محمد صالح عبدالله يس
هاشم صديق شاعر كتب إلياذاتٍ خالدة في ديوان الغناء السوداني خلدت في صفحات وجدانهم جمع بين القصيدة والقصة والمسرحية والرواية لم يكن شاعرًا عاديا كان نبيَّ إحساس وصائغَ وجدانٍ جمع بين التراب والسماء صنعت من قرنتية لوحة باذخة الجمال زين بها مجالس المتأدبة ورواة الشعر كانت كلماته نغمًا من سِفر الحنين آسي بها صديقه ورفيق دربه مكي سنادة وصور جملا موسيقية جعلت من الهزيمة نصر فقصيدة (النهاية ) حلم لم يكتمل ورواية عشق انتهت علي شفير بيت يتوسط حي بانت ويتمدد في أمان التداخل بين مدينة علي المك وحارة مصطفي بطران المحتشدة بدموع الشوق كانت النهاية هي بداية عصر في حياة استاذنا مكي سنادة خرج مثل الشمس بعد ان حجبتها الذكاء والغطاء الكافر هو الليل الذي يغطي كل شئ رسم لوحات باذخة في ديوان الثقافة السودانية وأماط اللثام عن المسكوت عنها وحاول تقديم اجابات واضحة لقضايا الهوية والانا السودانوية ولله در القائل فتذكّرا ثقلا رثيدا بعدما … ألقت ذكاء يمينها فى كافر وقد طالع الشعب السوداني هذه الدفاتر والغراطيس فعاشت في صدور هم كالنيل حين يفيض عطاءً ودمعًا. في كل بيتٍ ردد غنائه المغنون المحترفون والهواة كان له حضورًا حفيا يذكّرنا بأن الشعر في السودان ليس ترفًا بل هو شريان الحياة وسرّ البقاء في وجه القهر والعزلة والنسيان أما في المسرح فقد كان رائدًا من طرازٍ نادر. كتب نصوصه لا ليُرضي الجمهور بل ليوقظ أمةً من سباتها جعل من خشبة المسرح منبرًا للفكر ومنصة للانطلاق ومن الضوء سؤالًا أخلاقيًا يطاردنا حتى بعد عتمة الستارة كان يرى في الفن وعدًا بالتغيير وفي الضحكة الصادقة مقاومةً صامتةً ضد الانكسار. وحين يتكلم أبطال مسرحياته كأنهم يتكلمون باسم كل من حلموا بوطنٍ عادلٍ وضميرٍ نقي عشق نبتة الأرض والتاريخ ورسم منها جداريات وحفريات مازالت صداها في مخيلة العامة والمثقفين من أهل السودان علي الرغم شهرة هاشم بالملحمة إلا ان اسمه ارتبط بقطار الهم المسلسل الرمضاني المشهور فقد رأي المستمعون بعيونهن عمي الزين وهو بين عربات القطار يتجول بين الركاب حينا وتارة يقف صنفورا يلتقط بنظراته المحطات التي مرت كانها ومضة بالبرق مختصرة وقد اكسب المخرج محمود يسن المسلسل حياة وحيوية وحول اذن المستمع السوداني الي عين والي صورة تنبض بالحياة مما اكسب المسلسل روحا متحركة تتجول في في خيال المستمع حتي غدا كائنا حيا يتنفس بين ذبذ بات الاثير ومن اراد ان يتيقن من مقولة الدكتور صلاح الفاضل التي اشتهر بها {فن الرؤية بالعين } علية ان يستمع الي مسلسل قطار الهم ظل السودان معشوقته الأولي بكل ما فيه من تناقضٍ وجمالٍ وجراح. لم يكتب عن الوطن من علل بل من قلبه وجنانه خرجت اعتق مدوناته التي جاءها المخاض من جذوع الحقول واطيانها وجروفها مختلطة باصوات الترابية وأصوات الباعة المتجولين في ازقة بانت الأسواق وتمدد صداها في الأباطح والربي البعيدة. جعل من اللغة سفينةً، ومن المعنى ملاذًا، ومن الإنسان غايةً لكل فنّ كنت قد اجريت معه ثلاثة حوارات في راديو دبنقا يومها كان موجودا معنا في فرنسا في مدينة مونبيلية المدينة التي اجريت له فيها عملية لقلبه وقلب هاشم رغم علله كان ينبض بالحيوية الدافقة تحدث لي عن إلياذته المشهورة (الملحمة ) التي خلدها محمد الامين بذلك اللحن الفخيم وتعتبر اول عمل غنائي استعراضي في تاريخ الغناء السوداني حدثني عن تجربته في الشعر الغنائي وكتاباته المسرحية وعن اعتقاله بعد كتابته لمسلسل نبتة حبيبتي فقضي شهرا كاملا بالسجن في عهد حكومة جعفر نميري واوقفت السلطات بث المسرحية ويحسب للمرحوم بوناملوال وزير الثقافة والإعلام الذي سمح باستئناف بثه لان ايقافها يسبب ضرارا اكثر من بثها من أعماله الخالدة مسلسل قطار الهم وأجراس الماضي وحزن الحقائب وأحلام زمان وطائر الشفق الغريب ظل أعمال هاشم وكتاباته تحت عين الرقيب وضيقت عليه حكومة الإنقاذ واعتقلت مرارا حتي ضاقت به ذرعا وفصلته من معهد الموسيقي بعد قصيدته المشهورة (صالح عام ) والذي انتقد فيه نظام البشير انتقاداً لاذعا وفضح ممارساته وأساليبه في محاصرة الكتاب والشعراء وأهل الإبداع فقد سنت الإنقاذ سنة الصالح العام واستخدمت سلاح الترهيب وقذفت بخيرة ابناء السودان من المهنيين والموظفين والقت بهم الي الشارع وكان هاشم هو احد ضحايا هذه الممارسة فقد احيل للصالح العام في العام2011 من معهد الموسيقي والمسرح ويومها جهر بقصيدته المشهورة (صالح عام ) فارتعشت فرائص النظام وساومته لاعادته لوظيفته لكنه عافها وزهد فيها لم يقف الأمر في فصله من الخدمة بل صادرت أعماله واوقفت بث أغنياته وأعماله الأدبية فصبر علي لؤهم وعاش علي الكفاف هديمك يا وليد مقدود وصابحنا الفقر والجوع صبح جلد البطن مشدود شن بتسو و اخوك من شهر مرفود قالو .. صالح عام عشان قال العُوج في العود حمدّ يارب اخير من قول هديك البغلة في الإبريق كان ودوهو بيت الأشباح وكان دوقو زول هلفوت هديمك يا وليد مقدود وصابحنا الفقر والجوع وكيف رحل هاشم في ارض غريبه لا في وطنٍ يعرف أنفاسه، ولا في مدينةٍ حفظت صدى صوته، بل هناك في بلادٍ بعيدة، حيث لا أثر لطفولته، ولا ظلّ لذكريات كهولته. فشل الأطباء في إنقاذ قلبه، لكن الأدهى أنّ قلبه لم يكن مريضًا فقط بل يحمل ثِقل المنافي، ووحشة البُعد شاعرٍ وأديبٍ ومسرحيٍّ عظيمٍ، رحل عن دنيانا جسدًا وبقي أثرُه فينا نهرًا لا ينضب من الجمال والدهشة. رحل من كان للكلمة وطنًا، وللحرف رسالةً، وللمسرح منارةً تضيء ظلمة الوعي وتستفزّ فينا إنساننا العميق.، وشوق الوطن الذي لا دواء له مات وهو يردد ابيات ايليا ابو ماضي لاتعلمي والخير الا تعلمي —كم في السكوت فواجع وماسي لكن جرحا كلماعالجته —غمر القنوط جوارحي وحواسي لوكان في الرأس كنت —ضمدته لكنه في القلب لا في الرأس هكذا انطفأ شاعرٌ كانت كلماته تشتعل بالحياة وهكذا سكن القلب الذي طالما غنّى للحب والحرية والجمال فإذا به يسلِّم روحه في أرضٍ غريبة لم تعرف قيمته ودفن في ترابٍ لم يُسقَ بدموع أهله واصدقائه وأحبابه ولا بأغاني المدن التي أحبّها انها ماساة المبدعون الذين يموتون في مهاربهم حيث لا يعرفهم أحد وتبقي ابداعاتهم شذي وأريج للأرض وأعمالهم هي التي تشيّعهم بدل أن يحملهم الناس على الأكتاف. غاب هاشم جسدًا، لكن صوته باقٍ في الذاكرة كحلمٍ لم يكتمل كقصيدةٍ انتهت على شفير بيتٍ لم يُكتب بعد. اليوم ذكري وداعة ورحيله لا نودّع شخصًا فحسب بل نودّع زمنًا من النقاء الفني والصدق الإبداعي مات كاتب قرنتية التي انتحرت نكاية لجور الأيام التي لا تفرق بين سكان البحر واليابسة غير أن أمثاله لا يموتون فهم يسكنون الأغنيات التي تطرق آذاننا عند الغروب، ويسكنون المسارح القديمة التي ما زالت تحتفظ بصدى أصواتهم، ويسكنون في الضمائر التي تعلّمت منهم أن الجمال فعا وأن الكلمة مفعول مقاومةٍ لا يُستهان بها سلامٌ على روحه التي حلّقت في سماوات الخلود وسلامٌ على إرثه الذي يورّق كلّما عطشنا للفن النبيل. سيبقى اسمه مشعًّا في دفتر الإبداع السوداني رمزًا للفكر الحرّ وللجمال الذي لا يهزم
Ms.yaseen5@gmail.com
شاهد أيضاً
أبوعركي البخيت (ابكِ ما شئت)
وسط دخان الحرب وصوت الرصاص، كان الناس يهربون بحثًا عن الأمان لكن عركي اختار البقاء، …
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم