فلنبرأ من حب الإمام

 


 

عمر العمر
29 نوفمبر, 2022

 

عامان على رحيل الإمام ولمّا نبرأ من حبه . سنتان ولمّا يسكت الفراق أصوات المدح في شأنه أو يطفئ الحزن لسعات القدح في حقه . فكما في حضوره يظل الصادق المهدي في غيابه اكثر مجايليه من ساستنا اثارة للمشاعر المتضادة . هو محور لا يبرد للجدل افتنانا وانتقادا .ربما تصح المقاربة في هذا التضاد بينه وبين منصور خالد. لكن في حال الأخير يغلب النقاش في شأن أفكاره بينما مع الإمام يحتدم الجدل في مواقفه. تلك مقاربة لا تقلل من فضيلة الصادق المهدي بحسبانه اكثر ساستنا إسهامًا في الكتابة ، الاصغاء والمجادلة المشفوعة بالحجج ، الاقتباسات، الأشعار ،الحكم والأمثال فالكتابة عنده ضربًا من ممارسة التمارين الرياضية للذهن كما قال لي .لعل حرصه عليها كما بعض التمارين الرياضية عززتا منعته ومناعته في مقاومة ماتعرض له من ممارسات الصغار من الجلادين والخصوم .
******
سيرة الإمام حافلة بأطياف الجمال الإنساني الشاخصة في الرجل السوداني الفحل الجزل .كما هي عامرة بمزايا السياسي المناضل المثابر النبيل .هي فوق ذلك بانوراما الاقتداء الجاذبة حد الإنحذاب لزعيم طائفة عصري وسطي الروح في حقبة ظلامية مستبدة مزيفة ضالة مضلة حد العمى في الإتجار بالدين. أنت في كل ذلك أمام زعيم يملك مخزونًا لا ينضب وقت الاختبار من الجلد على المكاره، مقابلة الأذى بالصبر ، السفه بالحلم والجهل بالعلم مع الخصم والصديق أو البعيد والقريب كما مع الصغير والكبير .
******
أحباب الصادق المهدي أكثر من غيرهم حاجة للتحرر من حبه الأعمى بغية استبصار مستقبل ظل في خاطر الإمام لم تعنه الظروف السودانية المركبة على ترجمته واقعًا .ربما لأنه لم يستطع الانفكاك من بيئته الضاغطة عليه من الجهات الست. فالصادق عاد من اكسفورد مبشرًا بفكر تنويري يستهدف بث قدر من الإشعاع داخل أروقة (الأمة) .لكن محدودية معرفته بالحزب وكيان الأنصار جعلت طموحه الوثاب اسرع إيقاعاً من الإطارين التقليديين. من هناك بدأ اصطدام الصادق مع كل الحرس القديم داخل المشهد السياسي .كما ساقته البيئة برمتها إلى تحالفات حكومية عرجاء أطفأت شعلة تنويره و اربك حماسته .ذلك اضطراب عجّل بتآكل شريحة الشعبية المكتسبة وسط البورجوازية الليبرالية داخل الحزب و خارجه.
******
ذلك الصدام المبكر المباغت وضع الزعيم الشاب العجول في مهب رياح تناقضات لم تهدأ مع إبحاره في الخضم السياسي المتلاطم الأهواء.فالقارئ المتزن في مسيرة الصادق المهدي يجد دون عناء تأرجحًا في المواقف على نحو جارح أحيانًا .في سياق هذا التأرجح تشخص أخاديد بين الفردية والجماعية في القيادة ، بين الديمقراطية ورفض احترام مؤسساتها ، بين المناداة بحكومة قومية والضغط عليها بادوات العنف حتى تفكيكها بين معارضة الدكتاتورية حد رفع السلاح في وجهها والتصالح معها.بين المناداة بتحديث أُطر السياسة و الدعوة إلى أسلمة توجهاتها.مع انه ليس من تناقض بين التحديث والأسلمة ألا حينما يصبح الإسلام مظلة للحكم المطلق.
******
لعل أفضل الوفاء يمكن تقديمه للإمام في ذكرى رحيله يكمن في التحرر من ذلك الإفتنان الجارف بسيرته لجهة الاعتراف بوجود أخاديد في التجربة ينبغي العمل الواعي من اجل ردمها .ربما تلقي هذه المهمة واجباً مستحقا اكثر على ابناء وبنات الإمام ولكن ليس قبل غيرهم أو من ذلك الغير. الصادق ظل مهجوساً بإخراج المشهد السياسي من أسر النخب التقليدية ؛ الدينية،العسكرية والبيروقراطية كما ظل منشغلا بتحرير الدولة من التقاطعات الإقليمية . لعل هذا أفضل ما يمكن استخلاصه من نهائيات مسيرته .فكل إداراتنا الحكومية لم تستطع النهوض بأعبائها متحررة من ضغوط تلك القوى .تلك المهمة لن يساهم في إنجازها حزب يكابد التشقق والوهن البنيوي والفكري .
******
قد لا يجافي المحبة تحميل الراحل قدرًا من مسؤولية حال التركة الحزبية الراهنة الواهنة على تباين مستوياتها القيادية.فمنذ ظهوره المبكر على المسرح السياسي استهدف الصادق المهدي بناء زعامة شخصية على (الطريقة الصينية).هو لم يخسر لاحقًا ما اكتسب سابقا من شريحة البورجوازية الليبرالية بل حدث تدابر بينه وبين نافذين ومستنيرين داخل بيت الأمة .منهم من آثر الصمت على الكلام المباح.نقد التجربة لا ينتقص من قدر صاحبها.أ ولم يكن الصادق المهدي إلا بشرًا يخطئ ويصيب؟
******
كثيرا ما استهوتني مقاربة مسيرة الصادق المهدي وسيرة رئيس وزراء باكستان الشهيد ذو الفقار علي بوتو. فبين السيرتين العديد من القسمات المشتركة كما يبدو لي.كلاهما كانا محور رهان جماهيري لتعميق النظام الديمقراطي.كلاهما كرسا الجهد للزعامة الشخصية على حساب المؤسسية.حزب الشعب الباكستاني عانى من الانشقاقات كما هو حال الأمة .فقط البشير لم يرتكب مع المهدي حماقة ضياء الحق مع بوتو. كلاهما البشير وضياء الحق حملا على كتفيهما (البندقية الإسلامية ) كلهما جسدا راس النظام الثيوقراطي بينما. شخصن بوتو والإمام النضال الديمقراطي. كما لم يعرف الباكستانيون زعيما قادرا على تجميع اجنحة المعارضة السياسية طوال تاريخهم كذلك يفتقد السودانيون بعد رحيل الصادق المهدي الزعيم صاحب المهارة على تجميع الفسيفساء السياسية.
******
سارة الفاضل أدت إبان حياتها دورا أكبر مما لعبت البيجغو م نصرت بوتو أثناء حياته .لكن الأرمل الباكستانية أظهرت معدنا سياسيا صلبا عقب إعدام زوجها.حتما دور الابنة بينظير بوتو ظل اكثر بريقاً وجاذبية وأعظم تأثيرًا .ربما لم تنج من ذلك التأثير والجاذبية إبنة الإمام مريم او ربما شغف الإمام بابنة صنوه الباكستاني على نحو جعله يمهد لمريم دورا على المسرح السياسي.أيا جاء المنبع فليس ثمة لبس في طموح جموح لدى المنصورة باستنساخ صورة ليست أقل بهاءاً مما أنتجت ابنة بوتو.
******
ربما تذهب المقاربة بين الصادق المهدي وبوتو لجهة المقارنة بين دور المؤسستين العسكريتين في السودان وباكستان . في البلدين عانى الشعبان من تقحم العسكر على المشهد السياسي حداً ألحق اضرارا ماحقة بتجربة البناء الديمقراطي كما عمّق التناقض الوطني مثلما فعل بالتناقض الطبقي.
******
ما لم نبرأ من عاطفتنا الجارفة تجاه الإمام لن نقوى على مداواة جراحات الأمة .قيادات الحزب مطالبة قبل غيرها و أكثر من تلك بتغليب الموضوعية على عاطفة الحب إذا أرادت إعادة بناء حزب بناء . لعل تلك الخطوات تبدأ بتنقية سيرة الحزب من ركام شوائب بغية تنقية ثوب الإمام من بقع سوداء . في تلك المراجعة النقدية يندرج ممارسة(عنف البادية)ضحى ثورة اكتوبر، تجريد النواب الشيوعيين من مقاعدهم البرلمانية، رفض الامتثال لأحكام القضاء، مبادرة الخروج عن(تجمع المعارضة )، السماح لنفسه بقبول وسام من يدي البشير،السماح لإبنه بشغل منصب في هرم دولة الإنقاذ.صبغ هرم الحزب بمسحة عائلية .وما الصادق المهدي إلا بشر له نصيب من الذلل لكنه عصي على الذل.

aloomar@gmail.com

 

آراء