فَاطْنَة السَّمْحَة وأحاجي من وسط السودان- 20
قِمِيرِيَّة السِّيْسَبَان
ترويها مَيْ زُمراوي
حرَّرها عادل سيد أحمد
كان للتاجر صالح سبع بنات، وكانت عفاف أصغرهن، وكان عمرها حوالي سبع سنوات عندما ماتت أمها. وكانت عفاف تحب الحفر واللعب بالطين تحت ظل شجرة السِّيسَبَان أمام البيت. ولأنها كانت رقيقة وحجمها قليل فقد تخيَّل والدُها أن شكلها يشبه القُمْرِيَّة، فأطلق عليها لقب (قِمِيرِيَّة السِّيسَبَان). وسار اللقبُ عليها أكثر من اسمها الأصلي فلم يعد أحدٌ يناديها بعفاف، وإنما بلقبها (قِمِيرِيَّة السِّيسَبَان).
وكان أبوها يحبها، ويعطف عليها، لأن أمها ماتت وتركتها صغيرة جداً، وكانت، هي ذاتها، حنينة عليه، تسمع كلامه وتطيعه بخلاف أخواتها اللائي يكبُرنها.
كان أبوها يحب الشاي من صنع يديها، ويشعر بأنه أجمل وأطعم من الشاي الذي تصنعه أخواتها، وكانت قائمة على أموره كلها تجهز له ملابسه وغياراته وأغراضه وتهتم بالتفاصيل وبالأشياء التي يفضلها ويحبها، لذلك كان هو ذاته يحبها ويفضلها على أخواتها، مما جعلهن يقسَوْن في معاملتهن لها.
اعتاد الحاج صالح أن يخرج مع القوافل التجارية، لمدة شهر، أو شهرين، وفي بعض الأحيان ثلاثة أشهر حسب البلد التي يقصدونها، فيُصَرِّفوا بضائعهم ويشتروا بضائع أخرى جديدة ثم يعودون.
في يوم نوى أنه سيسافر في الغد، فأحضر لبناته المواد التموينية التي تكفيهن، وملأ البيت بكل الأشياء التي يمكن أن يحتجن لها. وفوق ذلك ترك لهن مبلغ خمسمائة دينار كمصاريف، وأوصاهن وقال لهن:
- لا تخرجن من البيت مهما كانت الأسباب، ولا تفتحن الباب لأي شخص. فقط الزمن داركن، وعندكن كل شيء، فلا تخرج إحداكن إلا (للشديد القوي!).
فوعدنه بتنفيذ وصيته وطمأنه وقلن له: - سمعاً وطاعة يا أبي، لن يحدث إلا ما طلبت.
سافر الحاج صالح، وترك بناته. مر الأسبوع الأول والأسبوع الثاني، بعد ذلك بدأ الملل من الحبسة في البيت وعدم الخروج يصيب البنات، ولم يحتملن فاتفقن أن تخرج في كل يوم واحدة منهن. تذهب إلى السوق القريب، ولو أرادت شيئاً تشتريه وتحضره معها. وسمعتهن الصغيرة قميرية السيسبان ومن فورها اعترضت على قرارهن، وقالت لهن: - لقد أوصاكن أبونا بألا تخرجن من هذا البيت إلا للشديد القوي، والآن ليس هناك ما يدعو لخروجكن، فألزَمْن داركن ولا تخرجن.
- ومن أنتِ حتى تتكلمي معنا وتقولي لنا أخرجوا أو لا تخرجوا. أنتِ ذاتك غير محسوبة معنا أصلاً، وأنت.. وأنت!
ضربنها، وأدخلنها مخزن المواد التموينية، ثم قفلنها هناك وأوصدن عليها الباب. فجلست في الظلام خائفة من الفئران، والعقارب.
في اليوم الثاني خرجت الأخت الكبيرة، ذهبت وتجولت في السوق واشترت ما تريد، ثم راجعت. وفي اليوم الذي يليه خرجت الثانية، وهكذا إلى أن خرجت البنات الستة كلهن، في كل يوم كانت تخرج واحدة منهن إلى أن خلصت كل الدنانير التي تركها لهن أبوهن.
وحملن الهم فيما سيقلنه لأبيهن، وبم سيشترين احتياجاتهن؟ وبالذات وأنهن كن قد مللن من الأكل الموجود فِـي البيت. وهكذا صرن يتكلمن ويسألن بعضهن بعضاً.
وخرجت الكبيرة مرةً أخرى، وسارت نحو السوق، وفي أثناء سيرها رأت في طرف الحِلَّة بيتاً كبيراً غريب الشكل، مع أنها كانت تمر من هذه الناحية كل يوم لكنها لم تر هذا البيت إلا اليوم. وكان فيه سور عالي، تطل منه شجرة مَنْقَة كبيرة. فروعها نازلة إلى الخارج، وفيها ثمار ناضجة متدليَّة من الأغصان.
جلست تحت هذا السور، وقطعت ثمرة مَنْقَة، وأخذت تأكل فيها، فأحسَّت بحلاوة غير طبيعية، حلوة حلاوة شديدة. وكان الثمر كثير فبدأت تقطف وتقطف إلى أن ملأت طرفها كله.
فجأة ظهر لها شيخ عجوز شيخ، لحيته كبيرة بيضاء، وجدها تقطع الفروع لتقطف الثمار، فسألها: - من أنتِ؟
فأجابته، فقال لها: - هذا بيت (سِيف الجَّانْ)، صاحب هذا البيت اسمه سيف، ويدعونه (سِيف الجَّانْ) لأن أباه من الجن وأمه من البشر، يعني هو مخلوط، وليس كل الناس يستطيعون رؤية البيت، ولكنك قد رأيتيه الآن، واطلعتِ على هذا السر. وسأسمحك لك أن تأتي كل يوم وتقطفي ثمار المانجو هذه، لكن بشرط أن يظل هذا الكلام سرَّاً لا تحكي عنه لأحد ولا تقولي لأي شخص لقد رأيت ورأيت!
فوعدته، وعادت إلى البيت وهي تحمل معها ثمار المَنْقَة اللذيذة. وفي البيت أعطت أخواتها منها، فتجمعن حولها وسألنها: - من أين أتيت بها، ونحنُ لا مال عندنا …
- من رزقٍ ساقه لنا الله!
ولكنهن أصرن على سؤالها، وألحن لمعرفة الإجابة. في النهاية، عندما لم تجد طريقة لمنع فضولهن، كلمت البنت التي تليها وحكت لها وقالت: - ظهر لي عجوزٌ في بيت فيه سور وبه أشجار منقة، ورغم إنه قال لي لا تتكلمي، إلا أنني كلمتك إنتِ الآن، فأرجوك احتفظي بهذا السر لنفسك فقط، ولا تخبري به أحد.
في اليوم الثاني ذهبت البنت وظهر لها البيت، فقامت بنفس الحركة التي عملتها أختها، فقطفت أحسن ثمرة وأكلتها وكانت عارفة حلاوتها طبعًا، فقد ذاقتها منذ الأمس، وأيضاً أخذت كمية أخرى وملأت طرف ثوبها. وجاءها الشيخ وقال لها: - من أخبرك بهذا الكلام؟ يبدو أن أختك لم تحتفظ بالسر، وأنا الآن أقول لك احتفظي بهذا السر، فهذا البيت هو بيت سيف الجان، وهو يريد أن يتزوج شابة تكتم السر ولا تبوح به للناس.
- حاضر.
- حذارك أن تتكلمي كما تكلمت أختك!
- حاضر.
رجعت البنت إلى البيت، ونفس الموضوع بنفس الطريقة، أختها التي تليها سألتها: - من أين أتيت بها؟ بالأمس أختنا الكبيرة لم تخبرنا، فأخبرينا أنت…
وحاصرتها أيضاً بالأسئلة، وألحت عليها في طلب الإجابة، وباحت لها بالسر وأخبرتها بالأمر. وصارت الثلاث عارفات بالسر. وخرجت الثالثة في اليوم الثالث وعملت نفس العملية، وهكذا إلى أن عرفت البنات الستة السر.
جاءهن الشيخ الكبير، وقال للبنت الكبيرة: - أنت لم تحتفظي بالسر، وكلمتي كل أخواتك، وأنا طلبت منك ألا تقولي هذا الكلام لأحد، ولا تبوحي بالسر. صاحب البيت لا يقبل ذلك ولن يسمح لكن أن تقطفوا من الثمار مرةً أخرى، بالإضافة إلى أنه، هو ذاته، قرر أن يُعاقبكن عقوبةً قاسيةً جداً لن تستطعن احتمالها.
