الريح عبد القادر
أخطر ما يمكن أن يُصاب به أي شعب في زمن الحرب ليس فقط الخراب، ولا النزوح، ولا الجوع، بل أن يبدأ بعض أبنائه في الإيمان بأنه لا يستحق النهوض أصلًا. وعندما تتحول المأساة من ظرف تاريخي بالغ القسوة إلى “دليل مادي” مزعوم على عيب أصيل في الشعب نفسه، عندها لا يتوقف الدمار في الأعيان، بل يمتد ليشمل وعي الإنسان.
تصاعدت في الآونة الأخيرة سرديات تزعم أن السودانيين غير مؤهلين لإقامة دولة، وأنهم لو أُعطوا دولة مستقرة فسوف يهدمونها بأيديهم. المؤسف إلى حد الغثيان أن هذا الكلام لا يقال بوصفه نقداً للنخب الحاكمة أو للحرب الدائرة أو للتاريخ السياسي المعطوب، بل يصدر كحكم على شعب كامل: على طبيعته، وأخلاقه، وقدرته على الحياة المشتركة. ومن واجبنا ألا يمر هذا الكلام مرورًا عابرًا، لأنه ليس مجرد تشاؤم، بل صورة من صور نزع الكرامة الجماعية.
إنّ أول من وصم البشر بعدم الأهلية كان إبليس الرجيم. لم يقل اللعين إن آدم أخطأ في أداء الرسالة، أو فشل في عمارة الأرض، بل اعترض على أصل تكريمه. استعلى إبليس، فاستنتج أن الآخر لا يستحق. فأصبحت تلك بذرة كل استعلاء: أن تقيس البشر بمعيار ذاتك، ثم تمنح نفسك حق الحكم على صلاحيتهم. وخرجت من هذا المنطق لاحقًا جميع العنصريات الكبرى في التاريخ البشري التي تقول إنّ هناك شعوبًا “لا تصلح”، وأعراقًا “أدنى”، وأممًا تحتاج إلى من يكون وصياً عليها.
لم يكن “التهافت على أفريقيا” مجرد احتلال عسكري، بل كان قائمًا على فكرة مفادها أن الأفارقة عاجزون عن حكم أنفسهم بأنفسهم. ما مِن جريمة كبيرة إلا وتبدأ بفكرة صغيرة، في رأس كبير، له قلبٌ صغير: أنا/نحن خيرٌ منه/منهم.
حين يردد بعض السودانيين اليوم، مثل البوم وطيور الشوم، أن شعبهم استثناءٌ بين الشعوب في الفشل، فإنهم، بغباءٍ لا يضاهى، ومن حيث لا يشعرون بالطبع، يعيدون إنتاج المنطق الإبليسي نفسه. تجدهم يختارون أمثلة بائسة من الواقع: سماسرة ضاعفوا أسعار العقارات، ومهاجرون عبروا البحر بطرق خطرة، ولاجئون يعتمدون على الإعانات، وأفراد يستغلون بعضهم، ونزاعات صغيرة بين أبناء الجالية. ثم يقررون أن هذا هو “جوهر الزول السوداني”، وكأن بقية شعوب الأرض لا تعرف الاستغلال، ولا الجريمة، ولا الانتهازية، ولا الانقسام في زمن المحن. والخطير أن دعاة هذه الحملة يستشهدون بتلك الأمثلة التي وقعت تحت ظروف استثنائية، ثم يعمّمون أحكاماً نهائية، غير مدركين أن كل حالات الحروب، وما تبعها من موجات الهجرة القسرية في العالم، من سوريا إلى أفغانستان، مروراً بدول إفريقية كثيرة، قد شهدت السلوك نفسه. من يجد الضيم في بلده، فيفر من الحرب، ويخاطر بحياته في البحر، ويدفع كل ما يملك للنجاة من الهلاك لا يُقاس سلوكه بمعايير الاستقرار، بل بمعايير غريزة البقاء.
علينا أن ندرك أنّ الحروب لا تكشف “جوهر الشعوب” بقدر ما تكشف أثر الدمار والانهيار على الإنسان أينما كان. ولو أُخضعت أي أمة في العالم لما يتعرض له السودانيون الآن من تمزق ونزوح وفقدان للأمان، لظهرت فيها صور مشابهة وربما أسوأ. لا تُقاس صلابة الشعوب في لحظة انكسارها، فالانكسار حالة مشروعة من حالات الضعف البشري، بل تقاس صلابة الشعوب بقدرتها على النهوض بعد السقوط، وعلى التشافي والتعافي، وبالنظر إلى تاريخها الطويل من الإبداع والبناء والعطاء.
والسودانيون، رغم المأساة، ليسوا شعبًا بلا رصيد. فقد فجروا ثورات ألهمت الكثير من شعوب العالم؛ وبنوا مؤسسات تعليمية وإدارية محترمة، اقتبست منها دول الجوار، وقدموا نماذج لافتة في الخدمة المدنية، وهاجروا إلى بلدان كثيرة وأسهموا في الطب والتعليم والهندسة والعمارة والإدارة. نعم، لديهم أزمات عميقة، لكن الأزمات لا تعني انعدام الأهلية، كما أن الحرب لا تعني فساد الطبيعة البشرية لشعب بأكمله.
الأعجب أن كثيرًا ممن يطلقون هذه الأحكام يتحدثون كأنهم خارج الدائرة. يقولون: السودانيون لا يصلحون. لكن السؤال الذي يبدد هذه السردية الواهية بسيط جدًا: وأنت؟ هل ينطبق هذا الحكم عليك شخصيًا؟ على أسرتك؟ على والدتك ووالدك؟ على إخوتك؟ على جيرانك الذين عشت بينهم؟ على أصدقائك الذين تأتمنهم على أسرارك؟ أم أن “السوداني” المقصود عندك هو فقط ذلك الآخر البعيد الذي يمكنك أن تختصره في صورة سلبية؟
في الغالب، سيبهت صاحب هذا الخطاب أمام هذا السؤال، كما بُهِت الذي كفر. لأنه بذلك النقد الهدّام لا يقصد نفسه، ولا يقصد دائرته القريبة، بل يقصد كتلة مجردة صماء، لا تحس ولا تشعر، يتخيلها بعيدًا عنه. وهنا يتضح أن المسألة ليست تحليلًا موضوعيًا، بل نوع من الإنكار النفسي: محاولة للتبرؤ من واقع مؤلم عبر إسقاط العيب على “الآخرين”، مع أنهم منه وهو منهم. إنه استعلاء خفي، يرتدي قناع الواقعية والشجاعة الفكرية. ولا شك أن هؤلاء لا يريدون في الحقيقة إلا فراراً: فراراً من الواقع ومن المسؤولية عنه. ولذلك تجد الواحد منهم يتخفّى خلف النقد، ولكن لسان عقله الباطن يقول: “أنا لست مثل هؤلاء، لست واحداً منهم، وأشعر بعار الانتماء إليهم”. هؤلاء يدمغون شعبهم لكي ينسلخوا منه، آملين بذلك أن تتحقق لهم النجاة من عار متوهم.
لا شك أن النقد الحقيقي والموضوعي أمر ضروري. ولا أحد ينكر أن السودان يواجه أزمات عميقة، وأنّ في المجتمع أمراضًا تحتاج إلى مواجهة صادقة. لكن النقد شيء، وتحويل شعب كامل إلى مادةً للازدراء شيء آخر. النقد يقول: لدينا مشكلات ويجب علينا جميعاً العمل على إصلاحها. أما خطاب الاحتقار فيقول: أنتم بطبيعتكم لا تصلِحون ولا تنصلحون. الأول يدٌ تدق على باب الإصلاح، والثاني بومة تنعق وسط البيوت المدمرة.
وما يثير الحزن أن هذا الخطاب يُقدَّم أحيانًا على أنه شجاعة فكرية، بينما هو في الحقيقة شكل من أشكال الجبن والهرولة. إنه يُريح صاحبه نفسيًا لأنه يمنحه شعورًا بالنأي بالذات، بالمفارقة غير الوامقة، وشعوراً بالانسلاخ. وكما أسلفنا، هذا الاستعلاء هو أصل العلة، لأن من يضع نفسه قاضيًا على شعب كامل يكون قد وقع في الكبر الذي أفسد وعي أول مخلوق فسق عن أمر ربه.
رغم إدراكنا العميق لفضائل السودانيين، فإننا لا نقول إنهم شعب ملائكي، ولكنهم ليسوا شعبًا معطوبًا بطبيعته. هم بشر، مثل غيرهم، فيهم الصالح والطالح، الكريم والأناني، العبقري والعاجز. وما نراه اليوم من تشظٍ ما هو إلا واحد من آثار انعدام التنمية، والحرب المدمرة، وانهيار الدولة، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يمثل حكماً نهائياً على إنسان هذا البلد. ونحن، في ظلمة هذا الواقع المرير، لا نعمى عن رؤية أمور مشرقة، سوف تتكشف لاحقاً، مثل كيف تحول المجتمع السوداني إلى بديل للدولة الغائبة، فآوى النازحين، وأطعم الجائعين، وأعطى الأمان للخائفين. ومع اعترافنا بأننا نملك واحدة من أضعف الدول في العالم، فإننا نملك مجتمعاً ربما لا يضاهيه مجتمع آخر في قوة تضامنه.
وتتجلى فداحة ما يفعله خطاب “عدم أهلية الشعب الشوداني” في أنه يزرع في نفوس الشباب، على وجه الخصوص، شعورًا بأنهم يولدون ناقصين حضاريًا، وأن انتماءهم في حد ذاته عبء. وهذا أشد فداحةً من الفقر والحرب والخراب، لأن الأمة التي تفقد ثقتها بنفسها ستغدو هشيماً تذروه الرياح. إن أخطر ما يمكن أن يحدث لشعب جريح ليس فقط أن يُهزم عسكريًا أو سياسيًا، بل أن يقتنع هو نفسه بأنه لا يستحق النهوض، ولا يستطيعه. لذلك يجب مقاومة هذا الخطاب، لا بالإنكار الأعمى للمشكلات، بل بالتمييز بين الأخطاء القابلة للإصلاح، وبين الحملات المسعورة التي تحاول تحويل المعاناة إلى حكم أبدي على أمة كاملة.
لهذا يجب أن يُقال بوضوح: من حقك أن تنتقد مجتمعك، بل من واجبك.
لكن ليس من حقك أن تهين شعبك وتنزع كرامته.
من يقول إنّ السودانيين غير قادرين على العيش معاً فقد نزع عنهم إنسانيتهم؛
ومن يقول إن السودانيين غير قادرين أن يكونوا إخوة فقد نزع عنهم إيمانهم.
إنهم قومٌ يهون عليهم أن تمسّ جسومهم، وتسلم أعراضٌ لهم وعقولُ.
وليس من النزاهة أن تتهم شعبك وتنسى نفسك، فتلك أنانية.
وليس من الشجاعة أن تشتم شعبك وتبرئ نفسك، فتلك وقاحة.
ومن أوجب الواجبات على كل من يريد أن يتصدى لشؤون الشعب أن يحترمه، وأن يحبه، وأن يؤمن به!
وآية حبك للشعب واحترامه والإيمان به أن تثق في قدرته على النهوض بعد الكبوة.
لكن حين يصبح الهدف من حديث “اللايفاتية” هو إقناع السودانيين بأنهم أقل من غيرهم، وأن فشلهم حتمي، وأنهم لا يستحقون دولة ولا احترامًا، وأن عليهم أن يرضوا بالدون، فإننا لا نكون أمام نقدٍ هادف، بل أمام جلد جماعي للذات يدفع إلى اليأس والإحباط ولا يحقق الإرشاد والإصلاح.
ومن يفعل ذلك، في زمن الحرب، فقد اختار أسلحته وقنابله بعناية فائقة. إنه هو العدو، فاحذروه!
elrayahabdelgadir@gmail.com
