دكتور محمد عبدالله
muhammedbabiker@aol.co.uk
تمر ذكرى الثالث من يونيو كل عام فلا تبدو كصفحة من الماضي بقدر ما تبدو كحدث ما زال يجري في الحاضر. فبعض الوقائع لا تتحول إلى ذكريات مهما ابتعد الزمن عنها، لأنها تترك أثرها في مسار الأمم وفي وجدان الشعوب. وجريمة فض اعتصام القيادة العامة واحدة من تلك الوقائع التي تجاوزت حدود يومها لتصبح علامة فارقة في تاريخ السودان المعاصر.في تلك الأيام كان الاعتصام قد تحول إلى مساحة وطنية جامعة، تجمعت فيها آمال السودانيين الذين خرجوا مطالبين بالتغيير بعد سنوات طويلة من القهر السياسي والاقتصادي. كان المشهد، بكل ما حمله من تنوع وحيوية، تجسيداً حقيقياً لروح ثورة ديسمبر، ولذلك لم يكن استهدافه حدثاً عادياً أو إجراءً أمنياً محدوداً كما حاول البعض تصويره لاحقاً. ومن بين أكثر التصريحات التي بقيت عالقة في الذاكرة السودانية حديث الفريق شمس الدين كباشي عن أن القوات كانت متجهة نحو منطقة “كولومبيا”، قبل أن يختصر ما جرى كله في عبارته الشهيرة: “حدث ما حدث”. كانت كلمات قليلة، لكنها فتحت باباً واسعاً من الأسئلة التي لم تُغلق حتى اليوم. فالمأساة التي وقعت في ذلك الصباح لا يمكن اختزالها في هذه العبارة العابرة، ولا يمكن لآلاف الأسر التي فقدت أبناءها أن تكتفي بمثل هذا التوصيف المقتضب لما جرى. وفي العام التالي، أضاف الفريق محمد حمدان دقلو بعداً آخر للنقاش عندما وصف ما حدث بأنه “انقلاب مكتمل الأركان”، مشيراً إلى توقيف أفراد من قواته قال إنهم مرتبطون بالنظام السابق والحركة الإسلامية، ومن بينهم ضباط كبار. كما أكد أنه لم يكن مؤيداً لعملية الفض. وبين هذه الروايات المختلفة ظل السودانيون يبحثون عن الحقيقة الكاملة، حقيقة لم تتمكن لجان التحقيق ولا المؤسسات الرسمية من تقديمها بصورة نهائية حتى الآن. ومهما تعددت الروايات، فإن الثابت هو أن ذلك اليوم مثّل نقطة تحول حاسمة في علاقة السودانيين بمؤسسات السلطة. فقد بدا واضحاً أن الطريق إلى الدولة المدنية لن يكون سهلاً، وأن الشعارات التي رفعتها الثورة ستواجه مقاومة شرسة من القوى التي رأت في نجاحها تهديداً مباشراً لمصالحها ونفوذها. لهذا لم يعد فض الاعتصام بالنسبة إلى كثير من السودانيين مجرد حادثة مأساوية وقعت وانتهت، بل أصبح رمزاً للصراع بين مشروعين متناقضين: مشروع يسعى إلى بناء دولة تقوم على الحرية والمساءلة وسيادة القانون، وآخر يتمسك بأدوات السيطرة القديمة ويرى في التحول الديمقراطي خطراً يجب احتواؤه أو تعطيله. وإذا كان شيء واحد قد بقي ثابتاً خلال السنوات التي تلت المجزرة، فهو الشعور العام بأن العدالة لم تتحقق بعد. فالأحداث الجسيمة التي رافقت عملية الفض، وما أُثير حولها من شهادات واتهامات تتعلق بالقتل والانتهاكات المختلفة، ما زالت تنتظر كلمة القضاء والتحقيق المستقل. وهذا التأخير الطويل لم يؤد إلا إلى زيادة الإحساس بالمرارة وإلى تعميق فقدان الثقة في المؤسسات التي كان يفترض أن تكشف الحقيقة وتحاسب المسؤولين. إن الأمم لا تُقاس بقدرتها على تجاوز مآسيها بالنسيان، بل بقدرتها على مواجهتها بالحقيقة. ولهذا فإن استحضار ذكرى الثالث من يونيو ليس استدعاءً للحزن من أجل الحزن، وإنما تذكير بأن بناء المستقبل يبدأ من الاعتراف بالماضي وعدم التهرب من أسئلته المؤلمة. بعد سبع سنوات ما زالت صور ذلك اليوم حاضرة في الوجدان السوداني، وما زالت أسماء الضحايا تُذكر باعتبارها جزءاً من قصة شعب أراد أن يصنع مستقبله بوسائل سلمية. وقد تتأخر العدالة، وقد تتعثر الحقيقة، لكن التجارب الإنسانية الكبرى تعلمنا أن القضايا المرتبطة بدماء الأبرياء لا تموت بالتقادم، وأن الشعوب قد تصبر طويلاً لكنها لا تنسى. ولهذا يبقى الثالث من يونيو أكثر من مجرد ذكرى سنوية؛ إنه امتحان مفتوح للضمير الوطني السوداني، وسؤال ما زال ينتظر إجابته الكاملة: كيف يمكن بناء وطن جديد من دون كشف الحقيقة كاملة بشأن إحدى أكثر محطاته إيلاماً؟ وهل يمكن للمستقبل أن يستقيم قبل أن يُنصف الماضي؟ رحم الله ضحايا تلك المأساة، وأبقى ذكراهم شاهداً على أن الحرية والعدالة ليستا مجرد شعارات تُرفع في الساحات، بل قيم تُدفع من أجلها أثمان باهظة، وتبقى حية في وجدان الشعوب مهما طال الزمن.
