دكتور محمد عبدالله
في أوقات الاستقرار، تبدو المراجعات الفكرية علامة على حيوية المجتمع؛ فلا أحد فوق النقد، ولا توجد شخصية عامة لا تستحق إعادة القراءة. لكن حين تكون البلاد غارقة في الحرب، وتواجه أخطر أزمة في تاريخها الحديث، يصبح من المشروع أن نتساءل: هل هذا هو التوقيت الذي ينبغي أن تُفتح فيه معارك من هذا النوع؟
من هذا الباب يمكن النظر إلى تصريحات الدكتور الوليد مادبو بشأن البروفيسور عبد الله الطيب والروائي الطيب صالح. فالقضية ليست حقه في الاختلاف، وهو حق لا ينازعه فيه أحد، وإنما تتعلق بطبيعة الخطاب، وتوقيته، وما يمكن أن يترتب عليه في بلد أنهكته الانقسامات.
السودان اليوم لا يعيش خلافاً ثقافيًا عابراً . البلاد تواجه حربًا مدمرة، وملايين السودانيين بين نازح ولاجئ، ومؤسسات الدولة تتآكل، والثقة بين مكونات المجتمع تتعرض لاختبار قاس . وفي مثل هذه الظروف، ينتظر الناس من المثقفين ما يعين على ترميم المجال العام، لا ما يضيف إليه انقساماً جديدًا.
قال الدكتور مادبو إن البروفيسور عبد الله الطيب نال من الشهرة أكثر مما يستحق، وإن الشماليين صنعوا حوله هالة تجاوزت قيمته الحقيقية، ووصف الطيب صالح بأنه أحد “أصنام دولة الجلابة”. ومن حق أي باحث أن يعيد تقييم الشخصيات العامة، لكن مثل هذه الأحكام تثير سؤالاً مشروعاً : هل نحن أمام مراجعة نقدية لأعمال الرجلين، أم أمام قراءة لهما من خلال انتمائهما الاجتماعي والسياسي؟
ذلك فرق جوهري.
فمكانة عبد الله الطيب لم تتأسس بقرار من سلطة، ولا صنعتها جماعة بعينها. إنها حصيلة عقود من البحث والتدريس والتأليف، وشهادات علمية جاءت من داخل السودان وخارجه. ويمكن لأي باحث أن يختلف مع آرائه أو منهجه، لكن تحويل هذا الإرث كله إلى مجرد “هالة” يحتاج إلى أدلة علمية راسخة، لا إلى أحكام عامة.
والأمر نفسه ينطبق على الطيب صالح. فمن الصعب رد المكانة التي احتلها في الأدب العربي والعالمي إلى اعتبارات جهوية أو اجتماعية. لقد وصلت أعماله إلى قراء في ثقافات مختلفة لأنها امتلكت قيمة أدبية وإنسانية، لا لأنها حظيت بتأييد مجموعة بعينها. ومن الطبيعي أن تختلف القراءات النقدية لأدبه، لكن اختزال تجربته في توصيف سياسي لا يبدو منصفاً لها.
المشكلة الأعمق أن مثل هذه السجالات تأتي في لحظة يحتاج فيها السودان إلى توسيع المساحات المشتركة بين أبنائه، لا إلى تضييقها. فالحرب دفعت كثيرين إلى النظر إلى كل شيء من زاوية الهوية؛ فأصبح العالم يُقرأ باعتباره ممثلاً لإقليم، والكاتب ممثلاً لقبيلة، والمفكر ممثلاً لجهة. وهذه طريقة في النظر تظلم الأشخاص بقدر ما تظلم الثقافة نفسها.
والحال أن الثقافة السودانية لم يصنعها إقليم واحد، ولا احتكرها مركز بعينه. إنها ثمرة مساهمات متراكمة من مختلف أنحاء البلاد، بكل تنوعها اللغوي والثقافي والاجتماعي. ومن ثم فإن رد الاعتبار إلى فئات شعرت بالتهميش لا يقتضي الانتقاص من منجز الآخرين، كما أن مراجعة التاريخ لا تستلزم محو رموزه.
ولا يعني الدفاع عن عبد الله الطيب أو الطيب صالح القول بعصمتهما من النقد. فالعلماء والأدباء، شأنهم شأن غيرهم، يصيبون ويخطئون. لكن النقد يكتسب قيمته حين ينطلق من قراءة الأعمال ومناقشة الأفكار، لا من إطلاق الأحكام على أصحابها. فالخلاف مع العقاد، أو طه حسين، أو نجيب محفوظ، أو غيرهم، لم يدفع أحداً إلى إنكار مكانتهم في الثقافة العربية، بل كان جزءاً من الحوار حول أعمالهم.
يبقى السؤال الأهم: ما الذي يكسبه السودان اليوم من هذا النوع من السجالات؟ وهل هي أولوية في بلد يحتاج إلى وقف الحرب، واستعادة الدولة، وإعادة بناء الثقة بين مواطنيه؟
قد تكون مراجعة تاريخنا الثقافي ضرورة، لكن لكل نقاش سياقه، ولكل قضية أولوياتها. وما يحتاجه السودان الآن هو خطاب يفتح أبواب التلاقي، لا خطاب يعيد إنتاج الانقسامات القديمة في ثوب جديد.
فالرموز الثقافية ليست فوق النقد، لكنها أيضاً ليست ساحة لتصفية الحسابات أو إعادة رسم خرائط الهوية. والأمم التي تدخل في صراع مع ذاكرتها الثقافية بينما تخوض معركة من أجل بقائها، كثيراً ما تجد نفسها وقد خسرت الذاكرة… قبل أن تستعيد الوطن.
muhammedbabiker@aol.co.uk