فبكت البنت الكبيرة وأخذت تنكر وتبرر، فقال لها: - ليس لديك أي عذر، وكان سيف الجان يريد أن يتزوج واحدة فكان يختبركن أنتن الستة، ولكن لم تنجح ولا واحدة فيكن في هذا الاختبار، كلكن بحتن بالسر، ولم تستطع ولا واحدة أن تحتفظ به، ولذلك فسيُنزل عليكن عقابه.
- لا أرجوك، عندنا أختنا الصغيرة لا تعرف شيئاً، ولم نخبرها، وستكتم السر، فلنزوجها له.
- وأين هي أختكن الصغيرة هذه؟
- سأحضرها لك الآن!
ذهبت وأخرجت (قِمِيرِيَّة السِّيسَبَان) من المخزن، وحكت لها عن العجوز وأشجار المنقة وسيف الجان، وقالت لها: - خلاص، تذهبي معي!
ولأن قِمِيرِيَّة السِّيسَبَان كانت عاقلة جداً فقد رفضت تمامًا أن تذهب مع أختها الكبيرة، وقالت لهن: - كيف يحدث ذلك؟ لن أفعل هذا الأمر، كيف اتزوج دون علمه وفي غيابه؟
فضربتها أخواتها ضرباً مُبّرِّحاً حتى أغمى عليها، وحملنها ووضعنها جوار باب بيت سيف الجان. فوجدها العجوز، حملها وأدخلها إلى سيف الجان، وكان هذا العجوز هو خال سيف.
عندما أفاقت (قِمِيرِيَّة السِّيسَبَان) من إغماءها، وجدت نفسها داخل غرفة وعليها ملابس من الحرير، وفي يديها وعنقها حُلي من الذهب والجواهر، وبجانبها شاب في مثل عمرها تقريباً، كان يُغطي وجهه بالكامل، فلم يبن منه شيء. فاستغربت أين هي، وماذا حدث لها ومن هو الذي أتى بها إلى هنا.
فقال لها سيف الجان: - لا تخافي، أنا (سيف الجان) صاحب هذا البيت، وأخواتك جِئنَ وفعلن كذا وفعلن كذا…
وحكى لها كل ما حدث. وقال لها: - أحتاج زوجةً كتومة لا تبوح بالسر وأتمنها عليه، لكن أخواتك الستة فشلن في الاختبار، وفي النهاية أتن بك لي، والآن أنا أريد أن أتزوجك.
- لا، لن أقبل بذلك، فأبي غائب، ولا يمكن أن أتزوج دون علمه ووجوده. إن تريد أن تتزوجني لابد أن تتقدم لأبي وتخطبني منه فأنا لن أتزوجك من وراء ظهره.
فارتاح لكلامها وأجبه أدبها واحترامها لأبيها ونفسها. لكنها، في نفس الوقت، أحست بأنه حزين جداً فسألته: - ما بك؟ لمَ تبدو حزيناً هكذا؟
- سأحكي لك حكايتي، طالما إنك كتومة ولا تتكلمين بالسر فسأحكي لك حكايتي.
وحدثها بحكايته وإن أمه من البشر لكن أبيه من الجن، وقال لها: - عندما كنت طفلاً صغيراً، كانت في بيتنا مقبرة جدنا ملك الجان، في هذه الغرفة وبجوارها بئر، وكانت تلك البئر ملأى بكنوز مدفونة، فيها جواهر وذهب ومال وكل شيء. في يوم من الأيام جاءت امرأة عجوز في هيئة الشحاذين. وكنت لوحدي في البيت فسألتني بعض الطعام. وأدخلتها البيت وأعطيتها طعاماً. فأكلت وشربت ثم ذهبت. وهكذا صارت تأتي في كل يوم تجلس معي وتحادثني، وفي يوم سألتني وقالت لي: (ماذا يوجد داخل هذه الغرفة)، فكلمتها أن فيها مقبرة جدي. ويبدو أنها كانت تريد أن تعرف هذه المعلومة، أو هي عندها علم بالأمر ولكنها تريد أن تعرف المكان، فجاءت في يوم ودخلت الغرفة وحاولت أن تخرج الكنوز المدفونة في البئر لكنها وقعت فيها، ومن يدخل إلى هناك لا يستطيع الخروج مرةً أخرى دون رضا الناس، ومنذ ذلك اليوم أصابتني لعنة، وتشوه وجهي. ومن تفاصيل هذه اللعنة أن هناك شجرة خارج بيتنا، وكلما وقعت منها ورقة ينقص عمري. في البداية، وأنا صغير، كانت كل سنة تقع ورقة، بعد ذلك صارت تقع ورقة في كل شهر، ثم في كل أسبوع. والآن تبقى لي لي أسبوع واحد في حياتي، ولو لم أتزوج وأفك هذه اللعنة فإنه يتبقى لي خمسة أيام فقط أموت بعدها مع سقوط آخر ورقة من الشجرة.
ولما كانت (قِمِيرِيَّة السِّيسَبَان) بنتاً رَقِيقة وحَنِينة، أحزنتها قصة (سيف الجان) فقالت له: - خلاص أنا موافقة على الزواج منك، ولكن بشرط أن يظل زواجنا في السر إلى أن يعود أبي. وعندما يعود تأتي أنت وتخطبني منه كأننا لم نتزوج.
- سمعاً وطاعة.
نادى (سيف الجان) على خاله العجوز الذي كان يظهر للبنات، فأجرى لهما العقد، وهكذا تزوجها.
عندما نهضت (قِمِيرِيَّة السِّيسَبَان)، صحي (سيف الجان) من النوم ووجد أن وجهه قد رجع عاديَّاً وإن اللعنة فُكَّت وزال التشوه. فرح، وهي أيضاً فرحت. وحكت لخاله القصة ثم قالت له: - إن أخواتي حاقدات عَليَّ، وأنا أخاف أن يفشين سر زواجي ويشن بي عند أبي، فيغضب مني. ولابد أن نهددهن فنمنعهن من الوشاية.
- حاضر.
- خلاص، أحضر لي أختي الكبيرة.
فناداها، وجاءت، فقال لها: - هنا توجد جواهر وألماظ وذهب، أدخلي في الغرفة وخذي منها ما تشائين، لأنه سيف الجان فرحان بأنه تزوج من أختك ويريد أن يكافئك ويكرمك.
فأدخلوها الغرفة، وكانت مظلمة فخافت خوفاً شديداً وأخذت تطرق الباب من الداخل وتصيح: - أخرجوني… أخرجوني!
- لن نخرجك، وأنا هنا في الخارج أمنع عنك كل من يريد أن يساعدك، لأنك فتَّانة، وأنا متأكدة من أنك ستتكلمين مع أبي رغم إنكن من أحضرتموني وأدخلتموني في هذا الموقف. فلن أخرجك وإنما سآتي بكل أخواتك وأنفذ فيهم نفس ما عملته معك. سأحبسكم هنا إلى أن يأتي والدي ويخرجكن.
فبكت الأخت الكبيرة وترجتها وقالت لها: - لن أتكلم، ولن أقل شيئاً، وسأمنع أخواتي ذاتهن من أن يشين بك، فأرجوك أخرجيني من هنا.
وبعد أن عاهدت الأخت الكبيرة (قِمِيرِيَّة السِّيسَبَان) بألا تتكلم ولا تورد سيرة الزواج لأبيهن، أخرجتها من تلك الغرفة المظلمة.
رجعت البنت إلى البيت، وأخبرت أخواتها بما جرى، وكلمتهن بعدها لأختهن الصغيرة (قِمِيرِيَّة السِّيسَبَان). أما (قميرية السيسبان) فقالت لزوجها (سيف الجان): - خلاص، أنا سأرجع إلى البيت، وأنتظر عودة أبي، وبمجرد أن يصل تجيء أنت وتخطبني منه ثم نرجع معاً بعد أن نكمل المراسم وكأنه كان حاضراً منذ البداية.
- سمعاً وطاعة.
رجعت لتقيم مرةً أخرى مع أخواتها في البيت تنتظر عودة أبيها، وكانت قد أعادت الدنانير الخمسمائة في مكانها، فلما عاد من تجارته، فرح لأن بناته بخير ولم يصبهن أي مكروه، وأنهن أطعنه بالذات عندما رأى النقود في مكانها، واعتبر ذلك دليلاً على إنهن قد نفذن كلامه ولم يخرجن من البيت، فكان سعيداً جداً بذلك.
وبعد أن قضى عدة أيام مع بناته، جاءه (سيف الجان) يرافقه خاله العجوز. جاءوا ليتقدموا ويخطبوا واحدة من البنات، وهو لم يكن يعرف من من بناته التي يريدون خطبتها.
قبل يوم الخطوبة هذا، رأت قميرية السيسبان وهي نائمة، شخصاً يقف إلى جوار مرقدها، وقد كان هذا الشخص هو أب (سيف الجان)، وهو طبعاً متوفي ولكن يبدو أن هذا طيفه الذي أتاها في المنام. قال لها الطيف: - قررت أختك الكبيرة أن تفسد عليك موضوع زواجك، وأنا عرفت نيتها الشريرة، لكن لا تقلقي ولا تهمي، فأنا، إن شاء الله، سأقف إلى جانبك، إلى أن يتم الأمر على خير.
صحت (قِمِيرِيَّة السِّيسَبَان) في الصباح، والحلم يدور في رأسها.
عندما جاء (سيف الجان) ومعه خاله، ودخلوا وطلبوا أن يقابلوا والدها، واستقبلهم هو أحسن استقبال، قالوا له: - نريد أن نخطب بنتك لولدنا.
دخلت عليهم قميرية السيسبان قادمة من المطبخ، وكانت تحمل أكواب عصير في يدها، قال لهم: - مَن مِن بناتي تريدون؟
- هذه، التي دخلت علينا الآن.
فالتفت ناحيتها، ورآها، بنته الأثيرة والمحبوبة (قِمِيرِيَّة السِّيسَبَان)، ففرح وفكر بأن هذا الشاب جميل ووسيم كما هي بنته جميلة وأنيقة، ففعلاً يستأهلا بعضها هما الاثنان، ومناسبان لبعضهما بعضاً، فوافق.
أما الأخت الكبيرة، التي قررت أن تفسد الزواج وتمنعه، ولكنها لم تقدر أن تتكلم وتقول أي شيء وفقاً للعهد الذي أبرمته مع أختها بأنها لن تخبر أباها بأن زواجاً قد تم قبل ذلك. لكنها قررت، رغم كل شيء أن تخرب الموضوع، كيف؟
كان مدخلها خال (سيف الجان) العجوز، فعندما التقته لأول مرة لاحظت بأن رجليه غير طبيعيتين، مثل ظلفي الماعز أو البقر، فجاءت وقالت له: - أنا أرى إنك تعبان يا عمي، فهل آتيك بماءٍ تضع فيه رجليك، حتى ترتاح قليلاً؟
- نعم، شكراً لك.
فأحضرت الماء، وكان كل غرضها أن يرى أبوها إن هذا الشخص ليس من البشر أو هو نصف بشري، وهو مخلوط. فأحضرت الطاسة وصبت فيها الماء الدافئ، وقالت له: - هيا، ضع رجليك في هذا الماء.
وضع الرجل رجليه في الماء، وكانتا عاديتين، ليس فيها أي شيء غريب مما رأته من قبل، فاستغربت استغراباً شديداً، وعرفت إن خطتها قد فشلت.
وطاب المجلس للجميع، واتفقوا على أن يرتاح الأب من تعب السفر ليومين أو ثلاثة ويجهزوا البيت، ويجهزوا العروس، ويشتروا كل مستلزماتها. وهكذا حددوا اليوم. وأرسلوا الدعوة لكل الناس.
وفي الموعد المحدد أقاموا احتفالاتٍ ضخمةً جداً، وعرف كل الناس أن اليوم هو يوم زواج (قِمِيرِيَّة السِّيسَبَان) من شخص وسيم اسمه (سيف الجان).
وجاء سيف ومعه خاله، وأتموا طقوس الاحتفال وأكملوا مراسم الزواج، وأصطحب (سيف الجان) زوجته ورحل بها إلى بيته، وعاشا في سعادة وهناء.
أما أخواتها الحاسدات فقد كن غاضباتٍ ومغيظات، ولم يكن راضيات أو سعيدات بفرح (قِمِيرِيَّة السِّيسَبَان). لكن الله عندما يريد شيئاً يقل له: - كُنْ، فيَكُون.
انتهت الحكاية.
