تِحتاجُ عَملية إعَادة صِياغة المَبادئ الدستورية التي تَحكم المَرحلة الانتقالية في أي بَلد، و تَيسِر إنجاز التَحَول الدِيمُقراطِي و السلام الدائم فيه، إلى عملية إمْعَان النَظر في أهْداف المَرحلة الانْتقاليِة، من خِلال قراءة كل العَناصِر المُؤثرة في مَسار التحول الديمُقراطي، بما فِيها السِياسِية و الاجْتماعِية و الاقْتصادِية. و هذا يَعود بِنَا الى الحَديث مرة أُخرى إلى أهْمية التَحليل العِلمي المُستوعب للاوضاعْ الدَستُورية المَطلُوبة فِي المَرحلة التَاريخية الراهِنة في السُودان. و كذلك يَعود بِنا الحَديث الى ضَرورة إنتهاجْ وَسائل ديمقراطِية في التوافُق حَول دَستُور إنْتقالي، من خِلال توسيع مَنهج التَشارُكِية في صِناعة الدستُور الانتقالي.
و بالتالي يَلعب الدستُور في المَرحلة الانتقالية دور المُيسر للوصُول للأهداف و الغَايات المَرحلية للدولة السُودانية، و التي بِمقدورها أن تُهيئ مُؤسسات الدولة و المَجموعات و الافراد للانتقال الكَبير، و أن تُعَبد الطَريق إلى الديمقراطية، و السلام، و الحُكم الراشِد و التَنمية المُستدامَة. و بالتًالي الدستُور الانْتقالي هُو أداة الشَعب و الحَاكمين في إدارة الفِترة الانتقالية بالصُورة التي تُحقق الأهداف و الغَايات المَرجُوة، من خلال المُؤسسات و الكَفاءات و المَوارد المُتاحة و المُمْكنة. و من الضرُورة ذِكر أن (الاهْداف و الغَايات) هي التي تُحدد طَبيعة المَبادئ و المُؤسسات التي يَجب أن يؤسسها الدستور الانتقالي. لقد نصت المَادة الثَامِنة من الوثيقة الدستورية، سِتة عَشر هَدفاُ للمرحلة الإنتقالية تحت عِنوان (مَهام المرحلة الانتقالية)، و هي نِصوص مُعمْمة، لا تحمل في طَياتِها أي تَفسير، او شَرح لاليات تنفيذ تلك المهام. و حتى تكون تِلك المهام قابلة للتنفيذ، لابد من إعطاء المَزيد من النُصوص و الاحكام التي تُساعد في تَحقيق تلك الاهْداف بالصُورة التي تخدم أهداف التَحوُل الديمقراطِي. و في حَقيقة الأمر أفْتقرت الوثيقة الدستورية لِمثل تِلك الاحْكَام، و بالتَالي لم يَعد من اليَسير تنفيذ تلك المَهام بالصُورة المَطلوبة.
تأسيس المَبادِئ و الهَيئآت:
بِقراءة الاهداف و الغَايات الدستورية التي نَصت عليها المَادة الثامِنة من الوثيقة الدستورية لسنة 2019، يتضح بأن تلك الاهْداف تِتَلخصْ في ( العَدالة – السّلام الشامِل – تَعزيز الديمُقراطية و تَفكيك بِنيّة الدكْتاتُورية و مُؤسَساتها – الاصْلاح القَانوني و المُؤسسي – انْعقاد المُؤتمر الدَستٌوري و صِياغَة الدستور – سياسة خَارجية مُتوازنة) ، المُلاحظ بإن (إجراء الانْتخَابات) لم يُكن ضمن مَجموعة تلك الاهداف الانتقالية الواردة تحت المادة الثامنة.
سِواءْ بالنَظر للاهْداف الوّاردة في المادة الثامنة، أو في غيرها من المَواد، من المُهم التفكير في تأسيس مبادئ و قيم دستورية و مٌؤسسات و هيئآت و لجان، تُؤسس مَع تِلك الاهداف مَشروع دستوري مُتكامل. تكون مُهمة المُؤسسات الاعْتِكَاف على تحقيق تِلك الاهْداف وفق المَبادئ التي تُؤسسها الوثيقة الدّستُورية. و بالتَالي من الضروري إيلاءْ عِناية إضافية في صياغة فصل (الاحْكام العَامة) من الوَّثِيقة الدستورية، ففي تلك الاحْكام العَامة، يتم عادة تَضْمِين العَديد من الأحْكام العامة التي تحكم و توجه الابواب التي تتضمن أحكام و مَوضُوعات خَاصة. بإعادة النَظر إلى الفَصل الاول من الوثيقة الدستورية، نَجدها لا تُعبر بأي حَال من الاحوال عن طَبيعة أهداف التحول الديمقراطي في السُودان، بل أنها قد تكون أحكام عامة مُقتبسة بصورة مُبتسرة من أي دستور سُوداني قَديم، أي ان الاحْكام الواردة فِيها لا تُعطي خُصُوصية لطبيعة المَرحلة الدستورية التي يَمُر بِها السُودان بَعد إسْقاط نَظامْ الحُكم الشِمُولِي في ابريل 2019.
