الطيب صالح

في ذكرى الطيب صالح (١): عُرس الزّين: الرِّيادة المبكرّة للواقعية السحرّية .. بقلم: أحمد ضحية

توطئة:
أولى روايات عبقري الرّواية العرّبية، المبدع الرّاحل الطيب صالح ”عُرس الزّين“ لا تأخذ أهميتها من قيمتها الفنية والجمالية فحسب، فهي أيضاً تأخذ أهميتها من الزّمن الذي كُتبت فيه (¹⁹⁶²)، كرّواية رّائدة، سبقت ”مائة عام من العزّلة“ (¹⁹⁶⁷) كرواية مؤسسة لنوع جديد من السرّد، الذّي يمتزج فيه الواقع باللامَعقول والفانتازّي والغرّائبي والعجائبي، بالتالي ”عُرس الزين“ بذلك تكون من الأعمال السردية المبكرّة، في التعبير عن ”موقف فكري“ تأسس على أن العلم لا يملك كل الاجابات، حول حيّاة الإنسان وعلاقته بالكون.
فكثيرّة هي الأسئلة الوجودية، التي عجز العلم عن الإجابة عنها، فيما عبر عنها السرد كفضاء مفتوح، غير مطالب سوى بعكس حالة الوجود الإنساني، لذلك يمثل الطيب صالح رائداً مهماً من رواد ”الواقعية السحرّية“ التي عبرّت عن نفسها بوضوح في ”عُرس الزّين“ في وقتٍ مبكر استبق ماركيز بخمسة سنوات، كما سنرى لاحقاً في هذا العُرس الأسطورّي.
وبطبيعة الحال، لا تُعد قراءتنا هذه شاملة؛ لكل ما انطوى عليه نّص ”عُرس الزّين“، من تقنيات وأساليب وأدوات تعبير فني، وإنما جهد محدود، لإلقاء ضوء عام على ”عُرس الزّين“ وما حفلت به من ثراء فني وجمالي، من زاوية نزعم أنها مختلفة.

تقنيات جديدّة:
العنوان نفسه كعتبة أولىٰ لهذا النّص الغّني، بنهوضه على دالين/ علامتين: (عُرس/الزّين): كجملةٍ أسمِّية من كلمتين (مبتدأ وخبر)، يُعزز من حالة الفرّح والوليمة الشاملة، التي تستوطن مدلولاتها الاستهلال الحوارّي بنبأ صادّم ”قالت حليمة بائعة اللبن لآمنة –وقد جاءت كعادتها قبل شروق الشمس– وهي تكيل لها لبناً بقرش: سمعت الخبر، الزّين مو داير يعرس!
وكاد الوعاء يسقط من يدي آمنة. واستغلّت حليمة انشغالها بالنبأ، فغّشتها اللبن، ص: ¹⁸¹“
فالعُنوّان هنا اشتغل علىٰ تجذير الدّلالة في الاستهلال، الذّي أفضىٰ بدورّه إلى رّسوخ المعنىٰ في متنِ النّص علىٰ المستوىٰ الرّمزي.
فـ(الزّين) كعلامةٍ يُحيل إلى الجوهر الجميل، الذي يزّين الأشياء، كما تحيل (نعمة) إلىٰ الخير والطبيعة بما تمثله لهؤلاء القوم المزّارعين. وكذا (الحنين) في بُعده الرّوحي، يتجاوز إلىٰ الشوق والتوق إلى إتحاد الطبيعة مع القوّى الغيبية.
انتقائنا لهذه المفردات الثلاثة (الزين/نعمة/الحنين) في الكشف عن البُعدِ الرّمزي، لأنها تمثل المحاور الأساسية، التي تستمد منها وقائع وأحداث الرواية توهجها.
وهكذا في السير على هدى علامات النّص، لابد من الإشارّة إلى اللغة التي اندرجت في سياقها: ”اللُغَّة السودانية“ بإيحاءتها وإيماءتها وبلاغتها، في التشبيه والاستعارّة والاستعمالات الشاعرية، في تفجيرِ المعنى. وهو ما ميّز السرد عند الطيب صالح.
فلُغَّته مزّيج من الفصحى والدارجة –التي في الحقيقة ليست دارجة بالمعنى المعروف، إذ كثير منها فصحى قحة، غير متداولة في العرّبية المعاصرّة– لكن يتم التعامل معها كدارجة، (مفردة ”زول“ بمعنى رجل). وغيرها من المفردات، التي أُختزلت حروفها كـ (حبابك: مرحبا بك، أو حبا بك).
وظف الطيب صالح مبكراً، الحيل والأدوات الفنية، السينمائية في سرده الروائي كالمونتاج والتقطيع الذي لا يكاد يخلو منه مشهد من المشاهد الحوّارية بدءً بالاستهلال. كذلك تركيز الكاميرا والضوء على بعض المشاهد، بالاستعانة بالوصف أو أصوات داخلية أو خلفية، للكشفِ عن الزّوايا المختلفة للصورّة.

الحَكَّاية والدّلالات:
كان الخبر ينتشر انتشار النّار في الهشيم، يحمله الطفل (الطرّيفي) إلى المدرّسة، فينجو من عقاب الناظر له على التأخير، وككل الذين علموا بخبر ”عُرس الزّين“ قبل غيرّهم، يستغل (علي) إلقاء الخبر بوجه (عبد الصمّد) لصرفه عن المطالبة بما يدين له به. لقد تحوّلت صدّمة ”عُرس الزّين“ إلى مناسبة للإفلاتِ من العقابِ، أو تفادي غضب الدائنين.
في ”عُرس الزّين“ والمكان الذي تجري فيه وقائع هذا العُرس، تولد كل نوّيات شخصيات الطيب صالح، التي تنمو وتكبر وتكتسب خبرات مختلفة، تتحرك بها بين إحداثيات أعماله الرّوائية الأخرّى، التي سيكتبها لاحقاً ”موسم الهجرّة إلى الشمال، بندر شاه (ضوالبيت ومريود)، حتى لنكاد نلمح بعض الظلال المتحدرّة منها؛ في آخر أعماله (المنسي).
شخصيات حيّة، لا يشوبها يأس أو خاطر بالانهيار، إذ يقدم الطيب صالح في هذه الرّواية التأسيسية، عبر شخصية الزّين، العديد من الشخصيات الرّيفية مسلطاً الضّوء على المناطق البعيدة، المعتمّة في أعماقِ وجدّانها، مستلهماً الحيّاة السودانية في الخمسينيات من القرن الماضي. بأبعادها الرّوحية والمادية، من خلال النموذج الذي تقدمه قرّية الزّين.
لا توجد شخصية رئيسية تلعب دور البطولة، وشخصيات إستثنائية يستضيفها النّص، فهناك عدّة شخصيات رئيسية، يقف على رأسها الزّين والمكان، والحنين ومحجوب والإمام والنعمة نفسها. رُغم أن الملمح الأبرز للبطولة، يمثله الزّين كمركز لغالبية الوقائع والأحداث التي تدور حول فلكه، تتفرع منه وتغذّيه.
ولمركزية الزّين/المهمش، استغرق تحليل هذه الشخصية المركزية التي تتحرك من موقع المهمش، إضاءات وظفت فيها مختلف التقنيات؛ من وصف وحوار و مشهدية.
فالزّين كشخصية مركزية، على غير شخصية مصطفى سعيد في ”موسم الهجرّة“ فهو ليس بطلاً إشكالياً محتقناً بأسئلة محيرّة، أنه شخصية بسيطة على هامش الحيّاة، لكنها تنطوي على طاقة أُسطورّية، خلاقة..
فهو نسيج من طيبة القلب والسذاجة. أنفق حياته قبل زواجه من نعمة، في الكثير من الحماقات والمغامرات، التي غذّت من أُسطورّيتهِ في خيالِ النّاس.
فالزّين بإمكانه السيطرّة على ثورٍ هائج، واقتلاع شجرّة سنط من جذورّها ”كلهم يعلم أن هذا الجسم الضّاوي قوّة خارقة، ليست في مقدورِ بشر؛ وسيف الدين.. هذه الفرّيسة التي انقض عليها الزّين الآن، لا محالة هالك (….) لكن صوت الحنين ارتفع هادئاً، وقوراً فوق الضّجة: الزّين المبروك. الله يرضى عليك. وانفكت قبضة الزّين، ووقع سيف الدين على الأرض هامداً ساكناً، ص: ²²³“
الزّين أراد أن يثأر لضربِ سيف الدين له بالفأس على رأسه، لأنه تحرّش بأخته يوم عُرسها، لاعتقاده أنها تحبه هو ولا تريد هذا العَريس.
أنه الزين الذي يثير خبر عزمه على الزّواج كل هذه الجلبة ”يولد الأطفال؛ فيستقبلون الحيّاة بالصرّاخِ، هذا هو المعروف. ولكن يُروى أن الزّين –والعهدّة على أمه والنساء اللائي حضرن ولادتها– أول ما مس الأرض، انفجر ضاحكاً، وظل هكذا طول حياته. كبر وليس في فمه غير سنتين: واحدة في فكه الأعلى، وأخرى في فكه الأسفل، وأمه تقول إن فمه كان مليئاً بأسنانٍ بيضاء كاللؤلؤ، ص: ¹⁸⁷“
الوقائعِ التي تمر بحياةِ الزّين، تجعل منه شخصية أُسطورّية. فهو يفقد أسنانه وهو طفل عندما مرّ بخرابةٍ ”عيناه صغيرّتان محمرّتان دائماً، محجرّاهما غائِران ككهفينِ في وجهه، ولم يكن في وجهه شعر إطلاقاً، لم تكن له حواجب ولا أجفان (…) ليست له لحية أو شارب. تحت هذا الوجه رّقبة طويلة، من بين الألقاب التي أطلقها الصبيان على الزّين (الزرّافة)، ص: ¹⁸⁸“
باختصارٍ، كان الشكّل (الظاهرّي) للزين يفتقر للوسامة والجمال، و ليس (زيناً)، فالرّاوي يولي أهمية كبيرة لوصف الشكّل الظاهرّي للزّين، بكتفيه المتهدلين وزرّاعيه الطويلين، ويديه الغليظتين بأصابعهما و أظافرهما الطويلة، وصدرّه المجوّف، وظهرّه المحدودب. و ساقيه النحيلتين وقدّميه المفرطحتين؛ بندوبهما الكثيرّة. التي تحكي الكثير من القصص والحكايات.
فالزّين لا يحب لبس الأحذية. وهو شخص نّهم، ولص لا يتورّع عن سرقةِ الطعام في الأعراس. ومع ذلك لا يتحرج الأهالي من دخوله بيوتهم، ومخالطة نسائهم؛ فهم لا يعتبرونه رجلاً ”لم يعبأ الزّين بهذا، ولكنه استمر يحكي في القصة: وفي الوسط ألقالك العروس، بنيتن سميحة مكبرّتة ومدخنة، وملبسنها فركة قرمصيص (…) مسكت الشافعة عضيتها في خشمها، ص: ¹⁹¹“
يبدو أن هذه الحادثة تبذر فكرّة الزواج في رأس الزّين، فيطلب من محجوب أن يزوجه ابنته علوية، ويوافق محجوب أمام الحاضرين، على أن يحصد الزين زرعه أولاً ويصبح مستعداً للزّواج. لكن في الحقيقة أن ”قصة حب الزّين لعلوية إبنة محجوب، كانت آخر قصة حب له، بعد شهر أو شهرين سيسأمها ويبدأ قصة جديدّة، لكنه في الوقت الحاضر مشغول بها يصحو وينام على ذكرها (…) أنا مكتول في حوش محجوب، ص: ¹⁹²“
والرواية تحتشد بالصرّاعات النفسية الخفية في المواقع السردية المختلفة، التي ينهض فيها الشخوص.. في موقفهم مع إمام الجامع أو ضده.. في موقفهم من الزّين أو معه.. في مواقفهم من بعضهم البعض.. في رغبتهم في نعمة.. في رّغبة إمام الجامع في الرّاقصة؛ وهو يتلصص على تقاطيع جسدها تفصيلة تفصيلة.
كل شخصية من هؤلاء الشخوص؛ تحمل فكرّة مركزية، في سياق الفكرّة المركزية التي يجسدها الزّين، الذّي ينطوي وجدانه على أفكارهم جميعاً في تناغم عجيب!
فهو عربيد وماجن، لكن في الآن نفسه وجدانه شديد الثراء روحياً، فهو الصديق الوحيد للحنين الولي الصالح.
رّواية عُرس الزّين تصور المجتمع كاملاً بفئاته المختلفة، وتوجهاته المتباينة. برجاله ونسائه وأطفاله. المحافظين والخارجين على الثقافة السائدة. العبيد والجواري السابقين في الواحة، والأحرار أهل القرية.. جميعهم يتقاطعون في نقطة مركزها الزّين، قبيح المظهر زين الجوهر.
”قتل الحب الزّين أول مرّة، وهو حدث لم يبلغ مبلغ الرّجال. كان في الثالثة عشرّة أو الرابعة عشرّة. نحيلاً هزيلاً. كأنه عود يابس، ومهماً قال النّاس عن الزّين، فإنهم يعترفون بسلامة ذوقه، فهو لا يحب إلا أروع فتيات البلد جمالاً، وأحسنهن أدباً وأحلاهن كلاماً. كانت عزّة ابنة العمدة في الخامسة عشرّة من عمرها، وقد تفتح جمالها فجأة، كما تنتعش النخلة الصبية حين يأتيها الماء بعد الظمأ (…) وقد عرف العمدّة كيف يستغل هذه العاطفة، فسخر الزين في أعمالٍ كثيرّة شاقة، يعجز عنها الجن (…) وما أن مضى شهر، حتى شاع في البلد؛ أن عزّة خُطبت لابن خالها، الذّي يعمل مساعداً طبياً في أبو عُشر، ولم يَثر الزّين. ولم يقل شيئاً، ولكنه بدأ قصة جديدّة ص: ¹⁹⁶/¹⁹⁷/¹⁹⁵“
وهكذا منذها والزّين يقتله الحب في مكان ما، فمرّة عند البدو في القوز، ومرّة في قريته. كانت الفتاة التي يقع الزّين في حبها، ويصيح بأعلى صوته: ”أنا مكتول في فلانة“ تشتهر ويتكاثر خُطابها ”كان زواج بنت العمدّة، وزواج حليمة. نقطة تحوّل في حيّاة الزّين، فقد فطنت أمهات البنات إلى خطورّته كبوقٍ يدعين به لبناتهن، في مجتمع محافظ، تُحجب فيه البنات عن الفتيانِ، ص: ¹⁹⁹“ وهكذا أصبح الزّين رسولاً للحبِ، ينقل عطرّه من مكانٍ إلى مكان. كان الحب يصيبه فينتقل إلى قلوب الآخرين، فما تلبث يد فارس منهم تمتد تأخذ حبيبته، وتلتفت لتجد الزّين مسخراً للخدمة في عُرسها، أو بين النساء في المطبخ يعابثهن. لتبدأ قصة حب أخرى ”وكان الزّين يخرج من كلِ قصة حب كما دخل، لا يبدو عليه تغيير ما. ضحكته هي هي لا تتغير، وعبثه لا يقل بحال. وساقاه لا تكلان عن حمل جسمه، إلى أطراف البلد (…) ولعل الزّين بفطرّةٍ فيه، أدرّك خطورّة مركزه الجديد، فأصبح يتدلل على أمهاتِ البنات، ويتردد قبل أن يُجيب دعوّة إحداهن للإفطار أو الغداء (…) كل هذا وفي الحي فتاة واحدة لا يتحدث الزّين عنها ولا يعبث معها.
فتاة تراقبه من بُعدٍ، بعيون حُلوّة، غاضبة. كلما رآها مقبلة يصمت، ويترك عبثه ومزاحه، وإذا رآها من بُعد، فرّ من بين يديها وترك لها الطريق، ص: ¹⁹⁹/²⁰⁰“
إنها إبنة عمه نعمة ”وجدته يوماً في مجموعة من النساء، يُضاحكهن كعادته، فانتهرته قائلة:
ما تخلي الطرطشة والكلام الفارغ، تمشي تشوف اشغالك. وحدّجت النساء بعينيها الجميلتين. سكت الزّين عن الضحكِ، وطأطأ رأسه حياءً، ثم انسل بين النساء، ومضى في سبيله، ص: ²⁰⁴“
وفيما إحساساً خفياً غامضاً يُلقي ببذورّه الأولىٰ، على وجداني نعمة والزّين، مضت أم الزين تروج ”أن ولدها ولي من أولياءِ الله الصالحين. وقوَّى هذا الاعتقاد صداقة الزّين مع الحنين، ص: ²⁰¹“ الرجل الصالح المنقطع للعبادة، الذي يظهر ويغيب كل ستة أشهر، لا أحد يدري كيف يعيش، وأين يذهب ”كان إذا قابله في الطريق عانقه، وقبله على رأسه وكان يناديه: المبروك، ص: ²⁰²“
وفي الحقيقة كانت للزّين صداقات عديدّة من هذا النّوع المهمش، والذي يعتبره النّاس غريباً! مثل عشمانة الطرشاء وموسى الأعرج وبخيت المسخ.
كان الزّين يحنو على هؤلاء المهمشين، ويساعدهم. ويرى أهل البلد هذه الأعمال من الزّين، فيزداد عجبهم: لعله ملاك أو نبي الله الخضر!
ولذلك كان خبر رّغبة الزّين؛ في الزواج من نعمة مزلزلاً. كيف يزوجون نعمة، زينة بنات البلد للزّين! الزّين؟!
نعمة التي تدّنف في عشقها زينة الشبان. الزين؟!
نعمة منذ طفولتها الباكرّة استثناءً بين أقرانها، فهي التي أجبرت والدها على إدخالها الكُتاب. كانت الأنثى الوحيدّة بين الصبيان الذّكور، وتعلمت الكتابة والقراءة في شهر واحد. كانت مختلفة وتشعر بأنها منذورّة لتضحية عظيمة، لا تدري ما هي!
رفضت نعمة كل خطابها الذين يفوقون الزّين في كل شئ، وفقاً لنظر المجتمع لكن، ”حين يخطر الزّين على بالِ نعمة، تحس إحساساً دافئاً في قلبها، من فصيلةِ الشعور الذي تحسه الأم نحو أبنائها، ويمتزج بهذا الإحساس شعور آخر بالشفقة. يخطر الزّين على بالها كطفلٍ يتيم، عدّيم الأهل، في حاجة إلى الرّعاية. أنه إبن عمها على كلِ حال، وما في شفقتها عليه شئ غريب، ص: ²¹⁵“
ولا شك أن (نعمة) وبشكل كامل: شخصية حازمة، محافظة، ذات إرادة مستقلة، في مجتمع محلي محافظ. فهي الفتاة الصغرّى المدللة والجميلة لحاج ابراهيم عم الزّين، الذّي يُعد من الأثرياء والموسرّين في القرية.
علاقة نعمة بالزينِ، وقبولها أو مبادرتها الزواج منه، جزء من أُسطورتها كفتاةٍ فريدة. أنها الوحيدّة التي تعادل أُسطورية الزّين، فهي الوحيدة التي كانت تنظر إليه بعيون مختلفة عن العيون التي يراها به النّاس. دهشة الجميع من قبول نعمة بالزّين، لقناعتهم بأنه تصرُّف غير منطقي بمعايير مجتمعهم، وأنها تستحق الأفضل، وفقاً لمعايير الأفضلية عندهم.
لكن هل كانت تصرّفات الزّين، خاضعة لمعايير هذا المجتمع.. قطعاً لا!.. شخصية الزّين نقيض لشخصية نعمة، فهو يتسم بنوع من الفوضوية، رغم استجاباته العفوية النبيلة، نعمة ترى فيه ما لا يرونه!
”ولما عاد الزّين من المستشفى في مروي، حيث ظل أسبوعين. كان وجهه نظيفاً يلمع، وثيابه بيضاء ناصعة، وضحك فلم ير النّاس كما عهدوا: سنين صفراوين في فمه، ولكنهم رأوا صفاً من الأسنان اللامعة في فكه الأعلى، وصفاً من الأسنان كأنها صدف البحر في فكه الأسفل، وكأنما الزّين تحوّل إلى شخصٍ آخر. وخطر لنعمة وهي واقفة بين صفوف المستقبلين، أن الزّين في الواقع لا يخلو من وسامة، ص: ²¹⁹“
إذن تلك البذرّة التي لطالما أرقت محجوب وعصابته. البذرّة التي ألقتها نبؤة الحنين، على وشكِ الإفلاتِ من تلافيف حجب الغيب، والسقوط لتنغرس هنا..
في المدى الذي يفصل بين الزّين ونعمة.. تنمو في هذه المساحة الخالية، وتتشابك أغصانها جسوراً، يعبران خلالها أحدهما جهة الآخر”وقال الحنين في صوتٍ أكثر رّقة وحناناً: كل البنات دايرتنك يا المبروك. وباكر تعرس أحسن بنت في البلد دي. وأحس محجوب بخفقة خفية في قلبه. كان فيه رّهبة دفينة من أهل الدين. خاصة النُساك منهم أمثال الحنين. كان يهابهم ويبتعد عن طريقهم ولا يتعامل معهم، وكان يُحاذر نبؤاتهم. ويحس –بالرُّغم من عدم اهتمامه الظاهري– بأن لها أثراً غامضاً.. نبؤات هؤلاء النُساك لا تذّهب هدراً، ص: ²²⁵“
المناخ الأسطوري (يفج) الحَكّاية، فقد تأثرّت حيّاة كل أولئك، الذين عاشوا تلك اللحظة الفاصلة، بين الحيّاة والموت، فرّقبة سيف الدين لم تكن وحدها التي بين يدي الزين لحظتها!.
سيظلون يحكون لأحفادهم، لعشراتِ السنوات القادمة، كيف استعاد الحنين سيف الدين/ واستعادهم، من قبضةِ براثنِ الموت، الذي قادهم إليه الزين؛ ليروه من مسافة أقرّب من حبلِ الوريد، أو فاصلة بين شهيق وزفير ”وسيف الدين نفسه يؤكد هذا الزّعم، يقول إنه غاب عن الدنيا البتة، ورأى تمساحاً ضخماً في حجم الثور الكبير، ص: ²²⁸“
لقد تغيرّت حياتهم جميعاً في تلك اللحظة الفاصلة بين حياتين. أولهم سيف الدين الماجن الفاسق (التلفان) الذي مات أبيه بحسرّته عليه ”وبينما البلد بأسرها تضج من ذلك البلاء الذي إسمه سيف الدين، إذا به فجأة بعد حادث الحنين يتغيّر؛ كأنه ولد من جديد. لم يصدق النّاس عيونهم بادئ الأمر، ولكن سيف الدين أخذ كل يوم يأتي بجديد. سمعوا أولاً أنه ذهب من صباحه إلى أمه، وقبل رأسها. وبكى طويلاً بين يديها، وما كادوا يستجمعون أنفاسهم، حتى سمعوا أنه جمع أعمامه وأخواله. وأنه تاب واستغفر أمامهم، ص: ²³⁴“
لقد نسج خيالهم الكثير من الأساطير حوّل هذا الحدث الفارق بين زمنين، والمبشر بتحقق معجزات قادمة لا ريب. معجزات لا تقل إعجازاً عن التحول؛ الذّي حدث في حيّاة سيف الدين على يد الزّين.
البلد نفسها لم ترى في حياتها رخاءً مثل ذلك العام، الذّي أصبح إسمه (عام الحنين) فقد انفتحت البركات على البلد من كل الاتجاهات، بل أن النساء العاقرات أنجبن، والبهائم ولدن إثنين وثلاث ”تمر النخيل كتير لامن غلبنا في الشوالات النشيل فيها. التلج نزل. دة كلام! التلج ينزل من السما في بلد صحرا زي دي! وهز الناظر رأسه. وهمهم عبد الصمّد كلمات في حلقه، فقد كان نزول الثلج في ذلك العام، شيئاً حيرّهم جميعاً، ص: ²⁴³“ ولكن المعجزّة الكبرى ولا شك عُرس الزّين نفسه!..
فقضية زواج الزّين، كشفت عن خريطةِ التحالفات، ومراكز القوى في القرية، ومعسكرّات المع والضد والحياد.
لكن من بين كل هذه الجبهات يقف معسكر الإمام البغيض الملحاح، الذّي كل صناعته تذكير النّاس بالموت؛ فهو شخص غير منتج، لا يزرع ولا يحش. يعيش على الصدقات وجلود الأضاحي ونفحات الأهالي، التي يدفعونها عن غير طيب خاطر ”كان يرتبط في أذهانهم بامور يحلو لهم أحياناً أن ينسوها: الموت والآخرة والصلاة (…)
لم يكن يعنيه كما يعنيهم أوان زرّاعة القمح، وسُبل رّيه وسماده أو قطعه أو حصّاده. لم يكن يهمه هل موسم الذرّة في حقل عبد الحفيظ نجح أم فسد، وهل البطيخ في حقل ود الرّيس كبُر أو صغُر. كم سعر اردب الفول في السوق. هل هبط سعر البصل. لماذا تأخر لقاح النخل (…)
كان يلهب ظهورهم في خطبه، وكأنه ينتقم لنفسه منهم، بكلامٍ متدفق فصيح، عن العقاب والحساب والجنة والنّار ومعصية الله والتوبة إليه، كلام ينزل في حلوقهم كالسُّم.
يخرج الرجل من المسجد بعد صلاة الجمعة زائغ العينين، ويحس وهلةً أن تيار الحيّاة قد توقف. ينظر إلى حقله بما فيه من نخلٍ و زرع وشجر، فلا يحس بأي غبطة في نفسه. يحس أنها جميعاً عرض زائل. وأن الحيّاة التي يحياها، بما فيها من فرح وحزن، ما هي إلا جسر إلى عالمٍ آخر (…)
وسريعاً، أسرع مما كان يتوقع، تغيب صورّة العالم الآخر البعيد، وتأخذ الأشياء أوضاعها الطبيعية، وينظر إلى حقله، فيحس مرّة أخرى بذك الفرح القديم (…)
شذ من هذا الفريق رجل في السبعين، إسمه إبراهيم ود طه. لا يصلي ولا يصوم ولا يزكي ولا يعترف بوجود الإمام، ص: ²⁵⁰/²⁵¹/²⁵²“
فقد تزّعم هذا الرّجل الشباب الكسالى، والمتمردين، والمتعلمين الذين قرأوا أو سمعوا بالمادية الجدلية.
لكن الوسطيين، كانوا هم أصحاب النفوذ الفعلي. فهؤلاء كانوا يخدمون الناس في أفراحهم وأتراحهم. كان الإمام لا يحبهم، لكنه يخشاهم، فهم من يدفعون له مرتبه، وهم أيضاً كانوا يعتبرونه كالواحة، شراً لابد منه. وبطبيعة الحال، كان الزّين حزباً قائماً بذّاته.
الزّين يحبهم لكنه يكرّه الإمام علناً، لا يُداري مثلهم. لكن الأمور اختلطت في عام الحنين ”فإن (خيانة) سيف الدين أو (توبته) حسب المعسكر الذي أنت فيه، أضعفت فريقاً وقوّت فريقاً، ص: ²⁵⁵“
فقد أضعفت معسكر إبراهيم ود طه؛ فيما قوّت معسكر الإمام..
رواية عُرس الزّين كأعمال الطيب صالح التالية لها؛ تنسجها شخصيات مهمومة بالإنسان في خيرّه وشرّه، لا تنشغل بتأطيرهِ في السياقاتِ الأخلاقية وأفكار الخلاص، فهناك دائماً دروب أخرى للعبور، فليست كل الطرق مسدودة، والحيّاة ليست كئيبة كما قد يعتقد أحياناً.
والزّين ليس عبيط القرية المسخ، كما قد يراه البعض. فهو رغم مجونه، يعرف تقاليد قريته جيداً.. يتصرّف بعفوية لا تشوبها شائبة تكلف أو تملّق. فهو يجاهر بعداء من يكرههم، لا يتحرّج في الإفصاح عن مشاعرّه.
كل شخصياتِ الرّواية يريد نعمة، حتى محجوب وإمام المسجد والناظر، لكن نعمة لا تريد سوى الزّين.. فحبها له مزيج من الرومانسية الصافية والإحساس بالرأفة والشفقة والحنان.
وهي ترى بوضوح صفاته الإنسانية الرفيعة، التي يفتقر إليها الكثيرون. فالزّين رغم مجونه يتسم بالبراءة، الإيثار، اللطف، الصدق، الوضوح، الصرّاحة في الحب والكرّاهية، فهو بلُغَّة أخرى يجسد انسانية البشر بخيرّهم وشرّهم.
فمفهوم البطولة الذي يطرحه الطيب صالح خلال شخصية الزّين ”أن تكون إنساناً“ فحسب. تشعر بالنّاس وتصدق في مشاعرك تجاههم. وهو تصور نقيض للتصوّر الذي يجسده الإمام، ويحاول تكريسه من خلال سيف الدين كشخصية تائبة:
الإنسان المثالي الذي خرج من نفق الرزائل، التي كان يعيش فيها، ليرى نفسه وسط المجتمع المُنحط والفاسد والمليء بالقذارّة الأخلاقية، ليضع نفسه في صرّاعٍ مباشر، مع هذا المجتمع الذي يحاول أن يتلاعب بشخصية مثل الزّين.
الزّين يبرهن لنا، أن هؤلاء النّاس؛ الذّين يكرّههم كسيف الدين والإمام، هم المسوخ المشوهة وليس هو. فهم يرون الحياة أبيض أو أسود، فيما يرى هو كعصابة محجوب كل الألوان.
ورغم سعي الإمام لإفشال عُرس الزّين، إلا أن النعمة تحسم الأمر بجسارّة، فتقول للزّين ”يوم الخميس يعقدو لك علي. أنا وأنت نبقى راجل ومرا. نعيش سوا. ونسكن سوا، ص: ²⁶⁴“
المظاهر الاحتفالية الأسطورية، لعُرس الزّين استفادت أيضا من تقنيات الديكور وحركة الكاميرا السينمائية، كان عُرساً ليس كمثله عُرس من قبل أو من بعد ”اجتمعت النقائض تلك الأيام. جواري الواحة غنين ورقصن تحت سمع الإمام وبصرّه، كان المشايخ يرتلون القرآن في بيت، والشبان يسكرون في بيت. المداحون يقرعون الطار في بيت، والشبان يسكرون في بيت. كان فرحاً كأنه مجموع أفراح، ص: ²⁷³/²⁷⁴“
عُرس الزّين جمع المسلمين وغير المسلمين. علية القوم والمهمشين. الأغنياء والفقراء. مسؤولي الحكومة و(العنقالة). الصالحين والطالحين. أهل البلد والأقوام المجاورين للقرّية، هؤلاء جميعاً اجتمعوا معا في فرحة واحدة في عُرس الزّين.
وفي هذه اللحظة يختفي الزّين ويبحثون عنه في كل مكان، ليجدوه آخيراً يبكي عند قبر الحنين. فيعود معهم إلى العُرس ”وفار المكان، فكأنه قدر تغلي. لقد نفث فيه الزّين طاقة جديدّة. وكانت الدائرة تتسع وتضيق. تتسع وتضيق. الأصوات تغطس وتطفو. والطبول ترعد وتزمجر. والزّين واقف في مكانه في قلب الدائرة، بقامته الطويلة، وجسمه النحيل. فكأنه صاري المركب، ص: ²⁸⁰“
الحب الذي جمع بين نعمة والزّين. ليس استراحة أو محطة توقف نهائية. ليس هيام أو عشق. هو خطوّة في مسيرّة طويلة نحو الحيّاة. التي حددت نعمة دورها فيها، منذ رفضت إغراء أشقائها لها باكمال تعليمها، فهي ترى أنه يكفي أن تعرف القراءة والكتابة وفروض الصلاة، وكما قالت للزّين: ”راجل ومرا يعيشوا سوا ويسكنوا سوا“. فهو حب متصل بالأسرة والله.
فنعمة لديها معاييرها، التي تختلف عن معايير الآخرين، التي قد تتخطى حواجز وجُدُر الأخلاق العامة أو تتماهى معها.

هوامش:
[¹] الطيب صالح، عرس الزين (الأعمال الكاملة)، دار العودة، بيروت، ١٩٨٦.
*قراءة ضمن كتاب (وردة على ضريح الراوي: قراءات في أعمال الطيب صالح) تحت الإعداد للنشر عن دار نسمة، المغرب.

ahmeddhahia@gmail.com
//////////////////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً