اليوم ذكرى ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم، الرحمة المهداة، النور الذي اضاء اركان الأرض والسكينة التي سكنت نفوس الأخيار وهزمت شرور الأشرار، التحول الكوني الذي جعل الملايين من سكان الأرض باختلاف الألسن والألوان والأماكن يقتدون بأعظم إنسان، عند زيارة الحرم النبوي ترى البيض والسود والطوال والقصار يتشبثون بحائط الروضة الشريفة بكاءً، وتعلقاً لا مثيل له برجل وافته المنية قبل أربعة عشر قرناً، أيعقل هذا.، نعم يعقل، لقد أنصفه من لم يكن يوماً من ملته، ذلك العالم الذي بحث عن عظماء الدنيا فما وجد غير محمد، وحينما سألوه لماذا وضعت النبي على رأس القائمة، كان رده بناء على خلفيته العلمية والأكاديمية البحتة غير المتركزة على الدين، أن محمد هو الأوحد من بين الذين بنى لهم الناس المعابد والتماثيل تمجيداً، الذي بنى حضارة انطلقت من الصحراء الجرداء التي لا تنبت زرعاً، لكننا نقول لهذا العالم الذي ألف سفر المائة العظماء ، إنّ محمداً لم يكن جهداً بشرياً وإنّما اختياراً إلاهياً ، من لدن فاطر السماوات والأرض، فلابد أن يجئ في المركز الأول، فهو نخب الاختيار الإلهي، وخير من وطأت قدماه الثرى، لو رأيت الناس من مختلف أنحاء الدنيا يبكونه، وكأن الرب قد توفاه لتو اللحظة، لعلمت أنك في بهو روح لم تروح، باقية في وجدان من وعاها وادركها روحياً، فهو الذي لا نظير له، فحبه من حب الرب، وبغضه من علامات سوء المنقلب وبؤس المصير.
لقد أنار أبو القاسم ظلام العالم، وأضاء السماوات والأرضين بنور سرمدي لا يزيغ عن مساره إلا الهالك، وترك الناس على المحجة البيضاء التي ليلها مثل نهارها لا يعمى عنها إلّا الهالكين، وكما وصفته زوجته ام المؤمنين السيدة عائشة فقالت: كان خلقه القرآن، المنهج الرباني والسفر الإلهي مجسداً فيه روحاً وبدناً، دعا الناس الى طريق الحق بسلوكه القويم وخلقه الحميد، لا بالكلام وحده ، صورة الاعرابي الحديث العهد بالإسلام وهو يتبول في احدى زوايا المسجد وردة فعل الرسول، كافية لإقناع المئات باتباع سبيل النور، وتفقده لجاره الذي كان يضع الأذى أمام باب بيته، حين لم يجد الأذى، فذهب اليه وزاره وهو قابع في السجن ، السلوك الذي ألجم الطغاة ومنعهم الحديث عنه بسوء، لينه وبسطه لظهره لحفيديه الحسن والحسين ليعتلياه لعباً ورفاهاً، قدم درساً لم تعلمه رياض الأطفال إلى يومنا هذا، صلح الحديبية الوثيقة التي وضعت نهاية للحروب العبثية بجزيرة العرب، حسبها الناس استسلاماً وخنوعاً، لكنها أصبحت من أميز ما تعلمه طلاب وأساتذة العلوم السياسية، ابتعاث أصحابه لملك الحبشة ونصحه لهم بأنهم ذاهبين لملك لا يظلم عنده أحد، كان منهجاً في علوم الدبلوماسية والعلاقات الدولية، أخلاق جنده الحاثة على حماية الأسرى وعدم التعرض للنساء والأطفال والشيوخ، يحتاجها دعاة الحروب اليوم، ما تعرض له من ضرب من أهل الطائف ودعوته الرب لأن يهديهم ويخرج من اصلابهم من يعبده، انعكاس لأعلى مستويات الأخلاق الآدمية للثائر الذي يصبوا لرفعة الأمة.
أين نحن اليوم من تمام أخلاق سيدنا محمد؟، من ينير لنا ظلام أئمة الضلال؟، الذين يستحيون النساء والأطفال معاً، والذين يفتون بإباحة إراقة وسفح الدم الآدمي إرضاء للطاغوت، لماذا انطفأ النور الذي هديتنا إياه يا أبا القاسم في سالف العصور والأزمان، يا سيد خلق الله أجمعين، من يخرجنا من ظلمتنا هذه يا سيدي يا رسول الله؟، لقد قتلنا وأزهق روحنا من يصلي عليك صباح مساء، واحرقنا بالكيميائي السام الحارق للجلود والباقر للبطون من يدعي وصلاً بك يا أبا القاسم، لقد جاء من بعدك قوم يقتلون ويسبون ويزنون تحت ظل محرابك يا رسول الله، حتى حلول ذكرى مولدك هذه اتخذها المرابون محفلاً للفساد والافساد، أين انت يا أيها النور الذي أضاء مكة والمدينة؟، وشفى صدور قوم مؤمنين، أليس لنا من فيض من نورك ونحن نسبح بحمد الرب ونصلي عليك خمس أو يزيد في اليوم الواحد، اللهم بفضل جاه نبيك محمد اخرجنا من هذه العتمة المظلمة مخرج صدق واجعل لنا من لدنك سلطاناً نصيرا، سلطانا يأمر بالحق ويبسط العدل على امتداد ربوع البلاد التي افسد فيها الفاسدون وتجبروا وطغوا، واستباحوا الحرمات وهتكوا الاعراض وتحدوك بأن يجعلوها ارضاً خالية من العباد، اللهم آمين، وصلى الله على سيدنا محمد الفاتح لما اغلق والخاتم لما سبق ناصر الحق بالحق والهادي الى صراطك المستقيم حق قدره ومقداره العظيم.
إسماعيل عبدالله
ismeel1@hotmail.com
