(أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ)
صدق الله العظيم
د. عمر القراي
في اجتماع مجلس الأمن، الذي عقد يوم 24 أغسطس 2026م، حول قضية السودان، ذكرت روز ماري دي كارلو، وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة، للشؤون السياسية وبناء السلام، أن الصراع في السودان، يواصل التصعيد، محذرة من تداعيات كارثية. مشيرة إلى أن نحو 13 مليون سوداني، فروا من ديارهم، بسبب ويلات الحرب، بينما نزح داخل السودان حوالي 8.7 مليون، توزعوا في مختلف الولايات. وأكدت أن الحكومة السودانية، كثفت جهودها، للدفع نحو حوار سياسي، في الوقت الذي دعت فيه الأمم المتحدة، لوقف الحرب، وإيصال الإعانات للمتضررين.
في ذلك الاجتماع، قدم مندوب الولايات المتحدة الأمريكية، اقتراحاً بتوسيع نطاق حظر الأسلحة، المفروض بموجب القرار 1591 على دارفور، ليشمل كامل الأراضي السودانية، بما في ذلك حظر المسيرات، والتقنيات التابعة لها. ولقد حظي الاقتراح الأمريكي، بتأييد بريطانيا، وفرنسا، والدنمارك، ولاتفيا، بينما عارضته روسيا بشدة، وانتقدت أيضاً العقوبات الأمريكية والأوروبية، على حكومة السودان.
ولقد ذكر المندوب الروسي، وهو يدعم موقف حكومة السودان، أن القوات المسلحة السودانية، تنتقي أهدافها العسكرية، بينما تعمل قوات الدعم السريع، وفق تصميم على تدمير البنية التحتية، بصورة ممنهجة، معتبراً أن المساواة بين الطرفين، ليست مقاربة عادلة. كما رفضت مصر أي مساواة بين مؤسسات الدولة السودانية، والمليشيات، ودعت الى وقف تدفق الأسلحة والمرتزقة، الى الدعم السريع. وسارت السعودية في نفس المسار المصري، وزادت عليه أن ارتكاب واستمرار الانتهاكات الجسيمة، إنما هو فعل قوات الدعم السريع. وأشادت بموقف الحكومة، التي قالت إنها فتحت المعابر، أمام المساعدات الإنسانية.
أول أدلة تضليل مجلس الأمن، وهو من أهم مؤسسات الأمم المتحدة، قبول السيدة روز ماري دي كارلو، وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة، للشؤون السياسية وبناء السلام، لأكذوبة الحوار التي افتعلها البرهان، وقاطعتها كل القوى السياسية السودانية. وكان أجدر بوكيلة الأمين العام، أن تقول إننا طلبنا من حكومة السودان قبول وقف الحرب، وإيصال المساعدات الإنسانية للمتضررين، لكن حكومة البرهان في السودان لم تستجب لنا، بل استمرت في الحرب، وزعمت أنها تريد إدارة حوار وطني!! والحوار لا يمكن أن يتم تحت دوي انفجار القنابل، والمدافع، والطائرات المسيرة. وأي حديث عن حوار، دون مجرد الإشارة، الى وقف الحرب، إنما هو خداع، يرمي الى أغراض أخرى، لا علاقة لها بمصلحة السودان.
ومن صور التضليل المتعمد، تصريح المندوب الروسي، بأن القوات المسلحة، تنتقي أهدافها العسكرية، والدعم السريع يدمر البنية التحتية. والحق أن القوات المسلحة هي التي دمرت، بشكل ممنهج البنية التحتية. فضرب الكباري، والمصانع، وآبار مياه الشرب، ومصفاة البترول، والأسواق، والمستشفيات، سجل بالصورة على الجيش، ولم يسجل على الدعم السريع. والحق أن المقارنة بين الدعم السريع والجيش لا تقوم، فقد رأى السودانيون ما ارتكب الجيش، والكتائب التي تقاتل معه، من قطع الرؤوس، وبقر البطون، ونبش القبور، وإخراج الجماجم والتلاعب بها، الأمر الذي لم تفعله قوات الدعم السريع. ومن التدليس، قول المندوب المصري، أنه ليس هناك تساوي بين مؤسسات الدولة السودانية، ومليشيا الدعم السريع، لأنه يعلم أن الجيش السوداني قد انتهى، وأصبح ميليشيا من ميليشيات الإخوان المسلمين، منذ أن سيطروا على السلطة بانقلاب يونيو 1989م. فالجيش الآن مثله مثل كتيبة البراء بن مالك، يأتمر بأمر الحركة الإسلامية، توجهه حسب أغراضها، ومصالحها. وهذه الحركة الإسلامية نفسها، هي التي صنعت الدعم السريع، واجازت قانونه، الذي اعتبر بموجبه، من ضمن القوات المسلحة السودانية، من داخل برلمانها عام 2017م. ثم حين اختلف معها، شيطنته، واعتبرته ميليشيا متمردة على القوات المسلحة. مع أنه اختلف مع الحركة الإسلامية، ولم يختلف مع القوات المسلحة، في أمر التحول المدني للسلطة الحاكمة وفق الاتفاق الإطاري!! أما مطالبة المندوب المصري، بمنع السلاح والمرتزقة، عن الدعم السريع وحده، فهي مطالبة جائرة، لا يدعمها عدل ولا عقل، ولا يحركها الحرص على السودان، أو حتى على حكومة البرهان!! وإنما تحركها مطامع مصر، في نهب خيرات السودان. فهي تساعد حكومة البرهان بالطيران المصري، تضرب به المواطنين السودانيين، والمنشآت السودانية، وتحطم به الكباري السودانية، ثم تتعاقد مع حكومة البرهان، لتحتكر لها، عقود إعادة التعمير، بمبالغ طائلة. ولهذا فإنها لا تريد للبرهان أن يذهب، وتأتي حكومة مدنية ديمقراطية، توقف نهبها لخيرات السودان، التي فتحت، الآن، قنوات لتصديرها إلى الصين، وكأنها منتجات مصرية!! أما السعودية، التي تحدثت عن انتهاكات الدعم السريع، وغضت الطرف عن انتهاكات الجيش، فإنها تحاول أن تكسب حكومة البرهان، ظناً منها، أنها يمكن أن تبعدها عن محور إيران واليمن، والسيطرة على البحر الأحمر، فهي ترى مصالحها، ولا تهتم بدماء السودانيين، التي يسفكها جيش الحركة الإسلامية الإرهابية. ولكن سعي السعودية خاسر، لأن البرهان يخادعها، ويستقبل الإيرانيين، ويأخذ منهم المسيرات سراً، ثم هو في نفس الوقت، يجعل السعودية تمول تسليحه بطائرات باكستانية، لتزيد من قدرته على الفتك بالمواطنين السودانيين. وهكذا، بسبب المصالح الضيقة، تضحى الحكومة المصرية، والحكومة السعودية، بالشعب السوداني، وتبذلا كل جهدهما، في تضليل مؤسسة عريقة مثل مجلس الأمن، أصبحت اليوم، تحت قيادة شخصيات ضعيفة سياسياً واخلاقياً.
في 3 سبتمبر 2026م صدر تقرير، لبعثة تقصي الحقائق، التابعة للأمم المتحدة، عن الوضع في السودان، والتدخلات الخارجية فيه. واعتمد على هذا التقرير مجلس حقوق الإنسان، التابع للأمم المتحدة، الذي أصدر تقريره في 7 سبتمبر 2026م. ذكر التقرير توسع نطاق الحرب واستمرارها في السودان وزيادة تضرر المدنيين منها. خلص التقرير، إلى أن كلا الدعم السريع، والجيش السوداني، ارتكبا جرائم وانتهاكات ضد القانون الدولي، وتلحق بأن تكون جرائم ضد الإنسانية. ومع أن الجيش، كان هو الجانب الرافض باستمرار لإيقاف الحرب، ولمباحثات السلام، والمفاوضات، وهدنة إيقاف الحرب، فإن التقرير لم يحمله مسؤولية زائدة في الانتهاكات التي إنما تزيد كلما استمرت الحروب. جاء في ذلك التقرير، الذي اعتمد في معلوماته، على ما يصله، من الذين يصفهم بأنهم شهود عيان، أن هنالك مجموعة كبيرة من الخبراء الكولومبيين، شاركت بمساعدة الدعم السريع، في تشغيل الطائرات المسيرة، وتوجيه ضرباتها. كما جاء في التقرير، أن شهوداً ذكروا وجود مقاتلين تشاديين، وإثيوبيين، مع الدعم السريع، ووجود سلاح، وأموال، ومجندين من دولة الإمارات العربية المتحدة، وجنود من دولة جنوب السودان، واثيوبيا، يقاتلون مع الدعم السريع. تواصل مجلس حقوق الانسان، مع دولة تشاد، وكولمبيا، ودولة الامارات العربية المتحدة، وإثيوبيا، ودولة جنوب السودان. لم يتلق رد من إثيوبيا ودولة جنوب السودان. لكن دولة كولومبيا أبدت قلقها، على مشاركة مواطنين منها في حرب السودان. وأكدت الحكومة الكولومبية أنه لا علم لها بذلك. وذكرت حكومة تشاد، أنها لم تتدخل ابداً في حرب السودان. وأنها تحترم سيادة السودان على أراضيه، كما أنها تحترم القانون الدولي، ولوائح ومواثيق الأمم المتحدة، مما جعلها تقف على الحياد، مما يجري في السودان. ورفضت الإمارات الادعاءات، المتعلقة بتوريدها للسلاح، أو أي دعم عسكري، أو مادي، أو سياسي، للدعم السريع. وأكدت أنها التزمت الحياد في هذه الحرب. ولم تورد ذخائر، أو أسلحة، أو تجند أفراداً، أو تيسر نشر مقاتلين أجانب، في النزاع السوداني. وشددت على التزامها، الصارم، بالقانون الدولي، وامتثالها لقرارات مجلس الأمن، ودعمها لمبادرات السلام، ودعمها للسودان بمساعدات إنسانية. أما عن الجيش فقد جاء في تقرير البعثة (لايزال تحقيق البعثة في الدعم الخارجي المقدم للقوات المسلحة السودانية وأثره على احترام الالتزامات بموجب القانون الدولي في مرحلته الأولية). ومع ذلك، ذكر التقرير أن الجيش يتلقى دعم من أفراد ممولين، وموردين للأسلحة، من الخارج للجيش.
أول ما تجدر الإشارة إليه، أن لجنة تقصي الحقائق، التي اعتمد مجلس حقوق الانسان على افادتها، لم تقم بزيارة السودان، وجمع المعلومات بنفسها. وذلك لأن حكومة البرهان، رفضت طلبها بذلك ثلاث مرات بينما طالب بها الدعم السريع، وأعلن موافقته على حضورها. ولما كانت تعتمد على معلومات، تصلها من مواطنين لغيابها عن موقع الحدث، وكانوا يزعمون أنهم شهود، على ما ينقلون لها، فإن اعلام الاخوان المسلمين، تواصل معها بأسماء مواطنين، يدعون أنهم شهود، وأبلغهم أكاذيب كثيرة، عن الدعم السريع، ظهرت في رصدهم للقتلى، جراء هجومه، دون إحصاء دقيق للقتلى، بسبب هجوم كتائب الحركة الإسلامية والجيش. وإلا لماذا لم تخاطب مصر، وتركيا، وإيران، باعتبار أنهم تدخلوا في الحرب، الى جانب الجيش، وشاركوا بتوريد الطائرات المسيرة، والتدريب عليها؟
لماذا لم يسأل مجلس حقوق الانسان، الحكومة السودانية، عن استخدام الجيش للأسلحة الكيميائية، المحرمة دولياً. وهو اتهام ذكرته الولايات المتحدة الأمريكية، في اجتماع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، التابع للأمم المتحدة. كما تم نشر تفاصيله مؤخراً، بواسطة “نيويورك تايمز” و”الواشنطن بوست” الصحيفتين الأمريكيتين الأشهر والأكثر مصداقية؟
لقد نجح إعلام الإخوان المسلمين الكذوب، في تضليل مؤسسات الأمم المتحدة، بما فيها مجلس الأمن. وبذل كثير من المال، والتمويه، والاغراءات للمراسلين الأجانب، والقنوات التلفزيونية، حتى تأتي المعلومات للمنظمات التابعة للأمم المتحدة، من عدة مصادر، تبدو متباينة، ولكنها في الحقيقة، خيوط تحركها يد واحدة، بمهارة فائقة، وغياب ضمير كامل، من العسير أن يتأتى لأسوأ الناس. ولكن كيدهم بإذن الله مرتد لنحرهم (وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ).
10 سبتمبر 2026م
