليبرالية الجديدة من رفعٍ للدعم وتحريرٍ للأسعار، أم أن نظرية “الصدمة” هي أحد تجليات مدرسة الاقتصاد “الإسلامي”؟ كان خالد حينذاك سفيراً مرموقاً في وزارة الخارجية فما هو الموقف الذي اتخذه في مقاومة مشروع الليبرالية الجديدة الذي يدعو إلى التحلل من ممسكات الدولة التاريخية السودانية، والتي أغفل تحديدها وتعرِيف مضمونها؟

صحيحٌ أنه أنا والمحبوب (الكاشف أخوي) نلتقي على كثير من المواقَف السياسيةِ المُشتركة ولكن في رحاب الليبرالية السياسيه كمفهوم “أخلاقي” يعنى بهيكل ونسيج المجتمع ويُقدِم رؤيته باستقلال عن أي عقيدة ٍأو مذهبٍ، وكآلية ناجعة لمخاطبة وحل تناقضات وخلافات التعددية والتنوع، وتتمثلُ مبادئه الحاكمة الرئيسة في: الدولة المعتدلة التي تفصل بين السلطات، خاصة استقلال مؤسسات العدالة عن الجهاز التفيذي، والمجتمع المدني كتنظيم اجتماعي يتمتع بقدر كبير من الاستقلالية عن الدولة، وحرية الفرد والمواطنة المتساوية. ومع ذلك، يظل اتهام السفير خالد لنا ب “اختزال عملية الانتقال السياسي و التحول الديمقراطي في بقاء شخص حمدوك، وكأن مغادرته تعني غياب لحظة الإلهام العبقري بتحقيقِ الانتقال، و هما أدري الناس بعجزه السياسي و ضعف قدراته القيادية. إنَّ عملية و صيرورة الانتقال process هي التي يجب ان تحظي بالاهتمام من حيث بناء المؤسسات والآليات”، غير صحيحٍ على الإطلاق. فأنا لست بصاحب تيارٍ سياسي حتى إرى أن بقاء رئيس الوزراء في منصبه يصبُ لصالحِ تياري أو يدعمُ رؤيتي، بل طلبنا منه أن لا يتعجل الأمر لأن استقالته (مع عدم استبعادها) قد تُزيدُ تعقيدات المشهد السياسي بعد انقلاب فض الشراكة، في 25 أكتوبر 2021، ويهييئ المسرح للقوى المُتربصةِ بالانتقال السِلمي لجرِ البلادِ إلى استبداد جديد. فهل كان السفير خالد يريد مني مُطالبه رئيس الوزراء بالاستقالة، دون شريكه في الاتفاقِ السياسي المُوقعَّ بينهما؟ فهذا رأي شاركني فيه كثيرون من المهتمين بالانتقال السلمي والمهمومين ببقاءِ الوطنِ مُتماسكاً. فإن كان خالد يرى غير ذلك، وكثيرون أيضا يشاطرونه في رأيه (وللمفارقة فإن الحزب الشيوعي، الذي يُناهضه خالد وينبُذُ توجهاته ويبغض أفكاره، ظل يطالب بإسقاط الحكومة منذ مقاطعته للمجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير في نوفمبر 2020)، فكان من الأجدر والأجدى أن يتقدم السفير بأطروحته وحججه، أو ليقل بجلاء أن استقالة رئيس الوزراء نِقمة وليست بنِعمة، بل هي مكسب للشعب السوداني، وليس لمصلحة ِجماعته، ويُفصِل ذلك في نقاط محددة، بدلا من الانغماس في التخريجات المفاهمية والكلام الكبير! وفي نهاية المطاف، ذهب رئيس الوزراء لحاله، فهل سأتخلي عن دعمي لصيرورة الانتقال حتى يتحقق التحول الديمقراطي الحقيقي؟ فإن كنت لبرالياً سياسياً لكني لستُ بساذجٍ سياسيٍ حتى أغُفل صيرورة الانتقال the process وأمعنُ النظر فقط على الشخوصِ. دعوتي إلى رئيس الوزراء لتأجيل الاستقالة ينبغي فهمها في سياق جهودي الُمتواصلة الهادفة أساساً والمهمومة ب “صيرورة” الانتقال ، وليس الدفاع عن وجود شخص بعينه، كما يقول خالد “مهما بلغت أهميته السياسية و رمزيته المعنوية للمشروع”. يُمكِنُ لخالد أن يُطالِع مقالاتي المنشورة منذ “الكرة في ملعب الرئيس”، في فبراير 2013، إلى مقالي الذي الذي نشرته مباشرة بعد التوقيع على الاتفاق السياسيي بين رئيسي مجلسي الوزراء والسيادة (الواثق كمير، عودة رئيس الوزراء : هل تحقق التوافق السياسي الوطني؟، سودانايل، 26 نوفمبر 2021). وأقتبس من المقال ‏”ربما، والأهم، فإنَّ العنوان الرئيس لمهام الانتقال، والهدف المحوري للحكم الانتقالي، يظل هو بناء مؤسسات الدولة (والمفوضيات القومية) وفصلها التام عن الصراع السياسي وتجييرها لصالح أطرافه، خاصة المنظومة العدلية، وإرساء قواعد حكم القانون وأسس العدالة والعدل. فهل أعدَّ رئيس الوزراء خطة محكمة لهذا البناء المؤسسي تضمن تكوينها بعيدا عن الصراع السياسي؟ فإن نجحت حكومة الانتقال في البناء المؤسسي فقط لا غير، تكون بذلك قد حققت نجاحاً مشهوداً وأحدثت اختراقاً جوهرياً نحو التأسيس لانتقال ديمقراطي حقيقي”.

مرجعية إفاقة العقل السياسي من الغيبوبة!

أختِمُ بالمحاولة للإجابة على سؤالٍ طرحته في بداية المقال عن مرجعية الحكم الذي أصدره في حقنا السفير خالد ب “غيبوبة العقل السياسي”. فمن خلال ما عرضته من تعقيب على هذا الحُكم يبدو جلياً أنَّ خالد يضعُ “الليبرالية السياسية” كمُعادلٍ لهذه “الغيبوبة”. فخالد يعِدُ موقِفِنا المشترك من استقالة رئيس الوزراء مُتسقاً مع مواصفات العقل السياسي ل”سدنة” الليبرالية السياسية، فعلى حد تعبيره، فإنَّ “الواثق كمير والأستاذ المحبوب عبد السلام يُمثِلانِ تياراً فكرياً ليبرالياً غير متحزب”. فإن صحَّت فرضية السفير خالد، فقد أغفل، قصداً أم سهواً، أنَّ الأستاذ المحبوب كان قيادياً مرموقاً في الحركة الإسلامية وانتقل تأسيساً على ما طرحه من “مُقدِمات” و”مُراجعات” شجاعة وصادقة إلى رحاب الليبرالية السياسية، بينما بقي خالد في محطته القديمة. يبدو أن انتقال المحبوب هذا يعني كثيراً لدى خالد. فعندما كان رئيساً لتحرير لصحيفة الطلاب الإسلاميين (صوت الجماهير)، التي كانت في نظرِ سلطة الإنقاذ الرسمية تُمثلُ تمرداً على الخط المحافظ لمن هم في الحكومة ، وجدت كل الدعم والمساندة من مكتب الشيخ حسن الترابي الذي كان يديره المحبوب، ومن المؤتمر الشعبي العريي الإسلامي حيث عملَّ المحبوب مديراً عاماً له. أما الآن، فقد أقدمَّ المحبوب على تأسيس حركة “تضامن من أجل الديمقراطية والعدالة”، وهي حركةٌ تطمح أن تكون حزباً سياسياً في المستقبل عبر الحوار والتحالف وله رؤية مبسوطة ومواقف أهمها كلمة مؤسسي الحركة لقد أكملنا مراحل القطيعة النفسية والفكرية مع كل تجليات الإسلام السياسي والمدارس السلفية. فهل مُفارقة المحبوب لمدرسة الإسلام السياسي، بعد جُهدٍ فكريٍ مبذول وتجربة مُتميزة، وتبنيه لمباديء الليبرالية السياسية، تجعله يعيش في غيبوبة وعيٍ سياسيٍ، أم صاحب الغيبوبة هو الذي يلفُظ هذه المباديء ويكِنُ لها العداء تمسُّكا ب المشروع الحضاري؟ ذلك، وكأنما يريدنا أن نتخذ من هذا المشروع مرجعيةً للعقل السياسي وشرطاً للإفاقة من الغيبوبة، فليتحسس السفير خالد عقله السياسي!
///////////////////////////


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك