بقلم/ كمال الجزولى
(1)
(1/1) بصرف النظر عمَّا يمكن أن يشكل قناعة مفكر مرموق فى قامة السيد فهمى هويدى حول مصلحة إسرائيل فى توقيع بروتوكولات السلام بين الحكومة والحركة ، كما ذهب إلى ذلك فى بعض مقالاته مؤخراً (الأهرام 3/6/04 ـ الخليج 10/6/04) ، أو ما إذا كان يتفق معنا أو لا يتفق فى أن للحقيقة دائماً أكثر من وجه ، فما من وهم ينتابنا ، مع ذلك ، فى أن بعض وجوه حقيقتنا يتصل بأن (البترول) وهاجس (محاربة الارهاب) هما اللذان وضعانا فى عين عاصفة السياسة الأمريكية نفسها ، دع الاسرائيليَّة ، والتى شقت ، فى التطبيق العملى ، طريقاً معبَّدة بصورة مدهشة وسط كل ما كان يلوح من تصلب فى كتلة النخبة الاسلامويَّة الحاكمة!
(1/2) ونحسب أن مثل هذا التقرير لم يعد يحتاج الآن إلى ضرب متميِّز من التحليل المعقد أو الذكاء الخاص. فبسبب الواقع (النفطىِّ) الجديد لبلادنا أكد السيد بوش الابن ، فور توليه رئاسة الولايات المتحدة ، اهتمام واشنطن بعملية السلام في السودان. ولهذا السبب بالذات ، وفي ضوء قرار الكونجرس بإنشاء لجنة استشارية للسياسة الأمريكية في أفريقيا التى تصنف ضمن أغنى المناطق باحتياطيات النفط ، علاوة على ارتباطات سالفة للنظام فى السودان مع بن لادن ورهطه ، تكفل (المركز الأمريكى للدراسات الاستراتيجية والدولية) ، منذ فبراير 2001م ، بإعلان خطة الانتقال إلى (التدخل الايجابى) بديلاً عن السياسة القديمة التى اعتمدت على أيام كلنتون ، مقترحاً الدفع بالمسألة السودانيَّة إلى أوضاع (الدولة الواحدة) ذات (النظامين)! وفى السياق نفسه جرى ، فى سبتمبر من نفس العام ، تعيين القس جون دانفورث كمبعوث خاص للسلام فى السودان. وإلى ذلك كان واضحاً تماماً ، ومن الوهلة الأولى ، أن على رأس مشمولات تلك الخطة دفع الحكومة والحركة وحدهما إلى طاولة المفاوضات ، مع إقصاء كل القوى السياسيَّة والمدنيَّة الأخرى عنها!
(1/3) هكذا لم يصعب ، مثلاً ، على محلل سياسى كالسيد برنابى ماسون ، مراسل البى بى سى الدبلوماسى ، أن يلمح تحت عنوان: (لماذا تريد أمريكا سلام السودان) البصمة الأمريكيَّة على (بروتوكول قسمة الثروة) المبرم بين الحكومة والحركة فى 7/1/04 ، والمقصود (النفط) بطبيعة الحال. فلأن “أمريكا تدرج نفط أفريقيا كله ضمن مصالحها الوطنيَّة الاستراتيجيَّة” ، فإنها ما انفكَّت تضع عينها على نفط السودان. وحيث أن “معظم هذه الثروة تقع حالياً فى الجنوب ، فإن استثمارها الأمثل من جانب الشركات الغربيَّة يستلزم ، بشكل مباشر ، وضع نهاية للحرب وإقامة حكومة مستقرة”. وقد استخدمت إدارة بوش ، لأغراض الضغط على الحكومة فى هذا الاتجاه ، “محفزات مفتاحيَّة تمثلت فى الوعد بإلغاء عقوباتها المقررة على السودان ، علاوة على رفع اسمه من لائحتها الخاصة بالدول الراعية للارهاب” (بى بى سى ، 21/4/04). أما السيد تونى بلير فقد بعث من جانبه برسالة خطيَّة إلى رئيس الجمهوريَّة يعد فيها “بإلغاء ديون بريطانيا على السودان بعد توقيع اتفاق السلام” (أ ش أ ، 28/1/04).
(1/4) أخيراً ، فى 26/5/04 تمَّ التوقيع على ستة بروتوكولات يفترض أنها ، على علاتها ، تستوفى كلَّ أجندة التسوية. سوى أن (مجموعة الأزمات الدولية) عادت فى ديسمبر 2003م لتعترف ، قبل خمسة أشهر من اكتمال المفاوضات ، بأن كلَّ ذلك (اللت والعجن) لن يفضى ، فى نهاية المطاف ، سوى إلى (سلام ناقص incomplete peace) ، مثلما عاد مركز الدراسات الأمريكى نفسه لوضع تقرير آخر فى يناير 2004م ، بعد أقل من ثلاث سنوات ، عن (المخاطر) التى سوف تحتوش الاتفاقية فى مرحلة التطبيق ، مِمَّا سوف يستوجب إرسال (قوات دولية لحفظ السلام)!
(1/5) ذات القصة القديمة وإن اختلفت التفاصيل! ذات السيناريو المكرور الذى جرى إخراجه عملياً فى بلدان أخرى! حلقات من اجراءات مصالح أجنبيَّة تمسك برقاب بعضها البعض ، وتقود واحدتها إلى الأخرى ، ولا يهمُّ بعد ذلك إن تآكلت المصالح الوطنيَّة ، أو تمَّ قضمها .. قطعة قطعة! لذلك فقد سارعت القوى السياسيَّة كافة لإعلان رفضها التام لهذا السيناريو ، ولكافة أشكال التدخل الأمريكي الفظ فى الشأن السودانى (المصدر ، 20/2/04) ، إلا أنه ليس ثمة ما يشى حتى الآن ، للأسف ، بأن شيئاً من ذلك لن يقع فى المستقبل المنظور ، بل بين غمضة عين وانتباهتها!
(1/6) ولعل مِمَّا يكتسى دلالة ذات أهميَّة خاصة فى هذا الاطار أن د. غازي صلاح الدين ، مستشار رئيس الجمهوريَّة السابق للسلام قبل تنحيته ، وأحد المطلعين على أدق شئون السلطة بحكم وجوده إلى وقت قريب ضمن دائرتها الأضيق ، ذهب إلى القطع بأن “واشنطن ترى أن اتفاق السلام سوف يكون عرضة لتناقضات كثيرة فى تفسيره وتأويله!” ، ولذلك تريد ، والغرب معها ، “حمايته وإيجاد ضماناته!” ، غير أنها “لا ترى ضرورة لوجود الامم المتحدة في السودان ، تماما كما هو الحال في العراق!” ، مبيناً أن “أمريكا تسعى إلى توزيع الأدوار بين الدول التى ساهمت في عملية السلام فقط دون غيرها!” ، محذراً فى النهاية من أن ذلك “سيضع البلاد تحت درجة من الوصاية!” (ضمن مداخلته فى ندوة “السلام بين الشراكة والمشاركة” ، قاعة الشارقة 6 ـ 7 مارس 2004م). وإذن فالخطر الخارجىُّ ماثل ، وقد لا تحتاج البلاد ، أصلاً ، لمن يحذرها منه .. يداها فى الجمر ، وقدماها على شفا جرف هار!
(2)
(2/1) على أن هذا الخطر الخارجى ليس وحده الذى يتهدَّد كياننا الوطنى بالانهيار الشامل ، إذ هنالك مهدِّدات داخلية ربما أكثر خطراً وأعظم أثراً ، وعلى رأسها مضمون الاتفاقيَّة نفسها. فهى ، بكل المعايير ، وحتى بافتراض قبول طابعها الثنائى على مضض ، غير مؤهَّلة لأن ترسى أساساً صالحاً لأىِّ تقارب بين الجنوب وبين بقيَّة أجزاء القطر ، بخاصة الشمال النيلى. وإن المرء ليلمح فى كل ما كتب وقيل عنها حتى الآن قدراً كبيراً من الحساسيَّة والحرج الوطنيين بإزاء أكبر إنجاز فيها وهو إيقاف الحرب ، علاوة ، بالطبع ، على النصوص المتعلقة عموماً بالحكومة العريضة واللجان القومية والديموقراطيَّة والانتخابات وما إلى ذلك. لكن ، ولئن كان أقصى (كابوس) تفتقت عنه عبقريَّة (المركز الأمريكى للدراسات الاستراتيجية والدولية) هو (سودان واحد بنظامين) ، فإن هذه الاتفاقية قد خلصت عملياً إلى (سودانين) جاهزين تماماً للانفصال: بحكومتين ، وبرلمانين ، وجيشين ، وعملتين ، ولغتين ، وقانونين ، ونظامين مصرفيَّين ، ونظامين قضائيَّين .. الخ ، ولم يتبق سوى ترسيم حدود دوليَّة جديدة! فكيف يُنتظر من أوضاع كهذه أن تفضى بعد ست سنوات إلى (وحدة جاذبة)! إنها حالة تتأرجح بين (الكنفدراليَّة) وبين (الوحدة) بشعرة معاوية ، بل تفوق (الكنفدراليَّة) جفاءً وتباعداً. (فالكنفدراليَّة) تضمن على الأقل منظومة من الوشائج وأواصر القربى ، سواء فى النظام الاقتصادى والاجتماعى وفلسفة الحكم .. الخ ، أم فى ما يُصطلح عليه (بالجيش التعاهدى). ولذلك فهى غالباً ما تتحوَّل إلى (فدراليَّة) ، كما وقع فى سويسرا من القرن السادس عشر وحتى العام 1848م ، وأمريكا خلال النصف الثانى من القرن الثامن عشر وحتى العام 1787م ، وألمانيا من العام 1815م إلى العام 1871م ، الأمر الذى تعزز بدستورى 1919م و1949م. وهى ذات الوضعيَّة التى يرى بعض الكتاب أن مجلس التعاون الخليجى والاتحاد الأوربى يقتربان منها بخطى حثيثة (ميرغنى النصرى ؛ مبادئ القانون الدستورى والتجربة الديموقراطيَّة فى السودان ، ط 1 ، الخرطوم 1998م ، ص 91 ـ 92).
أما هذه الاتفاقيَّة فتعطى (وحدة) باليمين ثم تستدير لتسلبها بالشمال! ولعل ذلك بالتحديد هو ما رمى إليه السيد الصادق المهدى حين انتقدها ، برغم حماسته لها ، قائلاً: “أعتبر الاتفاقات التي تم التوقيع عليها حتى الآن تحمل تناقضات ، ففى بعضها تنص على إعطاء الوحدة أولوية ، ولكن بعض تفاصيلها تؤدي صراحة إلى الانفصال!” (ورقة فى ندوة “السلام بين الشراكة والمشاركة” ، قاعة الشارقة 6 ـ 7 مارس 2004م). هذا علاوة على العديد من المطاعن التى وجدها آخرون فيها من زوايا مختلفة ، حيث أنها مثلاً “.. لا تترك حيزا واسعا للشفافية والضبط والمتابعة. وقد حرص الطرفان على أن تكون .. آلية لاقتسام السلطة بينهما أكثر منها آلية لحل النزاعات وحسم المشكلات ، كما توقعتها أغلبية السودانيين” (بونا ملوال ، الشرق الاوسط ، 10/6/04). ولئن كان السيد الصادق قد أجمل وصفها “بالهشاشـة الفظـيعة” (الصحافـة ، 9/6/04) ، فقد وصفها (المركز الأمريكى للدراسات الاستراتيجية والدولية) أيضاً بأنها “هشَّـة” fragile ، وذلك ضمن البيان الصحفى المرفق بتقريره الصادر فى يناير 2004م.
(2/2) المهدِّد الداخلى الآخر يتمثل فى العلاقة بين طرفى الاتفاقيَّة:
أ/ فعلى الرغم من أن تاريخ الحرب الأهليَّة فى الجنوب يعود إلى العام 1955م ، إلا أن فترتها الأخيرة منذ العام 1983م ، وعلى مدى عشرين عاماً مستمرة ، تعد أطول الفترات امتداداً فى الزمن. ولأن نظام الانقاذ ظل يخوضها خلال السنوات 1989م ـ 2002م ، ضمن تلك السنوات العشرين ، فهو يعتبر النظام الوحيد الذى خاضها لأطول مدة بلا انقطاع حتى بداية مفاوضات السلام فى مشاكوس. وهى تحديداً المدة التى شهدت تطوُّراً غير مسبوق فى قدرات الطرفين من جميع النواحى. وبالتالى فإن حجم (العدائيَّات) بينهما كبير ، والذاكرة السالبة يانعة ما تزال ، رغم أن المأمول أن تذوى وتضمحل ، فلا يتبقى منها سوى العبر الماجدة والدروس البليغة ، وبالذات على مستوى القيادات السياسيَّة والعسكريَّة.
ب/ ينتج من هذا ، فى المحصلة النهائيَّة ، أن طرفى الاتفاقيَّة هما ، فى نفس الوقت ، الطرفان الأكثر منعة من الناحية الحربيَّة ، ذاتياً وموضوعياً. فلكلٍّ قواته المشحونة شحناً بتوجيه معنوىٍّ معلوم للقاصى والدانى. وبالتالى فإن انفرادهما بالثقل الأكبر فى تطبيق الاتفاقيَّة ، مع الأخذ فى الاعتبار بالطبيعة التناحريَّة لعلاقاتهما إلى وقت قريب ، يعتبر ، بكل المقاييس ، مخاطرة بإحدى أندر الفرص النوعيَّة التى لاحت ، على علاتها ، لأول مرة فى أفق السلام والوحدة والديموقراطيَّة والتنمية. ذلك أن حالة مثل هذه العلاقة أشبه ما تكون بحالة المريض الذى برئ لتوِّه من مرض عضال ، ولكن ما زال يتعيَّن عليه أن يجتاز طور نقاهة قد يطول. فأىُّ انتكاسة فى هذا الطور تعتبر من الخطورة بمكان. وما من جهة بين الوسطاء الأجانب بقادرة على أن تضمن عدم حدوث مثل هذه الانتكاسة التى قد تترتب على أوهى سوء تفاهم فى أدنى مستويات الانتماء أو الولاء بالنسبة لأى من الطرفين.
فهل ترانا نغالى فى التشاؤم كما قد يتبادر للأذهان؟! أليست نظرة عجلى إلى الواقع السياسىِّ من حولنا بكفيلة لإثبات سداد محاذيرنا؟! أم نحن بحاجة لسَوْق الأمثلة والتذكير ، علَّ الذكرى تنفع المؤمنين؟!
(نواصل)
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم