في رثاء عدلان الحاردلو في أربعينه “إيه يا طلق المحيا”

 


 

 

 


بسم الله الرحمن الرحيم

رأيته لما رأيته أول مرة في فناء نادي أساتذة جامعة الخرطوم، كان ذلك قبل أربعة عقود من الزمان، رأيته طويلاً كرمح، طلق المحيا، باسم ودوداً، تحيط به كاريزما لا تخطئها العين، كان ذلك في معمعة النضال ضد حكم الفرد، في فترة مايو كان عدلان يقود النضال مع كوكبة باسلة من أساتذة الجامعة منهم، الراحل عبدالجليل كرار، ومحمد الأمين التوم ومروان حامد الرشيد وعلي عبدالله عباس والواثق كمير وضاوي موسى ويونس الأمين وسليمان بلدو، كان هذا الرهط من خير الأساتذة ومن أكثرهم إشفاقاً على وطنهم، وكانوا يعملون في صمت ودأب ونكران ذات خاصة الراحل عدلان، الذي كان على رأس النقابة وكان كالعهد به يفضل دائماً أن يكون في الظل ولم يكن من الذين يملؤون الدنيا ضجيجاً وكان حقاً من أولئك الذين لا يخشون الوغى ويعفون عند المغنم كما قال عنترة، وكانت نقابة الأساتذة تعمل جنباً إلى جنب مع نقابات التجمع الوطني مثل نقابة الأطباء والمهندسين والمحاميين والقضاة وإتحادات الطلاب، وكان حتماً أن تنتصر هذه الكوكبة من المناضلين الأشاوس مع غيرهم من أبناء شعب السودان الذي أبى الضيم بكل فئاته وخرج في هبة واحدة وأسقط حكم الفرد في الخامس من أبريل 1985م، وبنجاح الثورة رجع عدلان إلى موقعه كأستاذ جامعي ولم يتهافت على منصب أو غنيمة فقد كان متجرداً وعفيفاً عاذفاً عن المناصب وبريقها بل كان زاهداً لا يتوق كما يفعل غيره إلى المناصب والغنائم كالسفر إلى الخارج وحضور المؤتمرات، وأذكر أنه في مرة إعتذر عن حضور ندوة علمية تعقد في الجزائر تمت دعوته لها لتقديم ورقة حول الحريات في العالم العربي، ولم يكن هناك من في كفاءة عدلان للحديث في هذا الموضوع ولكنه إعتذر بحجة كثرة مشغولياته وقرب الإمتحانات، وأكرمني بالترشيح لحضور هذا المؤتمر وحاولت أن أثنيه عن الإعتذار بحجة أن الدعوة قد وصلته أصلاً وإنه أكثر تأهيلاً مني وإستعداداً للمساهمة في مؤتمر عن الحريات في العالم العربي ومن غير عدلان للحديث عن الحريات وهو الأكاديمي الكبير والمتخصص في علوم السياسة والمناضل الصنديد الذي عرك النضال وعركه النضال، ولكنه أصر بشدة بل وأصر على أن أذهب بديلاً له، وعندما صار مديراً لدار جامعة الخرطوم للنشر، ملأ الوظيفة وتأكدت كفاءته في الإدارة ولم يكن رئيساً أو مديراً بل كان صديقاً لكل العاملين صغيرهم وكبيرهم وظل أخ للجميع، وظل العاملون بالدار يحفظون له هذا الإخاء وقد شهدت الدار في عهده إستقراراً ونجح بنزاهته وشفافيته أن يعيد للدار بعضاً من ألقها الذي عرفت به منذ نشأته في ستينات القرن الماضي وإبان إدارته شرفني مرة أخرى بحسن ظنه في شخصي الضعيف إذ كلفني بأن أكون ضمن لجنة ضمت أساتذة أجلاء منهم محمد نوري الأمين والطيب زين العابدين إلى جانب أخرين، وأنيط باللجنة تقويم الدار منذ تأسيسها وحتى فترة إدارته أي قرابة نصف قرن، وبالفعل إنهمكت اللجنة في أداء مهمتها وخرجت بدراسة كشفت الكثير عن معيقات العمل بالدار، وقد وضع عدلان برنامجاً طموحاً للإنطلاق بالدار في محاولة جادة لإعادة تأهيلها وإعادة سيرتها المشرقة التي بدأت بها منذ تأسيسها في ستينات القرن الماضي، ومن أسف لم يكمل عدلان برنامجه إذ تم إنهاء فترته كمدير للدار لكنه ترك سيرة عطرة مازال العاملون بالدار رجالاً ونساءاً يتنسمون أريجها، إن موت عدلان فقد وفاجعة لأسرته ولأهله ولأصدقائه وللجامعة وللوطن وللإنسانية جمعا، لقد كان عدلان إنساناً شفيفاً عذب الروح صادق الفؤاد ناصع السيرة والسريرة، ألا رحم الله عدلان بقدر ما أعطى لوطنه والعزاء للجميع في فقده الجلل، وكما قالت رقية ترثي أخاها الشهيد عبدالقادر ود حبوبة:

"غني لو يا بنية
من قومة الجهل ما سوى نية"
وكما قال صلاح في (نحن والردى):
"يا ذكيَ العودِ بالمطرقةِ الصمّاءِ والفأسِ تشظّى
وبنيرانٍ لها ألفُ لسانٍ قد تلظّى
ضُع على ضوئِك في الناس اصطباراً ومآثْــر
مثلما ضُوَّعَ في الأهوال صبَراً آلُ ياسر
فلئن كنتَ كما أنتَ عبِقْ فاحترقْ!"

محمد المهدي بشرى
meb59@hotmail.com

 

آراء