فينومينولوجيا الثورة السودانية: داخل حدود البنية اللغوية (١) .. بقلم: د. مقبول التجاني
3 يناير, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
39 زيارة
الفينومينولوجيا عبارة عن نظرة فلسفية تعتمد على الخبرة الحدسية للظواهر كنقطة بداية و ما تمثله هذه الظواهر في خبرتنا الواعية، ثم تنطلق من هذه الخبرة لتحليل الظاهرة نفسها، وأساس معرفتنا بها. يمكن أن نرصد بدايات هذا التوجه مع هيغل، و تطوره مع هوسرل، و مارتن هايدغر، وسارتر.
تقوم الفينومينولوجيا على العلاقة الديالكتية بين الفكرة والواقع، و يعتقد هوسرل أن عملية إدراك الماهيات، هي جوهر الفينومينولوجيا.
بينما يعتقد هايدغر، أن إدراك الماهية بصورة كاملة، عملية شبه مستحيلة، و كلما إقتربنا من فهم جانب من الشيئ، يخفي عنا الشيء جانب آخر.
كما يري هبرماس أن الفينومينولوجيا و عملية الإدراك نفسها، خاضعة لبنية اللغة، و لا يمكن أن تتخطاها بأي حال من الأحوال، فيتحول السؤال من كيف أفكر، الي بماذا أفكر، في الواقع اليومي المعيش.
من جانب آخر، تتأثر الفينومينولوجيا والبنية اللغوية، بالثقافة السائدة و سيولة حركة التأريخ، و اللذان بدورهما، يخضعان للتحيز و سؤ الفم.
إذاً، هناك حواس خمسة، و هناك عقل، و تتوسط الفينومينولوجيا و البنية اللغوية بينهما.
بذلك تصبح عملية المعرفة المطلقة مستحيلة، و لكنها في إستحالتها، تعتبر عملية إيجابية، لأنها تعطي فرصة مستمرة، لتحرر الإنسان من الهيمنة و السيطرة، و ذلك بسعيه الدائم نحو العقلنة.
الثورة السودانية، منذ إنطلاقتها، حدثت و تطورت، داخل حدود البنية اللغوية للسودانيين، و تفاعلت خطاباتها الإعلامية المختلفة، مع جمهور المتلقين الثائرين، ليتم ترجمتها الي أفعال في أرض الواقع.
بهذا تصبح عملية تفكيك، و إعادة بناء الخطابات، و تطوير البنية اللغوية السودانية، هي عملية تطوير للثورة السودانية نفسها.
علي ضؤ ذلك، تأتي هذه المحاولة الإستقصائية، لفهم بنية الوعي لمنتجين الخطابات الإعلامية، و تصوراتهم الذهنية، و دوافعهم، و تفاعل تلك الخطابات، مع بنية وعي المتلقين، و من ثم ترجمتها في شكل أفعال ثورية، أو إنتاج خطابات إعلامية أخري.
تختلف الدوافع الذاتية، للفاعلين علي مسرح الثورة السودانية، فمنهم من يعبر عن حالة التناقض الداخلي الفطرية للمواطن البسيط، في سعيه الدائم للتحرر من الهيمنة و السيطرة، و منهم الساسة و الناشطين، و مجموعات المصالح و السيطرة، و الدوائر الخارجية.
التصور الذهني و بنية الوعي نفسها، تحدث لها تغييرات كمية و نوعية، و إضافات، عندما يتم نقل المعاني و الخطابات، بين الأفراد و الجماعات المختلفة، و تفاعلها مع منطق الأحداث العملية اليومية، ليحدث هنا الجدل بين الفكرة و الواقع.
عملية نقل المعني هذه، كما يري المفكر سلافوي جيجيك، تتم من خلال اللغة و الصورة معاً.
الصورة نفسها، يمكن أن تكون في شكل أيقونة، أو تمثال، أو رؤية مجردة.
بما أن مسرح الثوار المتلقين، في حوجة مستمرة للمعلبات المفاهيمية و الشعارات الجاهزة، كوقود إحتراق محرك للثورة، فإن ذلك يجعلهم بإستمرار، عرضة للتضليل، و الخطابات الملغومة، و محاولات السيطرة و التوجيه، و تصديق التسريبات الإعلامية المفبركة، و التأثر بالأكروبات اللغوية للساسة، و الإنجزاب نحو أساليبهم البلاغية، و تصديق تبريراتهم الفطيرة.
بعض ذلك الإحتيال اللغوي المركب، الموجه نحو عقول الجماهير، يحدث عن طريق تكثيف المحتوى الإعلامي، و إستعمال دلالات رمزية من الثقافة المشتركة، و الإستدلال الإنتقائي، و التعقيدات المنطقية و اللجؤ الي الصورات المتطرفة.
تسعي منظومات السلطة و السيطرة، الحاكمة و الحزبية، و شبكات المصالح المختلفة، و الشلليات، و اللوبيهات، من خلال أدوات الإستيعاب المختلفة، و خطاباتها الإعلامية، للحيلولة دون تحقيق، أهداف عموم الجماهير.
لكن المجتمعات الإنسانية، عن طريق الفعل التواصلي اللغوي، تتقدم بإستمرار، نحو عقلنة المجال التداولي العام، و إصلاح مجال النظم السياسية الذاتي.
تجنب الوقوع في شرك الإستيعاب، في الأوضاع السائلة، كما يري الزميل أمين صديق، يتطلب من الفرد جهد ذهني كبير، و إنضباط اخلاقي عالي، و الرجوع لمعايير موضوعية معينة، لتحديد الموقف السياسي.
أيضاً الجدل اليومي المستمر، بين الخطابات المعلبة و الواقع العملي، يقوم في أحيان كثيرة، بتعرية ثقوب الخطاب بما يحمله من أفكار، و كشف زيفه و إدعاءات منتجيه.
هذه العملية الجدلية الديناميكية، قد تؤدي الي تغيير مواقف و توجهات المتلقين، في مختلف الموضوعات، بصورة مستمرة، نتيجة لفشل النمازج و التصورات الذهنية، المحيطة بالفرد، في سوق العرض و الطلب.
هنا يأتي دور المفكر و الفيلسوف التنويري للتحفيز، و التجسير و ملء الفراغ، و تحصين المجال العام، و ذلك بإنتاج المفاهيم، و الأفكار المعقلنة، و تفكيك العموميات، و الإلتحام مباشرة مع الجماهير، في عملية نقدية شاملة.
magboul80@gmail.com