في انتظار مفاجأة الرئيس اليوم .. بقلم: إمام محمد إمام

بحصافة

ما تزال مفاجأة الرئيس عمر البشير تشغل السودانيين داخل السودان وخارجه منذ فترة غير قصيرة. ولم يقتصر هذا الانشغال على السودانيين وحدهم، بل امتد إلى كثير من الدوائر الأجنبية المهتمة بالشأن السياسي السوداني. وقد تسنى لي بالأمس (الأحد) أن أجلس مع نيك هايلي مدير إدارة الشؤون الإفريقية في وزارة الخارجية البريطانية بدعوة من بيتر تيبر سفير المملكة المتحدة لدى السودان في مقر السفارة بالخرطوم، حيث تطرق الحديث في هذا اللقاء إلى أهمية إحداث الحكومة السودانية لانفراجات في الوضع السوداني الراهن. وكأني به يشير إلى المرتقب من حديث الأخ الرئيس عمر البشير مساء اليوم (الإثنين) في خطابه المهم للأمة السودانية الذي يجيء في إطار الإصلاحات والتغييرات التي تشهدها البلاد منذ التشكيل الوزاري الأخير في ديسمبر الماضي.
ومما لا ريب فيه، أن خطاب الأخ الرئيس البشير الذي يترقبه السودانيون بفارغ الصبر منذ بضعة أسابيع، في انتظار معرفة ما تتضمنه المفاجأة الرئاسية من قرارات وموجهات لسياسات وبرامج جديدة، لتكون متلازمة التغييرات المستمرة في الشُّخوص. وأحسبُ أن البعض اشتط في توقعاته حول المفاجأة، وذهب مذهباً بعيداً، من أن الأخ الرئيس عمر البشير سيعلن في خطاب اليوم، حل الحركة الإسلامية، في مفارقة بينة للتيار السياسي الداعم للإنقاذ منذ تفجيرها في يوم الجمعة 30 يونيو 1989 إلى يومنا هذا، حتى بعد أن تكاثر حولها جماعات ما بعد الفتح، وتسنموا المناصب العُلا فيها. وفي توقع أقرب إلى الخيال منه إلى الحقيقة أو بالأصح توقع فيه أمانٍ للبعض يتمنونها بأن الرئيس عمر البشير سيعلن اليوم في مفاجأة لم تخطر في بال الإنقاذيين وخصومهم معاً، تنحيه عن الرئاسة، وتكوين حكومة انتقالية وجمعية تأسيسية تكون بديلة للمجلس الوطني (البرلمان)، بل أنهم ذهبهم في أمانيِّهم هذه، إلى تشكيل الجمعية التأسيسية برئاسة السيد الصادق الصديق المهدي، يؤول إليها أمر إجازة الدستور وإجراء الانتخابات النيابية. ولكن لم يصبر على تلكم الأماني، ولا على أصحابها، الأخ البروفسور إبراهيم غندور مساعد رئيس الجمهورية، ففاجأهم بالقول الذي سيحسمه الرئيس عمر البشير بنفسه اليوم، بأن الرئيس عمر البشير باقٍ في منصبه. وأن المفاجأة عبارة عن برامج وسياسات جديدة تعقب التغييرات التي حدثت وستحدث في الشخوص.
وأحسب أن الكثيرين، خاصة جماعات مجالس المؤانسة المنتشرة في مدن السودان وخارجه، بدأوا يتحدثون عن مقاربات بين حزب المؤتمر الوطني (الحزب الحاكم) والأحزاب والقوى السياسية الأخرى لا سيما الكبرى منها، والأكثر فاعلية، كالثلاثي ذي القاعدة الجماهيرية، وفقاً لآخر انتخابات أجريت قبل مجيء الإنقاذ، وهم: حزب الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي والجبهة الإسلامية القومية. ومن بُشريات هذه المقاربات حديث السيد الصادق الصديق المهدي عن ضرورة البحث عن نقاط تلاقٍ بين الأحزاب والقوى السياسية كافة لمعالجة قضايا الوطن الراهنة. وحديث الأخ الصديق حاتم السر المتحدث الرسمي باسم الحزب الاتحادي الديمقراطي (الأصل) والمقرب من السيد محمد عثمان الميرغني رئيس الحزب عن ضرورة تجاوز المرارات، وإحداث قدر من التنازلات من الحكومة والمعارضة للوصول إلى وفاق وطني يعالج المشكل السوداني. ولما كنت أعلم علم اليقين عن مواقف الأخ حاتم السر، خاصة في قضية مشاركة حزبه في السلطة مع المؤتمر الوطني، من خلال أحاديثنا المتواصلة في أُمسيات لندن، وأحسب أن مياهاً كثيرة جرت تحت الجسر. أما المؤتمر الشعبي، فإن في صمت الشيخ الدكتور حسن عبد الله الترابي، طوال هذه الفترة، والإكثار من التحذيرات بالإشارات والتلميحات، فيها كلام صريح وأحاديث كُثر. ويبدو أن المؤتمر الوطني الذي ما تزال تشوقات الكثيرين من جماهيره، وأشواق بعض قيادييه، توحداً في التنظيم، أو تكاملاً في الرؤى. والكثيرون حيرى من صمت الشيخ الدكتور حسن الترابي، ويحاولون قصارى جهدهم في سبر غور هذا الصمت العجيب، ولكنهم يعزون أنفسهم في عدم معرفة ما يعتزمه الدكتور الترابي، وما يخبأه وراء هذا الصمت، وفي صمت الشيخ كلام، وذلك من خلال ترديدهم لحكمة الشاعر العربي زهير بن أبي سلمى في قوله:
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده
فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
وأخلص إلى أن من مؤشرات المقاربة ما بين المؤتمرين، مهما ادعى البعض التباعد والتباغض، وفي ذلك أتذكر قول الشاعر الأندلسي ابن زيدون:
أضْحَى التّنائي بَديلاً عنْ تَدانِينَا
وَنَابَ عَنْ طيبِ لُقْيانَا تجافينَا
يكاد حين تناجيكم ضمائرنا
يقضي علينا الأسى لولا تأسينا
ويبدو أن من مؤشرات هذا التقارب المرغوب والمنكور في الوقت نفسه، أن السلطات الرسمية أبلغت المؤتمر الشعبي برفع الحظر عن صحيفة “رأي الشعب” لسان حال الحزب، مما جعل أحد صقور جديان المؤتمر الشعبي الأخ كمال عمر عبد السلام الأمين السياسي، المعروف بشططه في خصومته للمؤتمر الوطني وبعض قيادييه، يصف هذا القرار، بوصف غير معهود منه، إذ وصفه بأنه “خطوة مهمة”. أما الذين تطرفوا في تخيلهم، واشتطوا في خيالاتهم، بأن مفاجأة الرئيس عمر البشير التي سيعلنها اليوم، تتضمن في طياتها تنحيه عن الرئاسة، فلا أحسب أن عاقلاً يذهب هذا المذهب، لأنه لا يمكن للأخ الرئيس عمر البشير أن يتخذ كل تلكم الخطوات الجريئة في التغييرات الأخيرة، ويعمل جاهداً لوضع برامج وسياسات جديدة لإنفاذ مرئياته المرتقبة في الإصلاح والتغيير، ولا أظن، وليس كل الظن إثماً، أن سيواصل المسيرة، ويحسم اليوم التخيل بالحقيقة، مؤكداً ما قاله الشاعر العربي زهير بن أبي سلمى في معلقته الشهيرة:
وأَعْلـَمُ مَا فِي الْيَوْمِ وَالأَمْسِ قَبْلَـهُ    
وَلكِنَّنِـي عَنْ عِلْمِ مَا فِي غَدٍ عَـمِ
=====
i.imam@hotmail.co.uk

عن إمام محمد إمام

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً