في ودَاعِ حَبوبة مَديْنَة: مئة عام من المَحَنَّةِ.. والصَبْرِ لِغَرْسِ الطُموحِ في الأنْفُسِ! .. بقلم: د. عصام محجوب الماحي


انْطفأت يوم 3 يناير 2022 شمْعة أضاءت لنا العُتْمَة، ولمْ تكْتَفْ بلعْنِ الظلام. كانت حَبوبة مدينة بت مَكّي امرأة مليئة طِيبة ومَحَنّة وعطْف وشوق للناس، وفيها خُلاصة (ريحة) كل أسرة آل الماحي وأصهارهم وأنسابهم وجيرانهم وأصحابهم ومعارفهم وكل مَن التقاهم في مُشوارِ التراحُم والتواصُل والتداخُل الأسري والاجتماعي، فأصبح أي فرد منهم يَشْتَمّ في حَبوبة مدينة بت مَكّي نفحة عِطْر وطِيب الأسرة العريضة المُمتدّة. عندما تزور حَبوبة مدينة، تستطيع القول أنّكَ زُرْتَ كل الأسر، فقد تلقيت أخبارهم وجاءتك في مكانك كافة تفاصيلها. عندها تلتقي خيوط المَحَنّة لِتَتْغَزِل في دارها، فتَنْسِج منها البشاشة والابتسامة لتستقبلك وتمتّعك بهما.
دار حَبوبة مدينة بأركويت، كان وسيظلَّ مدينةً كامِلة الخدمات، سكناً وتعليماً وتطبيباً وبيئةً نظيفةً ومكاناً لشم النسيم العليل في حوشها المَرْشوش المَفْروش وحوله خُضرة تَفْرِد ظلالها وترمي ليمونها وتعطِّر المكان بورودها وزهورها وزغزغة عصافيرها. كانت حَبوبة مدينة بالفعل اسماً على مُسمّى!
في مائةِ عامٍ وأكْثَر من المودّةِ والتراحُمِ، ربّت حَبوبة مدينة أجيالاً ربّوا بدورهم ودورهنّ تواصل أجيال عاشوا في كنفِ وأمن وسلام مدينة حَبوبة مدينة، اسْتظلوا بِمَحَنّتها وتمتّعوا بعطفها ورشفوا من فضلها وتغذوا على معارِفها الإنسانيّة التي امتلكتها بالفِطْرة بل صنعتها لوحدها من تجربتها، واخذوا عنها ذات الفلسفة التي درَّجت بها مع زوجها حسن الماحي، ابنهما السِر وبنتهما فتحيّة لمواجهة الحياة في حبٍّ وبساطةٍ وصبرٍ لا على المكارِه فقط وإنّما حتّى على توفّر الخير، انْتِظاراً وتمتُّعاً ليعُمَّ ويصبح كسِحابٍ حيثما ذهبَت مدينة كعادتها للآخرين، أمْطَرَ وترك المكان أخْضَراً. أنْ تَصْبُر على امتحان الخير ليفيد منه مَن حولك، درسٌ من دُروسِ جامعة حَبوبة مدينة. فكيف فعلت مدينة بت مَكّي كل ذلك؟
كانت ابتسامتهما سِرّ قهر الصِعاب.. وقناعتها كَنْزُ اليوم للغد.. وزرع الطموح في الأنفس تعويذتها التي همست بها في أذْنِ كل من عاش بجنبها أو مَرّ بها ليأخذ الحِكْمة.. وكلمة الشُكْر والامتنان وساماً وشّحت به الناجحين الفالحين لتعلِّمهم ردّ الجميل عملاً مُتّصِلاً وصدقةً جاريةً بفعل الخير للآخرين. كانت وصيتها لك حكاية عن غيرك.. وحلَّها لمشكلَتَك التي لم تحدِّثُها عنها، دَفْعَك لبحث مشكلة آخرين، فتخْرُج منها دون أنْ تدري بحلٍ معضلتك التي لمْ تَكُنْ تحس بأنّها تشكِّل لك مصاعِبٌ، فتجد نفسك قد تحصّنْتَ تلقائياً من حِدوثها.
وجْهُ ابنتها فتحيّة الصبوح يجعلك تحلف تقول نَقْل ورقة كربون من أمّها في نقائه الذي يكشف عن زينة سريرة وعَزْم بصيرة وطيب معشر ورباح وصلاح وفلاح يُسَكّن جِراح القدر في خانة الإيمان بعد أنْ يأخذ حاجته من النواح.. فيا له من توازُنٍ واعْتِدالٍ!
في بيت حَبوبة مدينة دَرَسَ وتعلَّم مَن تعلّم ودَرَسَ في جامعتين أهمهما جامعة الحياة. ومن مطبخها تخرّجن الحسان الجميلات لبيت (العدَل) يحْمِلْن في اليمنى شهادة أكاديميّة عُليا وفي اليسرى تجربة منزليّة مصقولة في حُضًنِ حَبوبة مدينة الدافئ. وفي حوش حَبوبة مدينة تحلو (الونسة) فلا تخلو الجلسة ظُهْراً أو عصْراً أو بعد المغْربيّة من تجمُّع الأسر قادمين أو ذاهبين قِبْلي أو للصعيد، من جهة كبوشية وكل الشمال ومن ود سُلْفَاب في الجزيرة أو رَبَك وكوستي وأم روابة ومن حيث ما شاء االله إنْ يمْنحها من حُبِّه لها حًبّ الناس، فتسبِّح خُطاهم بحمْدِه وشُكْرِه في دارها.. فيا لها من عِبادة وحسنات تجُرّها مع سِبْحَة التواصُل والتراحُم التي لا تنْقطِع أبداً، يرْبُطها حبل متين ولا يقْطعها حتّى السيف السَنين.
كان السِر ابنها يصارع بشاحنته الهينو رمال وخيران ومجاري السيول في أركان السودان الأربعة ويهزمها ويطوي المسافات طي. يذهب شرقا لجبال التاكا ويمرقها فوق للقضارف حتّى مشارف الفشقة، وينطلق على سجيّته في ديار أهلنا بكردفان ودارفور ويلامس خطوط التماس في الجنوب في زمن كان يسمو فيه التعايش فيدخل أبعد منها في عمق أعالي النيل وبحر الغزال، ويعود ومعه شول أو ملوال مُساعِداً ليتعلَّم صِنْعَة السُواقة في الخلا أولاً ومن ثَمّ في المدينة. وبينما ينقطع نَفَس الشاحنة في دروب ألاف الكيلومترات التي قطعها السِر، والأصح عاش فيها، تنْفتِح نَفْس السِر ليمهّد لآخرين دُروباً جديدةً شاكِراً من عبّد له مِثلها، حامِلاً الخير على ظهر الهينو لأطراف السودان المختلفة وعائداً لنا منها بحكايات أهل البلد الحدّادي مدّادي فتتوسّع شرايين القوميّة في عروقِنا ونتعلّم سُبل التعايش ونحفظ أبجديتها.. كم كنت اسّعد بسرْده لمغامرات الطريق وتقاليد وأعْراف الناس والبوادي وأنواع الأطْعِمة في الأمْكِنة المُخْتلِفة التي اكْتشَفها وترك فيها عِطْر صداقاته، وخلق مدّاً وجزْراً من علاقات عمل وزمالة وصُحْبة.
كانت (سفريّات) السِر تطول أحياناً فيعيده لحضن أمَّه غانِماً، دعاءً صبوراً منها تظنّه وأنْتَ تسمَعه ترتيل آيات أو دوباي أو شاشاي أو نوناي غناء البادية أو نشيد من (حكّامة) وتتخيّله نظْم مِسْدار أو رباعيّات شِعر البُطانة. كانت مدينة السمحة تُعمّر عقولاً قبل أنْ ترْفع أعْمِدة بيوت ومنازل وسرايات، مساكِن ومتاجِر وعيادات، جوازات سفر وتذاكِر وتذكارات ولسانها يردِّد “أمْشي، مَشَتْ معاك العافية”، فيهاجِر مَن يهاجِر ويغْترِب مَن يغْترِب، يذهبون وهي باقية حارِسة العُقاب ومعها السِر، فيعودون إليها زرافات ووحدانا.. يا لها من روح جاذبة.
كان السِر يعود من تلك الرحلات ليرتاح الهينو وينطلق السِر بعربةٍ أخرى وبصُحْبته حَبوبة مدينة وأسرته فيحاوِر رمال غرب شندي من المتمّة وحتّى قوز بُرّة فيوحَل مُتعمِّداً وكأنّه يريد أنْ يبْقى في تلك (الحَلّال) ليتذوّق مرتع صِبا والديه.. فيا لها مِن مراتع.
اكْتُب عن حَبوبة مدينة باسم والدي محجوب الماحي. روحه وحدها تواسيني وتَمْلي عَليّ كل كلمةٍ كتبتها. كان يحدثني عنها كثيراً، وما بين ذهابنا ورجوعنا من دارها كانت راحة والدي تكتمل عندها، فترتاح نفسه وتهدأ خواطره ويطمئن على أهله من لسانها فتحيط به طمأنينة خاصة. كانت بين الوالد وشقيقة والدته، خالته مدينة، كيمياء مشتركة في عمل الخير والمشي به بين الناس وعدم الحديث عن ذلك، والأهم دفع الناس لعمل الخير والإنابة عنهم إنْ دعا الحال. كانت حَبوبة مدينة آخر من سمعتها تنطق اسم والدي عندما تتحدث عنه أو عندما تناجيه مناديةً “محجوب”، كل أهلنا كانوا ينادونه عمّي وخالي وجدّي حتّى عمّي ميرغني الماحي، أطال الله في عُمْرِه، يقول “أخوي محجوب”.
كانت لحَبوبة مدينة قُدرة أنْ تكون لها مع كل شخص كيمياء خاصة في اهتماماته.. لم التفت لذلك إلّا وانا اكْتُب عنها وقد تزاحمت في ذاكِرتي الأحْداث والمشاهِد، فشاركتني روح شقيقتي الهام كِتابة ما اكْتُب، ومرّ بخاطري شريط طويل لجلسات شقيقي الأكبر النور مع حبوبته مدينة، والنور “عمود نُص” التراحُم الأسري، وكذا أشقائي صلاح وعادل وشقيقتي الصُغرى حنان وزوجها ابوبكر وأبنائهم. أمّا الذي بين حَبوبة مدينة والأخوين الحبيبين عبد الرحمن ويوسف بشير فهو بالفعل كيمياء خاصة جداً، بل أكثر من ذلك حيث يصعب عليّ تحديد كل معالِمه في هذه السانحة ويحتاج لمقالات بَلْ كُتب، فمَن يجلس لها ليسجل حياته في حياة النسيبة مدينة، ويدوِّن مذكراته من ذكرياته مع الحاجة مدينة، ويروي عن نفسه ونجاحاته على لسان العَمّة مدينة والوالدة مدينة والجِدّة مدينة؟
أستميح أخي وحبيبي الباشمهندس عبد الرحمن بشير عُذراً واضع أدناه رسالتين تبادلناها في الخاص في رمضان الماضي حيث كتب لي:
أخي العزيز د. عصام،
لك مِنّي أطيب التحايا وغاية الأشواق؛ عسى أنْ تكون والأسرة الكريمة بخير في بوخارست الجميلة.
جميع الأهل هنا بخير، وبالرغم من محدودية الحركة والاحترازات الصِحيّة تجاه جائحة كورونا، تعيش المُجتمعات هنا أجواء رمضانيّة حافلة بالإفطارات الجماعيّة. وإنّه ليحزنني، في مُحيطِ الأسرة المُمْتدّة لآل الماحي، أنْ نَفْتَقِد ذلك الإفطار السنوي الذي ينظِّمه قروب “بنات الماحي”. من أهداف ذلك التجمُّع، ربط الأبناء والأحفاد في جلسة أسريّة مع الآباء والأمهات، لا سيّما كبار السِن منهم.
يسْعِدني أنْ أرفِق لك صوراً تذكاريّة لواحدة من تلك الإفطارات في منزل الحاجة مدينة. لك أنْ تتصوّر سعادة الحاجة مدينة جالِسة والجميع يلتفّ حولها. ولك أيضاً أنْ تتصوّر المحبّة والحميميّة في مشهد إلهام وهي تطوِّق عُنْق ابن عمّتها السِر الأمين، رحمهما الله رحمة واسعة.
أخي عصام، لا أريد أنْ أجدِّد أحزانك في فُراقِ الأحِبّةِ ولكن أعلم أنّك صُحفي تهتم بالتوثيق لهذه الأسرة. مع خالص تحياتي.. عبد الرحمن بشير- الخرطوم.
كتبْتُ له:
تحياتي أخي الحبيب باشمهندس عبد الرحمن بشير،
اتّفِق معك تماماً.
كُنْت انتظِر صور الإفطار السنوي لأحسّ بانّني مع الأسرةِ والأحْبابِ.
كانت تلك الصور والفيديوهات تجعلني قريباً من الجميع واجتماعهم الرمضاني المبارك ومُشارِكاً في اللقاءات.
كُنْت استمتع بتوثيق الحُضور حول حَبوبة مدينة وعمتي ست الجيل وعمي ميرغني والسِر حسن وتاج السِر واحمد الأمين ويوسف بشير والهام وفتحيّة وسعاد وكل الإخوان والأخوات وبالأخص الشباب والأطفال الصغار، ففي تجمُعهم يمثِّلون عُدّة أجيال مُتماسِكة ومُترابِطة ويرسمون لوحة التواصُل والتراحُم الجميل بين الأسر والأصْهار والنسايب فيشكلون معا أسرة آل الماحي الكبيرة المُمْتَدّة.
يجب أنْ يستمِرّ هذا التقليد الحميد.
أشكرك كثيرا على رسالتك والصور المُصاحِبة وعلى تحريك شريط الذكريات، وتقبّل وأسرتك الكريمة وكل الأهل عاطِر التحيّات والأمنيّات بالصحّةِ والعافيةِ، وتقبّل الله صيامكُم وقيامكُم ودعاءكُم بإذن الله. تحياتي ومودتي.. عصام.
أعود واختِم مُخْتَصِراً ما لآخرين من كيمياء خاصة بينهم وحَبوبة مدينة، بأنْ اعزّيهم فرداً فردا، وأجدهم يواسون بعضهم بعضا وكل منهم يحكي عن حالته معها وفي ذلك مواساة عظيمة، فيما أنا أبكي في مكاني البعيد وحدي فُراقها المُر.
اعزّي الخير والجعلي والنور فضل الله مَكّي، واعزّي كل أهلي في مدني وأم روابة وربَك وكوستي وكبوشية. اعزّي كل أفراد آل عوض الكريم جانقي وعبد الماجد وآل شاور واعزّي أبناء وبنات أعمامي وعماتي، واعزّي عميد الأسرة، عمّي ميرغني الماحي، في وفاة عميدة الأسرة خالته التي احبّها ككل إخوانه وأخواته وكانت بالفعل أمّاً ثانية لهم.
اللهم يا حي يا قيّوم.. أعطيت مدينة فشكرناك ونَشْكُرك، وأخذت مدينة ونحن راضون بقضائك وقدرَك. ارحمنا وصبِّرنا على فقدها، وارحمها وأحسن وفادتها إليك إنّك مجيب الدعوات، وصلِّ الله على رسولك ونبيك وحبيبك محمد، ولا حول ولا قوة إلّا بالله.. إنّا لله وإنّا إليه راجعون.
بوخارست 3 يناير 2022

isammahgoub@gmail.com
//////////////////////////


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

0 تعليقات