قد يُحَاجج بَعضُنا، بأن هذا المنهج في التفكير الدستوري قد يُسهم في إنتاج وثيقة دستورية طَويلة. إلا إن الرد على ذلك يكون بأن تلك الوثيقة الانتقالية تَحكم فترة زمنية مُحددة، لا تمتلك معها مُؤسسات الحُكم الانتقالية الوقت الكَافي لانشاء قَوانين تُفَصِّل أحْكَام الدستور، و كذلك إن إعادة النقاش في المَواد الدستُورية قد يُجدد فتح إختلافات قديمة كان قد تجاوزها واضِعُو الدّستُور من خِلال توافُق سِياسي فِي ذلك الوّقْت، و مثل تلك الاختلافات تُعطل إنْتاج القوانين و تُعطل إنشاء المُؤسسات، و بالتالي من الضَروري أن يكون دستور الفِترة الانتقالية تَفصيلي و شَامل لِكُل الاحكامْ الهَامة و الضروُرية لانجاز مَهام التَحول الديمُقراطي. إن عدم مُعالجة إنشاء المُؤسسات من خلال الوثيقة الدستورية، و الإحالة إلى قوانين مُستقبلية لتكوين المُؤسَسات و لتحديد طريقة التعيين و الاخْتصاصات، عَيب كبير لا ينْسَجِم مع طبيعة المرحلة الانتقالية، و يُعطل تنفيذ مَهام الانْتقال الديُمقراطِي، و هذا ما حَدث بالفعل حين كان الحديث بِخصوص المَحكمة الدستورية (المَادة 31)، و كذلك بِخُصُوص إنشاء المُفوضيات المُستقلة (المادة 39). و بالتالي نرى كان يَستلزم وضع مَجموعة من التَدابير تَضمن تَنفيذ تِلك المَهام الانتقالية.
مُدة الفِترة الانْتقاليّة:
إن أكثر ما يُميز الدّساتير الانتقالية في ظَنِي، من ضمن مَجموعَة من العَوامِل، بِجانب إنها إنتقالية، يجب أن تكون مُحددة الاهْداف، و قَابلة للتنفيذ في الحَيز الزماني المُعين، و بالتالي قابلة للرصد و المُتابعة عند التنفيذ. فما قد لا نَجده من أحْكام في الدساتير الدائمة، قد نّجده في الدساتير المُؤقتة. و من بين تلك المَوضُوعات، التَوقِيتَات الزمَنية المُرتبطة بتنفيذ بَعض المَوضُوعات الانتقالية، و التي من بينها تَحديد أجل الفترة الانتقالية.
وُجُود التَوقِيتات الزّمَانية في الوّثيقة الدستورية لم يَكُن عَيباً، بِقدر مَا انها كانت من مُتطلبات الانْتقال، و مُتطلبات الدِقَة. و كان من الافضل عَمل مَصْفُوفَة زمانية يتم من خلالها تحديد الموضوعات الدستورية و مَواقِيت تَنفيذها و الجِهات و المُؤسسات التي عَليها واجِب تنفيذ تلك المَوضُوعات. و لكن ليس من حُسن التَخطيط وضع توقيتات جُزافِية في الوثيقة الدستورية، و دون أي إعْتبارات مَوضُوعِية، لان ذلك سيقود بالنتيجة إلى عدم القدرة في الوفاء بتلك التوقيتات بسبب عدم إمكانية الوفاء بها في تلك الفترة الزمنية التي حددتها الوثيقة. و كما أسلفنا، أن الدقة في تحديد الموضوعات، و قابلية التنفيذ من المَعايير التي يجب مُراعاتها في الاحكام الدستورية المُتصلة بِمواعيد تنفيذ تلك الاحْكام.
تلك التقديرات الزمانية لتنفيذ التَعْهدات الدستورية الوّاردة في الوثيقة الدستورية، كلها جَاءت بِصُورة جُزافِية دُون الرُكُونْ إلى أيّ تَحليل موضُوعي. تلك التوقِيتات تَناولت تنفيذ مَوضُوعات فِي غَاية الأهْمِيّة، لكن القابِضُون على الحُكم فَشلوا في ذلك ليس بسبب غِياب الارادة السياسية كَما أظن، و لكن بسبب لا مَعقولية المَواقيت التي حَددتها الوثيقة الدستورية. بعد ثَلاث شُهور من بداية الفِترة الانتقالية فَشل قَادة التَحول الدِيمُقراطِي في تكوين المَجلس التشريعي الانْتقالي (الفقرة 4 المادة 24)، و تَلى ذلك، الفشل في الوفاء بكل التوقِيتات التي نصت عليها الوثيقة الدستورية، بما في ذلك المُتصلة بَعملية السّلامْ.
و في هذا الاطار، نؤكد القول بأن التحديدات و التوقيتات الزمانية مَطلوبة في الدساتير الانتقالية، و تَضع المُوقعين عَلى الوثيقة أمام التزامْ دستوري بَتنفيذ تلك التَعهُدات كَما نَصت عَليها الوّثِيقَة، و في توقيتاتها المُحددة. و من ضمن هَذا التأكيد، أنه من الضَروري جداً وضع تلك المَواقِيت في الوثيقة الدستورية الانتقالية، وفق مَعايير مَوضُوعية و مَدرُوسَة بعد إخضاع كل الظُروف المُحيطة لتحليل دقيق يَعطِي واضِعُو الدستور الانتقالي صُورة واضحة للمُستقبل و بالتالي يُمكنهم وضع التَحديدات و المَواقِيت حسب ذلك التَحليل.
و في هذا السِياق، جاء تَحديد مُدة الفترة الانتقالية بِمُدة 39 شهراً (الفقرة 1 – المادة 7). و نذكُر في وقت المُفاوضات بين المَجلس العْسكري الانتقالي و قوى إعلان الحُرية و التَغْيير (ابريل – أغسطس 2019) ثَار خِلافْ حَول مُدة الفترة الانتقالية، بينما كان المجلس العسكري الإنتقالي يَرى بأن تكون المُدة سنتين، كانت قوى إعلان الحرية و التغيير ترى ان المُدة يجب أن تَكون أربعةُ سنواتْ، و فيما يبدو تَمتْ تّسوية الامر بِمُبادرة من مَبعُوث الاتحاد الافريقي محمد حسن اللبّاد، و تم إعتماد مُدة الفترة الانتقالية 39 شهراً. و من الواضح ان تحديد المُدة لم يكن يَستند إلى أي مَعايير. و تتجلى جُزافية إخْتيار تلك المدة، و عدم واقعيتها، حينما نُدرك أن أمام الفترة الانتقالية مهام كبيرة (أكبر من أن تستوعبها تلك المدة) حددتها المادة 8 من الوثيقة في 16 موضوع، أولها أقامة سلام دائم يُعالج جُذور النزاع المُسلح، و من ضِمنها تَفكيك الدولة الدكتاتورية و اقامَة الاصْلاح المُؤسسي و التَشريعي و إصلاح المُؤسسة العَسكرية. عدد من الموضُوعات يجب وضعها في الاعتبار عِند التفكير في وضع خَارطة زَمنية لتنفيذ مَهام المَرحلة الانْتقالِية. يجب عِند تحديد (مُدة الفترة الانتقالية) مُراعاة طبيعة مَهام الفترة الانتقالية و مَا يتطلب مِن تَحضيراتْ من موارد و كوادِر مِهَنية و تَجهيزات تَشريعية .. الخ، و بناءا عليه يتم تحديد مَواقِيت زمنية بِصورة عِلمية لكل تدبير من تدابير المرحلة الانتقالية.
المُؤسسات الانتقالية:
جاءت أحكام الوثيقة الدستورية، عُمومية و غير مُفصلة، و تُنشئ في كثير من الاحْوال مَبادئ دستورية، و لا تُنشئ مُؤسسات لتنفيذ تلك المَبادئ. و قد جاء ذِكر إنْشاء تِلك المُؤسسات و الهَيئآت و المُفَوضِياتْ فِي الوثيقة بِصورة مُعَممة، ربما بإفتراض ان القارئ يَعلم بما خَلف تِلك السُطُور. من المُهم النَص عَلى المُؤسسات التي يقع على عَاتقها تنفيذ تلك المَهام، بِمعنى ان كُل المَهام الانتقالية يجب ان تُوكَل الى مُؤسسات كُفؤة. و بالنَّظر الى المَهام الواردة في المَادة الثامنة مِن الوثيقة الدستُورية، و في غَيرها من المَواد، مِن السّهل تَعيين المُؤسسات و المُفوضِيات و الهَيئآت اللآزم إنشائها لتنفيذ مَهام الفترة الانْتقاليّة.
و لما كَانت الدَّولة السُودانية في حَوجَة كبيرة – خلال فِترة الانْتقال – لقُدرات كُل المُؤسسات الوَّطنية الرسمية و الغير رسمية، فانه كان من الاوفق إيلاء مُنظمات المجتمع المَدني دَور مَلحُوظ في تنفيذ تِلك المَهام، و ذلك تقديراً لمستوى فَعاليتها في العَمل المُجتمعي، و الاسْهام في بِناء التَحول الدِيمُقراطي. و في هذا الصَدد، لا يجب أن نَنسى أن التَجرُبة السَابقة، قد أثبتت ان بَعض مُؤسسات الادارة الاهْليَّة كان لَها دور مِحْوّري و فعال في تغيير المَوازين السِيّاسية خِلال الفِترة الانتقالية، و بالتالي سَيكُون من الاوفق وضع التَّدابِير الدستورية الانتقالية التي تُولي هذه المؤسسات القَبليّة و التَقليديّة الاهمية المُفترضَة.
وضعِيّة الجَيش في الفِترة الانْتقاليّة:
هذا موضوع كُنت قد وعدت ان اتطرق اليه بِصُورة مُخْتصرة عَسى أن إتمكن من تَناوله بِشئ من التَفصِيل في المُستقبل القريب. لقد وَقعَت قُوى إعلان الحُرية و التغيّير على الاتفاق السياسي في يُوليو 2019 مَع المجلس العسكري الانتقالي، و الذي فِيه تم تأسيس الشراكة في الحُكم و الادارة خِلال الفترة الانتقالية، و تم تضمِين تلك الاتفاقية في الوثيقة الدستورية في أغسطس 2019.
إلا أن الوثيقة الدستورية جاءت خَالية من باَب او فَصل خَاص بتنظيم هذه الشراكة، بين قُوى اعلان الحُرية و التغيير و المَجلس العسكري الانتقالي، و إن كانت بَعض الاحْكام قد جَاءت مُتناثرة هُنا و هُناك داخِل الوثيقة الدستورية. كان من المُهم إيلاء تلك الشراكة الاهْتمام الذي تِستحق، من خِلال وضع مواد تفصيلية تنظم العلاقة بين المُكوِن العَسكري و المُكون المَدني للحكُومة.
و مَهما يَكُن الوضع الخَاصْ الذي سَيخْتَاره واضعُو الوثيقة الدستورية للمُؤسسة العَسكرية في الحُكم خِلال الفترة الانتقالية، سِواء بإشْراك المُؤسسة العَسكرية في الحُكم، او غير ذَلك، يَظلُ مِن المُهم جِداً، أبرَاز دَور الاجهزة الامنِية في الفِترة الانْتقالية، و ذلك لما للقِطاع الامني مِن دور اساسي في عَملية الاستقرار السياسي في المَرحلة الانتقالية. و في ذلك لابد من مُراعاة عدد من الاعتبارات عند وضع الاحكام الدستورية الخاصة بالقطاع الامني، من بين تلك الاعتبارات أن يَنسجم دور تِلك المُؤسسات مَع أهداف الدولة في بِناء الدِيمقراطِية و السَلام و حِماية الكَرامة الانْسانية لشعب السُودان دون تمييز. كذلك يَجب ان يَتم وضع ضَوابط دَستُورية بِحيث لا تَستَغِل قِيادات القِطاع الامني القُوة الماَدية المَعْهُوده إليهم ضد الاهداف التي حددتها الوثيقة الدستورية، او الانحراف بالوظيفة العسكرية او باي صُورة تُهدد الفِترة الانْتقاليةـ و التَأكِيد بالنَص على قَومِية الاجهزة الامنية و جَعلها تَعمل من اجل صِيانة وحدة البلاد و تحقيق الديمُقراطية و السّلام في السُودان.
باستقراء التَجربة السَابقة، يَكُون مِن السهل تَأشير أهم المَوضُوعات التي يجب ان تناقشها أي تَعديلات دستورية على الوثيقة الدستورية، و كَذلك من المُهم الوضع في الاعْتِبار من خِلال وضع احْكام واضِحَة لمُعالجة الموضُوعات المُتصلة بوضعية القِطاع الامْني خلال الفترة الانتقالية، بما في ذلك وضعية الجَيش في المَسالة السياسية خلال الفترة الانتقالية، و ضمان سَيطَرة السُلطة التنفيذية على القِطاع الامْني، و تنظيم مَسالة الرقَابة المُتبادلة بين السُلطات الثلاثة – و مُعالجة وضعية الجَيش في سِياق الرقَابة المُتبادِلة، و اصْلاح الاجْهِزَة الامْنِيّة.
advosami@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم