د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
الملخص
يناقش المقال بصورة نقدية ومتكاملة مفهوم «دولة 1956» في السودان، وينطلق من أن هذا التعبير أصبح خلال العقود الأخيرة، وبصورة أكثر كثافة منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، اختصاراً سياسياً لمجموعة واسعة من المشكلات التاريخية، من مركزية السلطة وتفاوت توزيع الثروة والخدمات إلى عسكرة السياسة والتهميش الإقليمي والاقتصاد السياسي غير المتكافئ. إلا أن المقال يبين أن التعامل مع «دولة 1956» باعتبارها كياناً تاريخياً واحداً ومتجانساً استمر دون تغير منذ الاستقلال يمثل تبسيطاً شديداً للتاريخ السوداني. فالدولة التي استقلت في يناير 1956 مرت منذ ذلك التاريخ بتحولات دستورية ونظم حكم مدنية وعسكرية وانقلابات وانتفاضات وحروب أهلية وتغيرات اقتصادية وأمنية عميقة، ولذلك يجب التمييز بين الدولة القانونية، والنظام السياسي، والنخب الحاكمة، والجيش، والأجهزة الأمنية، والمركز الجغرافي، والشبكات الاقتصادية، بدلاً من جمعها كلها في مفهوم واحد.
يوضح المقال أن الاستقلال لم ينشئ مشكلات السودان من الصفر، كما أن سنة 1956 ليست نقطة البداية التاريخية لكل مظاهر المركزية والتفاوت. فقد سبقت الدولة المستقلة مراحل تاريخية متعددة شملت الحكم التركي المصري، والدولة المهدية، والحكم الثنائي الإنجليزي المصري، وخلال هذه المراحل نشأت أنماط مختلفة من الإدارة والاقتصاد والبنية التحتية والتعليم وتوزيع الخدمات والموارد، وأصبحت مناطق المركز أكثر اندماجاً في مؤسسات الدولة والاقتصاد الحديث مقارنة بمناطق واسعة من الأقاليم. لذلك ورث السودان عند الاستقلال دولة ذات تفاوتات مؤسسية واقتصادية وإدارية كبيرة، وكان التحدي الحقيقي بعد الاستقلال هو تحويل هذه الدولة الموروثة إلى دولة وطنية أكثر مساواة، وهو ما لم يتحقق بصورة كافية.
ويؤكد المقال أن الاعتراف بهذه الخلفية التاريخية لا يعني تحميل الاستعمار وحده مسؤولية كل أزمات السودان، لأن النخب والقوى السياسية والعسكرية والاجتماعية السودانية بعد الاستقلال شاركت في إعادة إنتاج المؤسسات والسياسات والعلاقات التي أدت إلى استمرار الاختلالات. كما أن الأزمة لم تكن مجرد صراع بسيط بين مركز وهامش، بل كانت عملية تاريخية مركبة شاركت فيها سياسات الدولة، وضعف المؤسسات، والتنافس على السلطة، والحروب الإقليمية، والصراعات المحلية، والاقتصاد السياسي للموارد، والتدخلات الخارجية.
ويشير المقال إلى أن دستور السودان الانتقالي لعام 1956 أعلن السودان جمهورية ديمقراطية ذات سيادة، وأكد مبدأ المساواة أمام القانون وعدم التمييز بسبب الميلاد أو الدين أو العرق أو الجنس. ويستخدم المقال هذه الحقيقة للتمييز بين المبدأ الدستوري للدولة المستقلة وبين الممارسة السياسية اللاحقة. فوجود نصوص دستورية تؤكد المساواة لا يعني أن الدولة طبقتها فعلياً، ولكنه يعني في الوقت نفسه أن اختزال «دولة 1956» في مشروع دستوري قائم بذاته على التمييز لا ينسجم مع النص القانوني المؤسس. وبذلك تصبح المشكلة الأساسية هي الفجوة بين المبدأ القانوني والتطبيق السياسي والمؤسسي، وليس مجرد سنة الاستقلال نفسها.
ويعرض المقال تطور الدولة السودانية بعد الاستقلال باعتباره تاريخاً متكرراً من عدم الاستقرار السياسي والتدخل العسكري. فقد تعاقبت الحكومة البرلمانية الأولى والانقلاب العسكري عام 1958 وثورة أكتوبر 1964 وانقلاب مايو 1969 وانتفاضة أبريل 1985 وانقلاب يونيو 1989 وثورة ديسمبر 2019 ثم انقلاب أكتوبر 2021، وصولاً إلى الحرب التي اندلعت في أبريل 2023. ويكشف هذا التسلسل أن أحد أعمق مشكلات السودان تمثل في عدم نجاح الدولة في بناء مؤسسات مدنية مستقرة قادرة على إخضاع القوة المسلحة للسلطة السياسية والقانون. ولذلك فإن وصف «دولة 1956» بأنها دولة عسكرية بصورة مباشرة منذ لحظة الاستقلال ليس دقيقاً، لأن الحكم العسكري بدأ بعد الاستقلال وتغيرت أشكاله ومؤسساته عدة مرات، لكن التجربة اللاحقة أثبتت أن عسكرة السياسة أصبحت من أهم سمات الدولة السودانية.
ويربط المقال بين الحروب الأهلية وأزمة بناء الدولة. ويبين أن حرب الجنوب لا يمكن اختزال بدايتها في حدث واحد هو تمرد توريت عام 1955، لأن العنف السياسي تطور تدريجياً، وأن الفترة بين 1955 و1962 شهدت توترات وعنفاً منخفض الشدة وتدهوراً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً قبل الوصول إلى مستوى الحرب الأهلية الواسعة. ويعني ذلك أن الصراع الجنوبي كان نتيجة عملية تراكمية شملت العلاقة غير المتوازنة بين المركز والأقاليم، والسياسات السياسية والثقافية والدينية والإدارية، وفشل ترتيبات بناء الدولة، وليس مجرد نتيجة مباشرة لسنة الاستقلال.
ويؤكد المقال أن مفهوم المركز والهامش يفسر جانباً حقيقياً من التاريخ السوداني، لأن السلطة والخدمات والموارد والمؤسسات الحديثة تركزت بدرجات كبيرة في مناطق محددة، بينما عانت أقاليم أخرى من ضعف الاستثمار والخدمات ومن الصراعات على الأرض والمياه والسلطة. إلا أن المقال يحذر من تحويل هذا المفهوم إلى ثنائية مطلقة بين مركز متجانس وهامش متجانس. فالخرطوم نفسها تضم طبقات وجماعات ومناطق متفاوتة، والأقاليم نفسها تضم نخباً ومجتمعات ومصالح متعارضة، كما أن دارفور وكردفان وشرق السودان وغيرها ليست كيانات اجتماعية وسياسية متجانسة.
ويبين المقال أن الصراعات داخل الأقاليم نفسها، بما فيها النزاعات حول الأرض والحواكير والمياه والرعي والإدارة الأهلية والتمثيل السياسي، لا يمكن تفسيرها دائماً باعتبارها صراعاً مباشراً بين الإقليم والمركز الوطني. ولذلك فإن التهميش مفهوم تحليلي مهم، لكنه لا ينبغي أن يصبح بديلاً عن دراسة التفاوتات الداخلية داخل المناطق المهمشة نفسها. كما أن نقل السلطة من المركز إلى عاصمة إقليمية جديدة لا يضمن العدالة إذا أعيد إنتاج المركزية داخل الإقليم على حساب مجموعات أخرى.
ويطرح المقال اللامركزية باعتبارها مفهوماً مؤسسياً يتجاوز مجرد تقسيم الخريطة السياسية. فاللامركزية الحقيقية تحتاج إلى سلطات محلية وإقليمية منتخبة، وموارد مالية مستقرة، وقواعد واضحة لتوزيع الإيرادات، وقضاء مستقل، ورقابة مالية، وإدارة عامة قادرة، وآليات للمساءلة. أما إذا ارتبطت السلطة الإقليمية بالسيطرة العسكرية على الأرض، فقد تتحول اللامركزية إلى تجزئة للسيادة بدلاً من توزيع للسلطة داخل دولة واحدة.
ويخصص المقال فصلاً مركزياً للمفارقة التاريخية المتعلقة بالدعم السريع، باعتبارها من أهم الاختبارات النقدية لمفهوم «دولة 1956». ويوضح أن الدعم السريع لم يظهر تاريخياً كقوة مستقلة عن الدولة منذ البداية، وإنما تطور داخل منظومة الدولة الأمنية في عهد عمر البشير وفي سياق الحرب ضد حركات التمرد في دارفور. وقد ارتبطت جذوره بتشكيلات مسلحة سابقة، من بينها قوات حرس الحدود ومجموعات مرتبطة بالجنجويد، ثم جرى تنظيم الدعم السريع بصورة رسمية عام 2013، وتطور موقعه داخل النظام الأمني للدولة، قبل أن يصبح جزءاً رسمياً من البنية العسكرية والأمنية بموجب قانون عام 2017.
ويؤكد المقال أن هذه الحقيقة لا تعني أن كل تاريخ الجنجويد والدعم السريع واحد، ولا أن الدعم السريع كان مجرد أداة بلا مصالح مستقلة، ولا أن حركات دارفور كانت تمثل جميع سكان دارفور، ولا أن مظالم دارفور كانت غير حقيقية. لكنها تعني أن التاريخ المؤسسي للدعم السريع لا يمكن فصله عن الدولة السودانية التي نشأ داخل منظومتها الأمنية. فقد أنشأت الدولة في عهد البشير قوة شبه عسكرية لمواجهة حركات مسلحة متمردة عليها في دارفور، ثم ساهمت عملية استخدام القوة شبه العسكرية وتقنينها في إنتاج مركز قوة جديد داخل الدولة نفسها.
ويبرز المقال هنا ما يسميه «مفارقة الارتداد المؤسسي»، أي أن الدولة التي استخدمت قوات شبه عسكرية لإضعاف تمرد الأطراف ساهمت في بناء قوة مسلحة أصبحت لاحقاً منافساً للدولة على السلطة والموارد والقوة. وبذلك انتقلت العلاقة بين الدولة والدعم السريع من التعاون في إطار مكافحة التمرد إلى علاقة تنافس على النفوذ، ثم إلى مشاركة مشتركة في ترتيبات السلطة بعد سقوط البشير، ثم إلى المشاركة في انقلاب 2021، وأخيراً إلى الحرب المفتوحة بين الدعم السريع والقوات المسلحة في 2023.
ويؤكد المقال أن هذه المفارقة لا تسقط تلقائياً مطالب التهميش أو المطالب السياسية لحركات دارفور، ولا تجعل الدولة المركزية بريئة من سياساتها، لكنها تكشف أن الجهة التي تطرح نفسها باعتبارها بديلاً عن الدولة المركزية يجب أن تُدرس من خلال تاريخها المؤسسي ومصادر قوتها وتمويلها وممارساتها، وليس فقط من خلال خطابها السياسي. فإذا كان أحد أوجه أزمة الدولة هو استخدام السلاح شبه العسكري لمعالجة مشكلات الشرعية والتمرد، فإن استمرار الاعتماد على القوة المسلحة باعتبارها أساساً لإعادة بناء الدولة يطرح احتمال إعادة إنتاج المشكلة نفسها في صورة جديدة.
ويناقش المقال بعد ذلك تحول خطاب «دولة 1956» بعد اندلاع حرب 2023 من وصف تاريخي للمركزية والتهميش إلى خطاب سياسي أكثر اتساعاً، يستخدم أحياناً للتعبير عن رفض عودة نظام الإنقاذ، أو رفض سيطرة النخب المركزية، أو الدعوة إلى دولة علمانية ولا مركزية تقوم على المواطنة المتساوية. ويفرق المقال بين هذه المطالب باعتبارها موضوعات سياسية يمكن تحليلها مؤسسياً، وبين تحويل «دولة 1956» إلى تفسير شامل لكل تاريخ السودان. كما يفرق بين مشروع «السودان الجديد» الفكري والتاريخي وبين الاستخدام المعاصر لعبارة «دولة 1956» في سياق الحرب.
ويشدد المقال على أن المظلومية التاريخية لا تمنح تلقائياً شرعية مسلحة. فقد تكون المظالم حقيقية وموثقة، وقد تكون الدولة مسؤولة عن التهميش والانتهاكات، ومع ذلك يبقى من الضروري فحص الجهة التي تدعي تمثيل المتضررين، ومدى قبولها بالتعدد داخل المناطق التي تدعي تمثيلها، ومدى خضوعها للمساءلة، وقدرتها على الانتقال من السيطرة العسكرية إلى المؤسسات المدنية والانتخابات. وبالمثل فإن نقد الدعم السريع لا يلغي المظالم التاريخية، كما أن الاعتراف بالمظالم لا يمنح الدعم السريع أو أي قوة مسلحة حصانة من النقد والمساءلة.
ويتناول المقال مشروع السلطة الموازية الذي ظهر في 2025، ويشير إلى أن الميثاق الذي وقعته قوات الدعم السريع وحلفاؤها تحدث عن سودان علماني وديمقراطي ولا مركزي وعن جيش موحد، مع استمرار وجود جماعات مسلحة خلال المرحلة المقترحة. ويحلل المقال التناقض المحتمل بين بناء جيش موحد واستمرار تشكيلات مسلحة مستقلة، وبين اللامركزية من جهة ووجود سلطة موازية من جهة أخرى. فاللامركزية الدستورية تعني توزيع السلطة داخل سيادة واحدة، بينما يمكن أن يؤدي إنشاء مؤسسات موازية تستند إلى قوى مسلحة مختلفة إلى ازدواج السيادة وتجزئة الدولة.
ويربط المقال هذا الخطر بالواقع العسكري والجغرافي الذي نشأ خلال الحرب، حيث أصبحت مناطق مختلفة من السودان تحت درجات مختلفة من السيطرة العسكرية، وارتبطت السيطرة الجغرافية بالموارد وشبكات التجارة والتمويل. ويخلص إلى أن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت اللامركزية مرغوبة في ذاتها، وإنما ما إذا كانت اللامركزية ستقوم على مؤسسات دستورية وانتخابات وموارد وقضاء ورقابة، أم ستصبح وسيلة لتقنين السيطرة الإقليمية المسلحة.
وينتقل المقال إلى الاقتصاد السياسي باعتباره مفتاحاً أساسياً لفهم الأزمة. فقد أدى انفصال جنوب السودان عام 2011 إلى فقدان السودان الجزء الأكبر من موارده النفطية، ثم ازداد الاعتماد على الذهب والموارد الأخرى. وأصبح الذهب مورداً مهماً للعملة الأجنبية، وارتبط إنتاجه وتجارته بشبكات محلية وإقليمية ودولية. ويبين المقال أن الذهب لم ينهِ الاقتصاد السياسي القديم، وإنما أعاد تشكيله وغيّر الفاعلين القادرين على الاستفادة منه.
ويستخدم المقال مفهوم «السوق السياسي» لتفسير هذه العملية، حيث تصبح الموارد المالية والاقتصادية أدوات لشراء الولاءات السياسية وتمويل القوات والحفاظ على شبكات السلطة. وتوضح هذه المقاربة أن المشكلة ليست فقط في مكان وجود السلطة، بل في العلاقة بين الموارد والسلطة والقوة. فإذا كان المركز يحتكر الموارد، فإن نقل السيطرة إلى قوة إقليمية مسلحة لا يؤدي بالضرورة إلى إنهاء الاحتكار، بل قد يؤدي إلى انتقال الاحتكار من جهة إلى جهة أخرى.
ويبرز المقال أهمية الذهب في تمويل الحرب وفي ارتباط الاقتصاد السوداني بشبكات إقليمية، كما يوضح أن المنافسة الاقتصادية بين القوات المسلحة والدعم السريع سبقت الحرب نفسها. ولذلك فإن أي مشروع لبناء دولة جديدة يجب أن يتعامل مع الاقتصاد العسكري وشركات ومصالح المؤسسات الأمنية والذهب والجمارك والتجارة والموارد الطبيعية باعتبارها قضايا مؤسسية مركزية، وليس باعتبارها ملفات اقتصادية منفصلة عن السياسة.
ويتناول المقال في الجانب القانوني والأخلاقي الانتهاكات التي ارتكبتها الأطراف المسلحة خلال الحرب، ويؤكد أن المظالم التاريخية لا تلغي مسؤولية الفاعلين عن الانتهاكات التي يرتكبونها. كما يؤكد ضرورة التفريق بين المسؤولية الفردية والمؤسسية وبين المسؤولية الجماعية، وتجنب تحميل مجموعات إثنية كاملة مسؤولية جرائم ارتكبها أفراد أو تشكيلات مسلحة محددة. فالعدالة ينبغي أن تقوم على الأدلة وسلاسل القيادة والمسؤولية الفردية والمؤسسية، لا على الانتقام الجماعي.
ويشير المقال إلى أن العدالة الانتقالية ليست مسألة ثانوية، لأن الدولة التي تنشأ بعد الحرب لا يمكن أن تكون مختلفة جوهرياً إذا أعادت إنتاج الإفلات من العقاب. فإذا كان أحد عيوب الدولة القديمة هو الحصانة السياسية والأمنية، فإن حماية الفاعلين المسلحين الجدد من المساءلة ستعيد إنتاج المشكلة نفسها. لذلك تصبح المحاسبة وإصلاح المؤسسات وتوثيق الانتهاكات وتعويض الضحايا جزءاً من بناء الدولة وليس مجرد ملفات لاحقة للحرب.
ويناقش المقال النزوح واللجوء باعتبارهما اختباراً حقيقياً لأي تصور للدولة الجديدة. فقد أدت الحرب إلى نزوح ولجوء ملايين السودانيين، وهو ما يجعل قضايا العودة والملكية والأرض والحواكير والخدمات والتمثيل السياسي من القضايا المركزية في مرحلة ما بعد الحرب. ويؤكد المقال أن الدولة لا يمكن اختزالها في الأرض التي تسيطر عليها قوة عسكرية، وإنما تتكون أيضاً من المواطنين الذين يتمتعون بحقوق سياسية وقانونية داخلها.
ويجعل النزوح الجماعي قضية الانتخابات أكثر تعقيداً، لأن تنظيم انتخابات عادلة بعد الحرب يتطلب تحديد حقوق النازحين واللاجئين، وكيفية تسجيلهم، وتمثيلهم، وحمايتهم من الإقصاء، والتعامل مع تغير الدوائر السكانية، ومنع استخدام السلاح والموارد العسكرية في المنافسة السياسية. ولذلك فإن إعادة بناء الدولة يجب أن تعالج المواطنة والتمثيل السياسي بالتوازي مع إعادة بناء المؤسسات الأمنية والاقتصادية.
ويختتم المقال بتحويل النقد التاريخي إلى مجموعة من المعايير المؤسسية التي يمكن من خلالها اختبار أي مشروع للدولة السودانية بعد الحرب. ويأتي في مقدمتها احتكار القوة من جانب مؤسسة وطنية خاضعة للقانون والسلطة المدنية، بحيث لا تكون هناك جيوش مستقلة ذات مصالح سياسية واقتصادية خاصة. ويأتي بعدها فصل الاقتصاد العسكري عن الاقتصاد العام، وإخضاع الشركات والموارد الطبيعية والذهب والضرائب والجمارك والإنفاق العام للرقابة المالية والقانونية.
ويشمل بناء الدولة الجديدة أيضاً إقامة لامركزية دستورية حقيقية تقوم على سلطات محلية وإقليمية منتخبة، وموارد مالية مستقرة، وقواعد شفافة لتوزيع الإيرادات، وقضاء مستقل، ورقابة مالية، وقدرات إدارية حقيقية. كما يتطلب إعادة بناء الخدمة المدنية على أساس المواطنة والكفاءة بدلاً من الولاءات الحزبية أو العسكرية أو القبلية، وإعادة صياغة نظام تقاسم الموارد بصورة عادلة وقابلة للمراجعة.
ويؤكد المقال أهمية العدالة الانتقالية، وإدارة قضايا الأرض والحواكير والنزوح، وضمان حق العودة، وإجراء انتخابات ذات تمثيل حقيقي، وضمان حرية التنظيم والإعلام والمجتمع المدني، وتوحيد المجال القانوني والقضائي، ومنع وجود أنظمة قانونية وأمنية موازية مرتبطة بالقوى المسلحة.
ويخلص المقال إلى أن أقوى نقد علمي لمفهوم «دولة 1956» ليس القول إن المفهوم خاطئ بالكامل، ولا اعتباره صحيحاً بالكامل، وإنما الكشف عن أنه يجمع في عبارة واحدة بين أشياء مختلفة: تاريخ الاستقلال، وتاريخ الدولة، والنظام السياسي، والنخب، والجيش، والمركز الجغرافي، والاقتصاد السياسي. كما يخلط بين المظلومية التاريخية وشرعية حامل السلاح، وبين اللامركزية وتوزيع السيادة، وبين نقد الماضي والقدرة على بناء المستقبل.
وتتمثل النتيجة المركزية للمقال في أن المشكلة التاريخية الأساسية ليست استقلال السودان في 1956، وإنما عدم نجاح الدولة السودانية خلال العقود اللاحقة في تحويل السيادة إلى مؤسسات مستقرة، وتحويل التنوع إلى مواطنة، وتحويل الموارد إلى خدمات عامة، وتحويل الجيش إلى مؤسسة وطنية خاضعة للسلطة المدنية، وتحويل اللامركزية من شعار إلى توزيع فعلي للسلطة والموارد، وتحويل العدالة من ممارسة انتقائية إلى قاعدة عامة.
ومن هذه الزاوية، فإن تجاوز إرث ما بعد 1956 لا يعني محو تاريخ 1956 أو إنكار التهميش الذي حدث بعده، وإنما يعني تحديد العناصر المؤسسية التي يجب تغييرها: مركزية السلطة، التفاوت المالي، ضعف الحكم المحلي، عسكرة السياسة، الاقتصاد العسكري، الإفلات من العقاب، والتهميش الإقليمي. وفي المقابل، فإن استبدال الدولة المركزية بقوة عسكرية إقليمية أو إنشاء مراكز مسلحة متعددة لا يمثل بالضرورة تجاوزاً للمشكلة، لأنه قد يؤدي إلى الانتقال من مركزية الدولة إلى تجزئة القوة ومن احتكار عسكري واحد إلى احتكارات عسكرية متعددة.
وبذلك يضع المقال معياراً نهائياً لأي مشروع لبناء الدولة السودانية: لا يكفي أن يكون المشروع قادراً على إسقاط بنية قديمة، بل يجب أن يثبت قدرته على منع إعادة إنتاج خصائصها في صورة جديدة. ولا يكفي تغيير القوة الحاكمة إذا بقي حكم القوة نفسه، ولا يكفي تغيير صاحب الاحتكار إذا بقي الاحتكار، ولا يكفي نقل السلطة إلى الأقاليم إذا بقيت السيطرة المسلحة أساساً لها، ولا يكفي إعلان المواطنة إذا ظل التمثيل السياسي قائماً على السلاح، ولا يكفي الحديث عن العدالة إذا بقيت الحصانة قائمة.
وعليه فإن الدولة التي تتجاوز فعلاً أزمة السودان التاريخية هي الدولة التي تصبح فيها المؤسسات أقوى من الأفراد، والقانون أقوى من السلاح، والمواطنة أقوى من الولاء العسكري أو القبلي، والميزانية العامة أقوى من اقتصاد الحرب، والانتخاب أقوى من ادعاء التمثيل، والعدالة أقوى من الحصانة، والدستور أقوى من القوة الواقعية. وبهذا يتحول نقد «دولة 1956» من شعار سياسي شامل إلى سؤال مؤسسي قابل للاختبار، ويتحول تاريخ المظلومية من أداة لتبرير الصراع إلى أساس لفهم أسباب الأزمة وبناء مؤسسات تمنع تكرارها.
النص الكامل للمقال
مقدمة تحليلية: المشكلة ليست في رقم السنة، بل في الدولة التي لم تتحول إلى مؤسسات
أصبحت عبارة «دولة 1956» خلال العقود الأخيرة، وبصورة أكثر كثافة منذ اندلاع الحرب السودانية في 15 أبريل 2023، واحدة من أكثر العبارات السياسية قدرة على اختزال مجموعة واسعة من المظالم التاريخية والسياسية والاقتصادية والثقافية في مفهوم واحد. ويُقصد بها في الخطاب السياسي المتداول، بحسب السياق والجهة المستخدمة، الدولة التي نشأت مع استقلال السودان في 1 يناير 1956، أو الدولة المركزية التي تركزت فيها السلطة والثروة والخدمات في الخرطوم ومناطق الوسط النيلي، أو النخب التي حكمت الدولة، أو الجيش الذي تدخل في السياسة، أو المنظومة الاقتصادية التي أعادت إنتاج عدم المساواة بين المركز والأقاليم، أو جميع هذه العناصر مجتمعة. وهذه المرونة هي في الوقت نفسه مصدر قوة العبارة السياسية ومصدر ضعفها العلمي؛ لأنها تسمح باستخدامها لوصف مظالم حقيقية، ولكنها تجعلها غير صالحة تلقائياً باعتبارها اسماً لكيان تاريخي واحد متجانس ومستمر منذ 1956 وحتى الحرب الحالية.
فالاستقلال لم يخلق الدولة السودانية من العدم، ولم يبدأ معه تاريخ المركزية أو عدم المساواة أو النزاع بين المركز والأقاليم، كما أن الدولة التي استقلت في 1956 لم تكن الدولة نفسها التي حكمها إبراهيم عبود بين 1958 و1964، ولا الدولة التي حكمها جعفر نميري بين 1969 و1985، ولا دولة عمر البشير بين 1989 و2019، ولا النظام الانتقالي الذي نشأ بعد ثورة ديسمبر، ولا الترتيب العسكري الذي تشكل بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021، ولا بنية السلطة التي دخلت الحرب في أبريل 2023. وفي المقابل، فإن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني إنكار أن الاستقلال أخفق في بناء عقد وطني قادر على تحويل المساواة القانونية إلى مساواة فعلية في السلطة والثروة والتنمية والخدمات.
ومن ثم فإن النقد العلمي الأقوى لمفهوم «دولة 1956» لا يتمثل في نفي المظالم التي يشير إليها، بل في اختبار قدرته التفسيرية: هل تكفي سنة 1956 لتفسير أزمة السودان؟ وهل كانت هناك دولة واحدة متجانسة يمكن اختزالها في هذا التاريخ؟ وهل المشكلة هي الدولة المركزية وحدها، أم تداخل المركزية مع عسكرة السياسة والاقتصاد السياسي الريعي وضعف المؤسسات والتفاوتات الإقليمية والإثنية والاقتصادية؟ وهل يؤدي تفكيك هذه البنية إلى بناء دولة مواطنة، أم يمكن أن يؤدي، في غياب المؤسسات، إلى استبدال مركز عسكري مركزي بمراكز عسكرية إقليمية متنافسة؟
والسؤال الأكثر أهمية هو أن الاعتراف بتاريخ طويل من التهميش لا يمنح تلقائياً أي حركة مسلحة حق تمثيل المناطق المهمشة، كما أن نقد الدعم السريع أو أي قوة مسلحة لا يلغي حقيقة المظالم التاريخية في دارفور أو كردفان أو النيل الأزرق أو شرق السودان أو الجنوب السابق. ولذلك يجب الفصل منهجياً بين أربعة مستويات كثيراً ما تختلط في الخطاب السياسي: حقيقة المظلمة التاريخية، وتفسير أسبابها، وشرعية الجهة التي تدعي تمثيل المتضررين، ومدى صلاحية المشروع المؤسسي الذي تقترحه بديلاً للدولة القائمة.
وتزداد أهمية هذا الفصل لأن دستور السودان الانتقالي لعام 1956 نفسه لم ينص على دولة تقوم على التمييز بين المواطنين؛ بل نص على أن السودان «جمهورية ديمقراطية ذات سيادة»، وأن جميع الأشخاص في السودان أحرار ومتساوون أمام القانون، وأكد عدم التمييز على أساس الميلاد أو الدين أو العرق أو الجنس في مجالات العمل والمهنة والتجارة وغيرها. (“digitallibrary.un.org” (https://digitallibrary.un.org/record/860964/files/1956-E.pdf?utm_source=chatgpt.com)) وهذا لا يثبت أن الدولة طبقت تلك المبادئ، لكنه يثبت أن هناك فرقاً جوهرياً بين المبدأ الدستوري الذي أعلنت الدولة الجديدة التزامها به وبين الممارسة السياسية والاجتماعية التي تطورت لاحقاً. ولذلك فإن القول إن «1956» يمثل في ذاته مشروعاً دستورياً للتمييز أو القهر يحتاج إلى دليل تاريخي أدق من مجرد الإحالة إلى سنة الاستقلال.
وتنطلق هذه الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن الأزمة السودانية لا يمكن تفسيرها تفسيراً كافياً باعتبارها صراعاً بين «دولة 1956» وخصومها، بل بوصفها أزمة ممتدة في بناء الدولة والمؤسسات والعقد الاجتماعي وتوزيع السلطة والثروة واحتكار القوة. وتبحث الدراسة في الجذور الاستعمارية، والانتقال إلى الاستقلال، والحروب الأهلية، والانقلابات العسكرية، وعلاقة المركز بالأقاليم، وصعود اقتصاد الحرب، وتطور الدعم السريع، ودور الذهب، ومنطق «السوق السياسي»، ومشروع الدولة الموازية، والعدالة والمساءلة، واللامركزية، وصولاً إلى المعايير التي يمكن من خلالها اختبار أي مشروع لبناء الدولة السودانية بعد الحرب.
أولاً: قبل أن نحاكم «دولة 1956» يجب أن نعرف أي دولة نقصد
الخطأ المنهجي الأول في مفهوم «دولة 1956» هو التعامل معه كما لو كان اسماً قانونياً لكيان سياسي ثابت. لكن الدولة السودانية منذ الاستقلال مرت بتغيرات دستورية وسياسية ومؤسسية عميقة. فقد بدأت بنظام برلماني، ثم جاءت ثورة 1958 العسكرية، ثم انتفاضة أكتوبر 1964، ثم نظام نميري بعد انقلاب 1969، ثم انتفاضة أبريل 1985، ثم نظام البشير بعد انقلاب يونيو 1989، ثم ثورة ديسمبر 2018–2019، ثم الانقلاب العسكري في أكتوبر 2021، وأخيراً الحرب التي اندلعت في أبريل 2023. وتُظهر الأدبيات الحديثة حول القوات المسلحة السودانية أن الجيش ظل فاعلاً مركزياً في الدولة بعد الاستقلال، وأن معظم تاريخ الدولة بعد الاستقلال اتسم بتناوب فترات الحكم المدني القصيرة مع فترات حكم عسكري أطول. ويشير هاري فيرهوفن إلى أن القوات المسلحة السودانية كانت، في معظم فترة ما بعد الاستقلال، أحد أهم الفاعلين في تشكيل الدولة وتغيير الأنظمة، وأن التنافس بين المؤسسات الأمنية نفسها كان عاملاً مؤثراً في التحولات السياسية والانقلابات. (Verhoeven, 2023). (“cambridge.org” (https://www.cambridge.org/core/journals/journal-of-modern-african-studies/article/surviving-revolution-and-democratisation-the-sudan-armed-forces-state-fragility-and-security-competition/795745EFAB65FE4AE422AA192F5EBA7E?utm_source=chatgpt.com))
وبذلك فإن استعمال «دولة 1956» بمعنى «الدولة العسكرية» ينطوي على مشكلة زمنية؛ فالانقلاب الأول وقع في نوفمبر 1958، أي بعد أقل من ثلاث سنوات من الاستقلال، ثم تغيرت طبيعة النظام العسكري نفسه أكثر من مرة. كما أن القوات المسلحة لم تكن المؤسسة الوحيدة التي مارست القوة؛ فقد ظهرت أجهزة أمنية وقوات شبه عسكرية وحركات تمرد واتفاقات سلام وتشكيلات مسلحة متعددة. ومن ثم لا يمكن مساواة الدولة القانونية، والنظام الحاكم، والجيش، والأجهزة الأمنية، والنخب المدنية، والنخب الاقتصادية، والوسط النيلي، والعرب، والشمال، في مفهوم واحد.
وهذه التفرقة ليست مسألة لغوية فقط، بل ذات أثر مباشر على تفسير التاريخ. فإذا كانت «دولة 1956» تعني الدولة القانونية، فإن دستور 1956 يمثل دليلاً مضاداً لفكرة أن مبدأ الدولة الجديدة قام دستورياً على التمييز. وإذا كانت تعني نظام الحكم البرلماني الأول، فإن هذا النظام انتهى بانقلاب 1958. وإذا كانت تعني حكم الجيش، فإن الحكم العسكري بدأ بعد 1956 ولم يكن هو الشكل الأصلي للنظام السياسي المستقل. وإذا كانت تعني هيمنة المركز، فإن جذور المركزية تعود إلى ما قبل الاستقلال. وإذا كانت تعني شبكة الامتيازات الاقتصادية والعسكرية الحالية، فإن كثيراً من أهم عناصرها نشأ في عقود لاحقة، ولا سيما منذ الثمانينيات والتسعينيات ثم مع اقتصاد النفط والذهب.
لهذا فإن الاستخدام العلمي الأكثر دقة لعبارة «دولة 1956» هو اعتبارها اختصاراً سياسياً لمجموعة من الاستمراريات التاريخية بعد الاستقلال، وليس اعتبارها كياناً تاريخياً متجانساً ظل بلا تغير لمدة سبعين عاماً.
وهنا تظهر نقطة نقدية إضافية: ليس كل ما حدث بعد 1956 استمراراً لما قبله، وليس كل ما حدث بعد 1956 نتاجاً مباشراً للاستقلال. فالأنظمة العسكرية أعادت تشكيل مؤسسات الدولة، وسياسات الاقتصاد الكلي تغيرت، واكتشاف النفط ثم فقدانه بعد انفصال جنوب السودان غيرا مصادر الإيرادات، وصعود الذهب أنتج شبكات اقتصادية جديدة، وظهور قوات مسلحة شبه نظامية غيّر بنية احتكار القوة. لذلك فإن التفسير الذي يجعل 1956 سبباً كافياً لكل هذه التحولات يقع في خطأ «السببية التاريخية الأحادية».
ثانياً: الاستقلال لم يبدأ الأزمة؛ لقد ورث دولة غير متكافئة ثم فشل في إعادة بنائها
لا يمكن فهم الدولة السودانية في 1956 من دون الرجوع إلى القرن التاسع عشر. فقد أعاد الغزو التركي المصري عام 1821 تشكيل المجال السياسي والاقتصادي السوداني، ثم جاءت الدولة المهدية، ثم الحكم الثنائي الإنجليزي المصري منذ 1899، الذي بنى مؤسسات إدارية واقتصادية وأمنية ذات توزيع غير متكافئ. ومن أهم سمات تلك الفترة التركيز النسبي على مناطق بعينها في التعليم والإدارة والبنية الأساسية والزراعة الحديثة، وفي مقدمتها مشروع الجزيرة، بينما بقيت مناطق واسعة من دارفور وكردفان والنيل الأزرق وشرق السودان وجنوب السودان أقل اندماجاً في الاقتصاد والخدمات الحديثة.
وقد أصبحت العلاقة بين المركز والأطراف، لذلك، أقدم من الجمهورية المستقلة. ويشير المؤرخ م. و. دالي إلى أن النظام البرلماني الأول بعد الاستقلال أعطى النخب الموجودة في الخرطوم ومناطق المركز السياسي مساحة كبيرة في إدارة الدولة، وأن مشكلة المركز والأطراف لم تكن مقتصرة على العلاقة بين شمال السودان وجنوبه، بل امتدت إلى مناطق أخرى من السودان. (Daly, 2010). وهذه النتيجة مهمة لأنها تنقل النقاش من «الدولة التي بدأت في 1956» إلى الدولة التي ورثت توزيعاً غير متكافئ للقدرة المؤسسية والموارد من الحقبة الاستعمارية ولم تنجح في تصحيحه بصورة كافية بعد الاستقلال.
ويجب هنا تجنب خطأ آخر هو تصوير الاستعمار باعتباره السبب الوحيد لكل شيء. فالاستعمار خلق مؤسسات وتفاوتات، لكنه لم يكن العامل الوحيد في تطور السودان اللاحق. فالفاعلون السودانيون بعد الاستقلال اتخذوا قراراتهم الخاصة، والنخب المدنية والعسكرية والحركات الإقليمية والقوى الاقتصادية والدينية والقبلية ساهمت جميعاً في إعادة إنتاج النظام. ولذلك فإن التفسير التاريخي المسؤول لا يستبدل «أسطورة دولة 1956» بأسطورة معاكسة تجعل كل شيء نتيجة للاستعمار.
ويظهر ذلك بوضوح في جنوب السودان. كثيراً ما يُقال إن الحرب الأهلية بدأت مع تمرد توريت في أغسطس 1955، أي قبل الاستقلال الرسمي بأشهر، ويُستخدم ذلك أحياناً لإثبات أن الدولة المستقلة ورثت حرباً جاهزة. لكن دراسة أوستين رولاندسن تقدم تمييزاً مهماً؛ فهي ترى أن العنف السياسي المنظم لم يصل إلى مستوى الحرب الأهلية الكاملة إلا في 1963، وأن الفترة بين 1955 و1962 اتسمت بتزايد التوتر السياسي والعنف المحلي منخفض الشدة والركود الاجتماعي والاقتصادي، وهي ظروف ساهمت في جعل التمرد الواسع لاحقاً أكثر احتمالاً. (Rolandsen, 2011). (“cambridge.org” (https://www.cambridge.org/core/journals/journal-of-african-history/article/abs/false-start-between-war-and-peace-in-the-southern-sudan-195662/09EFC13E2C1C6D368E02587E530A8C06?utm_source=chatgpt.com))
هذه الملاحظة لا تنفي وجود مظالم جنوبية، بل تجعل تفسيرها أكثر دقة. فالأزمة لم تكن حدثاً واحداً في 1955 أو 1956، وإنما عملية تراكمية شملت إدارة استعمارية غير متكافئة، وتصورات متضاربة للهوية الوطنية، وسياسات مركزية بعد الاستقلال، وفشل ترتيبات سياسية، وتوترات حول اللغة والدين والإدارة والجيش والتنمية.
ومن هنا يصبح «1956» تاريخاً مفصلياً، لكنه ليس «لحظة الخطيئة الأصلية» التي تفسر وحدها كل تاريخ السودان.
ثالثاً: العقد الوطني تعثر لأن الدولة لم تتحول إلى مؤسسة فوق النخب والجيوش
إذا كان الاستقلال قد أوجد دولة ذات سيادة، فإن المشكلة الكبرى كانت عدم نجاح السودان في بناء مؤسسات قادرة على حماية هذه السيادة من الاستيلاء الدوري عليها من جانب القوات المسلحة والقوى السياسية المتنافسة. فقد أطاح انقلاب 1958 بالحكومة البرلمانية، ثم جاءت ثورة أكتوبر 1964 وأعادت الحكم المدني، ثم انقلاب مايو 1969، ثم انتفاضة أبريل 1985، ثم انقلاب يونيو 1989، ثم ثورة ديسمبر 2019، ثم انقلاب أكتوبر 2021.
هذه السلسلة لا تثبت وحدها أن الجيش هو «دولة 1956»، لكنها تثبت شيئاً أكثر تحديداً: أن احتكار القوة لم يتحول إلى مؤسسة خاضعة بصورة مستقرة للسلطة المدنية المنتخبة. وهذا أحد أهم جذور الأزمة السودانية.
ويرى فيرهوفن أن القوات المسلحة السودانية ظلت محوراً مركزياً في تطور الدولة، وأن العلاقة بين الجيش وبقية الأجهزة الأمنية ومراكز السلطة كانت قائمة على التعاون والتنافس معاً، بما في ذلك في مراحل الثورة والانتقال الديمقراطي. (Verhoeven, 2023). (“cambridge.org” (https://www.cambridge.org/core/journals/journal-of-modern-african-studies/article/surviving-revolution-and-democratisation-the-sudan-armed-forces-state-fragility-and-security-competition/795745EFAB65FE4AE422AA192F5EBA7E?utm_source=chatgpt.com)) وهذا يفسر لماذا لا يمكن تفسير الانقلابات بوصفها مجرد مؤامرات أفراد؛ فهناك بنية مؤسسية تسمح للجيش والأجهزة الأمنية بالتدخل في السياسة عندما تضعف المؤسسات المدنية.
وفي هذا السياق، تصبح ثورة ديسمبر مثالاً بالغ الأهمية. فقد أسقطت نظاماً استمر ثلاثة عقود، لكنها لم تؤدِّ مباشرة إلى إعادة بناء علاقة مستقرة بين المدنيين والعسكريين. وظلت القوات المسلحة والدعم السريع وأجهزة أمنية أخرى مراكز قوة مستقلة بدرجات مختلفة، إلى أن انتهت الشراكة الانتقالية بانقلاب أكتوبر 2021، ثم تطورت المنافسة بين القوات المسلحة والدعم السريع إلى حرب مفتوحة في أبريل 2023. ولذلك فإن الحرب الحالية لا يمكن اختزالها في «انفجار دولة 1956»؛ إنها أيضاً نتيجة مباشرة لأزمة أحدث في بنية الدولة الأمنية بعد سقوط البشير.
ومن هنا تظهر مفارقة تاريخية أساسية: إذا كان أحد أهم عيوب السودان هو أن الدولة لم تنجح في إخضاع القوة المسلحة للمؤسسات المدنية، فإن بناء دولة جديدة بواسطة قوة مسلحة لا يحل المشكلة تلقائياً؛ بل يجب إثبات كيف ستتحول القوة المسلحة نفسها من مركز للقرار إلى مؤسسة خاضعة للقانون.
رابعاً: «المركز والهامش» يفسران جانباً مهماً من السودان، لكنهما لا يختزلانه
لا شك في أن مفهوم المركز والهامش له أساس تاريخي قوي في السودان. فقد تركزت مؤسسات الدولة والخدمات والتعليم العالي والبنية الاقتصادية والإدارية بدرجات متفاوتة في الخرطوم والجزيرة والنيل وبعض مناطق الوسط والشمال، بينما عانت مناطق أخرى من نقص الاستثمارات والخدمات ومن النزاعات على الأرض والمياه والرعي والسلطة المحلية. وكانت دارفور وكردفان والنيل الأزرق وشرق السودان وجنوب السودان مسارح مختلفة لأنماط متباينة من التمرد والصراع.
لكن تحويل هذه الحقيقة إلى ثنائية مطلقة بين «مركز» متجانس و«هامش» متجانس يؤدي إلى تبسيط مخل. فالخرطوم نفسها لم تكن كتلة اجتماعية واحدة؛ والفقر والهشاشة وجدا داخل العاصمة، كما أن جماعات من مختلف الأقاليم انتقلت إليها. وفي الأقاليم نفسها توجد نخب محلية ومجموعات اجتماعية مختلفة ومصالح متعارضة. كما أن دارفور ليست جماعة واحدة، ولا كردفان، ولا شرق السودان، ولا الوسط، ولا الشمال.
والأهم أن النزاع داخل «الهامش» نفسه كان في أحيان كثيرة شديداً. فالحروب المحلية حول الأرض والحواكير والمياه والرعي والتمثيل السياسي لا يمكن دائماً تفسيرها باعتبارها صراعاً بين الإقليم والمركز الوطني فقط. وفي دارفور مثلاً تتداخل الهوية المحلية مع ملكية الأرض والحواكير، والنشاط الرعوي والزراعي، والسلطة الأهلية، والتغير المناخي، والنزوح، والتسليح، وسياسات الدولة، والتدخلات الإقليمية.
وهنا يجب أن يكون مفهوم «الهامش» أداة تحليلية، لا بديلاً عن التحليل. فإذا قلنا إن المشكلة هي التهميش، ينبغي أن نسأل: من هم المهمشون؟ في أي فترة؟ في أي قطاع؟ في أي ولاية؟ هل التهميش سياسي أم مالي أم تعليمي أم صحي أم إداري أم أمني؟ وهل استفادت النخب الإقليمية من الموارد نفسها التي حُرمت منها جماعات أخرى؟
هذه الأسئلة مهمة لأن الدولة العادلة لا تُبنى فقط بنقل السلطة من الخرطوم إلى عاصمة إقليمية جديدة؛ بل بمنع إعادة إنتاج المركزية داخل الأقاليم نفسها.
ومن هنا فإن اللامركزية الحقيقية ليست مجرد تقسيم إداري للخريطة، وإنما تتطلب سلطات منتخبة، وموارد مالية قابلة للتنبؤ، وقواعد واضحة لتقاسم الإيرادات، وقضاءً مستقلاً، ورقابة مالية، وإدارة محلية قادرة، وآليات للمساءلة، وحماية لحقوق المجتمعات المحلية والأفراد. وقد أظهرت خبرة السودان في ترتيبات اللامركزية أن النص على توزيع الصلاحيات لا يكفي؛ فقد جعل اتفاق السلام الشامل والدساتير الانتقالية اللامركزية جزءاً مركزياً من ترتيبات تقاسم السلطة والثروة، لكن نجاحها كان مرتبطاً بوضوح المسؤوليات والموارد والرقابة وقدرة المؤسسات المحلية على تقديم الخدمات. (World Bank, 2009). (“documents.worldbank.org” (https://documents.worldbank.org/curated/en/494591468340278046/pdf/489970ESW0P1051C0disclosed051181101.pdf?utm_source=chatgpt.com))
خامساً: المفارقة المؤسسة التي لا يمكن تجاوزها ــ مليشيات الدعم السريع صُنعت داخل دولة 1956 لمحاربة حركات دارفور المتمردة على دولة 1956
من أكثر التناقضات أهمية في تحليل مفهوم «دولة 1956» أن القوة التي أصبحت لاحقاً أحد أبرز الأطراف التي تطرح خطاباً سياسياً ناقداً للدولة المركزية السودانية لم تكن تاريخياً قوة نشأت خارج الدولة لكي تحاربها من البداية، بل نشأت داخل المنظومة الأمنية للدولة السودانية نفسها، وفي سياق حرب الدولة ضد حركات التمرد في دارفور.
وهذه النقطة تحتاج إلى قدر كبير من الدقة، لأن استخدام كلمة «صنعت» يجب ألا يعني أن الدعم السريع ظهر في فراغ بقرار واحد، أو أن كل تاريخ الجنجويد والدعم السريع شيء واحد بلا تغيرات. الأدق تاريخياً أن نقول إن نظام عمر البشير أنشأ في 2013 قوات الدعم السريع من تشكيلات مسلحة سابقة، كان بعضها مرتبطاً بالجنجويد وحرس الحدود والقوات المساعدة التي استخدمتها الحكومة في حرب دارفور، بهدف تنظيم هذه القوات وإحكام السيطرة عليها واستخدامها في مكافحة التمرد. وقد وثقت هيومن رايتس ووتش أن البشير أنشأ قوات الدعم السريع عام 2013 انطلاقاً من قوات حرس الحدود ومن مليشيات أخرى كانت قد عملت كوكلاء للحكومة، وأن محمد حمدان دقلو «حميدتي»، الذي كان قائداً سابقاً في حرس الحدود وقيادياً في مليشيات الجنجويد، أصبح قائداً عملياتياً لها ثم صعد تدريجياً إلى قيادتها.
وتؤكد وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء أن الدعم السريع تشكل في 2013 بقيادة محمد حمدان دقلو، وأن جذوره تعود إلى الجنجويد، وهي مليشيات ارتبطت سابقاً بدعم حكومة البشير واكتسبت شهرتها خلال حرب دارفور في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
أما تقرير وزارة الخارجية الأمريكية عن أوضاع حقوق الإنسان لعام 2014، فيوضح أن الحكومة السودانية أعلنت في أواخر 2013 إنشاء الدعم السريع كعنصر جديد في جهازها الأمني، وأن القوة كانت تتشكل بدرجة كبيرة من مليشيات عربية سبق أن عملت بوصفها «جنجويد»، وأن جهاز الأمن والمخابرات الوطني كان يشرف على عملياتها، وأنها أصبحت أكثر حضوراً في حملة الحكومة ضد حركات التمرد. كما أشار التقرير إلى أن الحكومة قدمت للقوة دعماً شمل التدريب والأسلحة والذخائر، وأنها شاركت في عمليات في دارفور.
وتصبح المفارقة أكثر وضوحاً عند النظر إلى قانون الدعم السريع لعام 2017. فقد أقر البرلمان السوداني في يناير 2017 قانوناً جعل الدعم السريع جزءاً رسمياً من المنظومة العسكرية والأمنية، ونص على أن يعيّن رئيس الجمهورية قائد القوة. وذكرت تقارير ذلك الوقت أن القوة كانت قد تشكلت في أغسطس 2013 أساساً من مقاتلين شاركوا في حملات مكافحة التمرد في دارفور، وأن جهاز الأمن والمخابرات برر إنشاءها بالحاجة إلى قوة متحركة تستطيع مواجهة الحركات المسلحة باستخدام أساليب مشابهة لأساليبها.
إذن فإن التسلسل التاريخي الأساسي هو: الدولة السودانية بعد الاستقلال واجهت تمردات وحروباً إقليمية؛ نظام البشير استخدم قوات ومليشيات شبه عسكرية في مكافحة التمرد؛ تطورت بعض هذه التشكيلات إلى الدعم السريع؛ ثم جرى تقنين الدعم السريع وإدماجه رسمياً في البنية الأمنية للدولة؛ ثم تحول الدعم السريع نفسه لاحقاً إلى قوة مستقلة ذات نفوذ عسكري واقتصادي وسياسي واسع؛ ثم أصبح في حرب مع القوات المسلحة التي كانت إحدى مؤسسات الدولة الأساسية؛ ثم تطور خطابه السياسي إلى نقد جذري للدولة المركزية ومشروعها التاريخي.
هذه ليست مفارقة صغيرة، بل واحدة من أهم المفاتيح لفهم الأزمة الحالية.
فإذا كانت «دولة 1956» تعني الدولة التي أنشأت أدوات مسلحة لمحاربة حركات دارفور، فإن الدعم السريع، في جزء جوهري من تاريخه المؤسسي، كان إحدى أدوات تلك الدولة في حربها ضد الحركات التي كانت ترفض النظام المركزي. وإذا كان الدعم السريع قد أصبح لاحقاً خصماً لهذه الدولة، فإن ذلك لا يلغي حقيقة أن العلاقة بين الطرفين كانت في مرحلة سابقة علاقة تعاون واحتواء وتسليح وتقنين.
وهذا يخلق ما يمكن تسميته «مفارقة الارتداد المؤسسي»: الدولة التي استخدمت القوة شبه العسكرية لإضعاف تمرد الأطراف ساهمت، من خلال هذه السياسة نفسها، في إنتاج قوة مسلحة أصبحت لاحقاً منافساً للدولة على القوة والموارد والسلطة.
ولا يعني ذلك أن الدعم السريع كان مجرد أداة بلا مصالح خاصة. فالتجربة بين 2013 و2019 تظهر تدريجياً أن القوة طورت مصالحها القيادية والاقتصادية والتنظيمية، وأن حميدتي صعد من قائد قوة شبه عسكرية إلى أحد أهم مراكز القوة في السودان. وهذا ينسجم مع التحليل الأوسع للاقتصاد السياسي السوداني الذي يوضح أن القوات المسلحة والقوات شبه العسكرية لم تكن مجرد مؤسسات أمنية، بل ارتبطت بدرجات متفاوتة بشبكات اقتصادية وموارد مستقلة.
كما لا يعني ذلك أن حركات دارفور التي حاربت الحكومة كانت تمثل كل سكان دارفور، ولا أن الدولة كانت وحدها المسؤولة عن كل العنف، ولا أن الدعم السريع كان مطابقاً تماماً للجنجويد في كل مرحلة. المطلوب هو التمييز بين المراحل والأجهزة والأشخاص والمؤسسات.
لكن المفارقة تصبح أشد وضوحاً عند طرح السؤال السياسي: إذا كانت إحدى الحجج الأساسية ضد «دولة 1956» هي أنها استخدمت السلاح لإخضاع دارفور، فكيف يمكن لقوة نشأت من الجهاز نفسه الذي استخدمته تلك الدولة في مكافحة التمرد أن تقدم نفسها لاحقاً باعتبارها التجسيد النقي لنقيض تلك الدولة؟
والإجابة العلمية ليست أن هذا التناقض يُسقط تلقائياً كل مطالب الدعم السريع السياسية، ولا أن المظالم التي دفعت حركات دارفور إلى التمرد كانت مختلقة. بل الإجابة هي أن التاريخ المؤسسي لحامل المشروع يجب أن يكون جزءاً من تقييم المشروع نفسه.
فالحركات المسلحة التي تمردت على الدولة المركزية كانت لها أسباب سياسية واجتماعية واقتصادية مختلفة، وقد وثقت المصادر الدولية التهميش والانتهاكات واسعة النطاق في دارفور. لكن الدولة نفسها، بدلاً من الاعتماد حصراً على مؤسسات أمنية وطنية خاضعة للمساءلة، لجأت إلى تشكيلات شبه عسكرية، وأسهم هذا الخيار في إعادة إنتاج العنف وتوسيع عدد مراكز القوة المسلحة.
ومن هنا فإن مشكلة «دولة 1956» لا تكمن فقط في أنها كانت مركزية، بل أيضاً في الطريقة التي حاولت بها معالجة التمرد: عندما تعالج الدولة مشكلة ضعف الشرعية باستخدام قوة شبه عسكرية مستقلة، فإنها قد تؤجل المشكلة مؤقتاً لكنها قد تخلق في المستقبل منافساً للدولة نفسها.
وتكشف هذه المفارقة أيضاً خطأ تفسير آخر، هو اعتبار الحرب الحالية مجرد استمرار مباشر لحرب الدولة ضد دارفور. فالعلاقة تغيرت جذرياً. فالقوة التي استخدمها النظام في الحرب ضد حركات دارفور أصبحت بعد 2019 طرفاً في السلطة، ثم شاركت مع الجيش في الإطاحة بالشراكة المدنية في 2021، ثم دخلت في حرب مع الجيش نفسه في 2023. وبذلك انتقلت العلاقة من أداة للدولة ضد التمرد إلى قوة مستقلة تنازع الدولة على مركز السيادة.
وهذا التحول لا يمكن فهمه دون الاقتصاد السياسي. فالدعم السريع لم يبقَ قوة أمنية فقط، بل طور شبكات اقتصادية، وخاصة حول الذهب والتجارة والنقل والموارد الحدودية. وهنا تلتقي قصة الدعم السريع مع قصة «السوق السياسي» السوداني: عندما يصبح السلاح مصدراً للموارد، وتصبح الموارد مصدراً للسلاح، ينشأ مسار دائري يصعب كسره.
لذلك فإن أقوى قراءة لهذه المفارقة ليست أن «دولة 1956 صنعت الدعم السريع، إذن الدعم السريع هو دولة 1956»، فهذا تبسيط غير صحيح؛ وإنما أن الدولة السودانية المركزية في عهد البشير أنتجت مؤسسة مسلحة داخل بنيتها الأمنية لمواجهة خصومها الإقليميين، ثم ساهمت تلك المؤسسة في إعادة توزيع القوة داخل الدولة، ثم تحولت إلى أحد أطراف الصراع على الدولة نفسها.
وهذا يجعل الدعم السريع مثالاً شديد الأهمية على مشكلة أعمق في السودان: الدولة التي تستخدم قوى مسلحة شبه مستقلة لمواجهة أعدائها قد تنجح في إضعاف خصومها مؤقتاً، لكنها تخاطر بإنتاج منافسين مسلحين لا يمكن إخضاعهم بسهولة لاحقاً.
ومن هذه الزاوية فإن نقد «دولة 1956» يجب ألا يتوقف عند سؤال: «لماذا همشت الدولة دارفور؟» بل يجب أن يضيف: «كيف عالجت الدولة تمرد دارفور، وما المؤسسات المسلحة التي أنشأتها، وكيف أعادت هذه المؤسسات تشكيل الدولة نفسها؟»
وهذا السؤال يربط مباشرة بين تاريخ التهميش وتاريخ عسكرة السياسة وتاريخ الدعم السريع. فالظلم التاريخي يفسر لماذا ظهر التمرد، لكنه لا يفسر وحده لماذا اختارت الدولة تكوين مليشيات، ولا لماذا أصبحت تلك المليشيات لاحقاً مراكز قوة اقتصادية وعسكرية، ولا لماذا انفجرت المنافسة بينها وبين الجيش في حرب 2023.
وبالتالي فإن المفارقة لا تنفي وجود «دولة 1956» بوصفها اختصاراً لمظالم المركزية؛ لكنها تكشف أن أحد أخطر مكونات هذه الدولة، أي استخدام القوة شبه العسكرية لمعالجة أزمة الشرعية، يمكن أن يكون جزءاً من التاريخ الذي ينبغي تجاوزه لا أداة تلقائية لبناء الدولة الجديدة.
سادساً: المفارقة الأكثر صعوبة ــ كيف أصبح الدعم السريع جزءاً من الدولة التي يقول خطاب «دولة 1956» إنه يريد تجاوزها؟
هذه هي إحدى أهم نقاط الاختبار العلمي لأي تفسير معاصر لمفهوم «دولة 1956». فإذا كانت الدولة المقصودة هي الدولة التي احتكرت القوة واستخدمت القوات شبه العسكرية لقمع الأطراف، فإن تاريخ الدعم السريع نفسه يصبح جزءاً من هذه القصة وليس خارجها.
فالدعم السريع لم يظهر بوصفه قوة مستقلة عن الدولة السودانية منذ البداية. فقد تطور في سياق منظومة مكافحة التمرد في دارفور، ثم أصبح قوة رسمية أكثر وضوحاً في عهد البشير، وأقر البرلمان السوداني في يناير 2017 قانوناً خاصاً بالدعم السريع، واضعاً القوة ضمن البنية الأمنية الرسمية وتحت سلطة رئاسة الجمهورية في ذلك الوقت. وقد وصفت التقارير الصحفية والبحثية تلك العملية بأنها إدماج رسمي لقوة كانت قد تشكلت في سياق مليشيات دارفور. (Sudan Tribune, 2017).
وهذه الحقيقة لا تعني أن تاريخ دارفور قبل ظهور الدعم السريع لم يكن مليئاً بالمظالم أو أن الدولة المركزية لم تكن مسؤولة عن سياسات خطيرة؛ بل تعني أن الدعم السريع نفسه نشأ داخل تاريخ الدولة الأمنية السودانية. ولذلك فإن تصويره باعتباره قوة جاءت من خارج النظام التاريخي كله لا يتفق مع تسلسل نشأته المؤسسية.
ثم تعزز موقع الدعم السريع بعد سقوط البشير. فقد أصبح عضواً في ترتيبات السلطة الانتقالية، وشارك قائده في مجلس السيادة، وشارك في البنية الأمنية التي تشكلت بعد 2019. كما شارك مع القوات المسلحة وقوى أمنية أخرى في انقلاب أكتوبر 2021، قبل أن تتدهور العلاقة بين الطرفين إلى حرب مفتوحة في أبريل 2023. وهذا يجعل الحرب الحالية في جانب منها صراعاً داخل منظومة القوة التي تشكلت في الدولة السودانية الحديثة، وليس مجرد انتفاضة مسلحة من «الهامش» ضد «المركز».
ويجب هنا تجنب استنتاج معاكس خاطئ. فكون الدعم السريع خرج من بنية الدولة لا يعني أن مظالم دارفور أو مناطق أخرى غير حقيقية، ولا يعني أن كل سكان دارفور يؤيدونه، ولا أن جميع المطالب المتعلقة بإعادة توزيع السلطة غير مشروعة. وإنما يعني فقط أن الهوية السياسية لقوة مسلحة لا يمكن تحديدها فقط من خلال الخطاب الذي تستخدمه عن نفسها؛ يجب فحص تاريخ نشأتها ومؤسساتها وتمويلها وممارستها للسلطة وعلاقاتها بالدولة.
وهذا الاختبار ينبغي تطبيقه أيضاً على القوات المسلحة السودانية. فكون الدعم السريع نشأ من الدولة لا يعفي القوات المسلحة من مسؤولية دراسة تاريخ تدخلها في السياسة والاقتصاد، ولا يحولها تلقائياً إلى ممثل محايد للدولة الوطنية. والاختبار العلمي يجب أن يكون متماثلاً: لا حصانة تاريخية للقوات المسلحة، ولا حصانة سياسية لقوة مسلحة تدعي تمثيل الهامش.
سابعاً: عندما يتحول تفسير المظلومية إلى خطاب حرب
بعد اندلاع الحرب في أبريل 2023، أصبح خطاب «دولة 1956» أكثر حضوراً في النقاش السياسي السوداني. وأخذت العبارة تُستخدم للإشارة إلى رفض الدولة المركزية القديمة، أو إلى رفض عودة نظام الإنقاذ، أو إلى رفض سيطرة نخب المركز، أو إلى الدعوة إلى دولة علمانية ولا مركزية تقوم على المواطنة المتساوية.
ويجب التفريق بين مستويات مختلفة لهذا الخطاب. فإذا كان المقصود رفض عودة النظام السياسي الذي سبق 2019، أو رفض التمييز بين المواطنين، أو الدعوة إلى اللامركزية، فإن هذه مطالب سياسية يمكن مناقشتها من حيث المؤسسات والقوانين. أما إذا تحولت العبارة إلى تفسير شامل يساوي بين كل ما نشأ بعد 1956 وبين بنية واحدة ثابتة، فإنها تفقد دقتها التاريخية.
كما ينبغي الفصل بين «مشروع السودان الجديد» بوصفه مشروعاً فكرياً وسياسياً له تاريخ أقدم، وبين استخدام تعبير «دولة 1956» في سياق الحرب الحالية. فالسودان الجديد عند جون قرنق مثلاً لم يكن مجرد إعادة توزيع للسلطة بين الأقاليم، بل كان تصوراً لإعادة تأسيس الدولة حول المواطنة والحقوق والهوية الوطنية. ومن الخطأ اختزال هذا الإرث الفكري كله في مشروع عسكري معاصر، كما سيكون من الخطأ افتراض أن كل من يستخدم خطاب الهامش يتبنى المشروع نفسه.
والأهم أن المظلومية التاريخية لا تنتج تلقائياً شرعية مسلحة. يمكن أن تكون المظلومة صحيحة، ويمكن أن يكون التهميش موثقاً، ويمكن أن تكون الدولة قد ارتكبت انتهاكات واسعة، ومع ذلك يبقى السؤال منفصلاً: هل الجهة التي ترفع هذه المظالم تملك شرعية تمثيلية؟ وهل تخضع للمساءلة؟ وهل تحترم القانون الإنساني؟ وهل تقبل بالتعدد داخل المنطقة التي تدعي تمثيلها؟ وهل تستطيع الانتقال من السيطرة العسكرية إلى المؤسسات المنتخبة؟
هذه الأسئلة ضرورية لأن التاريخ العالمي يقدم حالات كثيرة تحولت فيها حركات التحرر نفسها إلى سلطات مركزية أو عسكرية بعد وصولها إلى الحكم. وبالتالي فإن التحرر من مركز قديم لا يضمن وحده عدم نشوء مركز جديد.
ثامناً: من فكرة «السودان الجديد» إلى مشروع السلطة الموازية ــ أين تنتهي اللامركزية وتبدأ ازدواجية الدولة؟
في 22 فبراير 2025 وقع الدعم السريع وحلفاؤه المسلحون والسياسيون، ومن بينهم عبد العزيز الحلو، ميثاقاً لإنشاء ما سُمي «حكومة السلام والوحدة»، وتحدث الميثاق عن سودان علماني وديمقراطي ولا مركزي وجيش موحد، مع السماح باستمرار وجود جماعات مسلحة خلال المرحلة المقترحة. وقد نقلت رويترز أن المشروع أثار مخاوف وانتقادات مرتبطة بخطر إنشاء سلطة موازية للدولة القائمة. (“reuters.com” (https://www.reuters.com/world/africa/sudans-rsf-allied-groups-sign-charter-form-parallel-government-two-signatories-2025-02-22/?utm_source=chatgpt.com))
وهنا تظهر إحدى أهم التناقضات المؤسسية في الخطاب. فالقول بإنشاء «جيش موحد» يتوافق من حيث المبدأ مع بناء دولة حديثة، لكن الإبقاء في الوقت نفسه على تشكيلات مسلحة مستقلة يطرح سؤالاً جوهرياً حول معنى الجيش الموحد: هل المقصود جيشاً واحداً يحتكر السلاح، أم مظلة تنسق عدة جيوش؟ وإذا كانت الثانية، فإن الدولة لا تزال تعاني من تعدد مراكز القوة.
والقول بدولة لا مركزية لا يعني أن كل قوة عسكرية تسيطر على إقليم يمكن أن تنشئ حكومة إقليمية مستقلة. اللامركزية في الدولة الدستورية تقوم على نقل السلطة وفق قانون وطني، مع بقاء شرعية المؤسسات الإقليمية مستمدة من الدستور والانتخاب، لا من السيطرة العسكرية على الأرض.
وهذا هو الفرق بين توزيع السيادة وتوزيع السلطة. الدولة اللامركزية توزع السلطة داخل سيادة واحدة. أما الدولة ذات الحكومات الموازية التي تستند إلى جيوش مختلفة فقد تنتقل من اللامركزية إلى ازدواج السيادة.
وقد أثبتت الحرب الحالية أن هذا الخطر ليس نظرياً. فدراسة تشاتام هاوس حول الذهب والحرب أشارت إلى أن استمرار القتال أدى إلى ترسيخ انقسام فعلي بين مناطق يهيمن عليها الجيش في الشرق ومناطق يهيمن عليها الدعم السريع في الغرب، مع ارتباط ذلك بشبكات اقتصادية وعابرة للحدود. (Soliman & Baldo, 2025/2026). (“chathamhouse.org” (https://www.chathamhouse.org/2025/03/gold-and-war-sudan?utm_source=chatgpt.com))
لذلك فإن السؤال العلمي ليس ما إذا كانت اللامركزية جيدة أو سيئة في ذاتها، وإنما: هل توجد مؤسسات دستورية ومالية وقضائية وأمنية تجعل اللامركزية توزيعاً للسلطة، أم تتحول إلى تقنين للسيطرة الإقليمية المسلحة؟
تاسعاً: الاقتصاد يكشف ما قد يخفيه الخطاب السياسي ــ من النفط إلى الذهب والسوق السياسي
لا يمكن فهم أزمة «دولة 1956» بمعزل عن الاقتصاد السياسي. فالدولة السودانية لم تكن فقط دولة مركزية سياسياً، بل تطورت فيها أنماط من الاقتصاد السياسي ربطت الموارد بالسلطة والأمن والولاء.
وقد أدى انفصال جنوب السودان عام 2011 إلى فقدان السودان نحو ثلاثة أرباع موارده النفطية، وهو تحول اقتصادي هائل. لكن فقدان النفط لم يؤدِّ تلقائياً إلى انهيار شبكات السلطة؛ إذ اتجه النظام إلى موارد بديلة، وكان الذهب أهمها. ويبين لوك باتي أن صعود الذهب لم يلغِ بنية «السوق السياسي» السوداني، بل غيّر بصورة مهمة الفاعلين الذين يستطيعون الصعود داخلها. (Patey, 2023; Patey, 2024). (“worldpeacefoundation.org” (https://worldpeacefoundation.org/publication/politics-of-sudans-resource-booms/?utm_source=chatgpt.com))
وتذهب تشاتام هاوس إلى أبعد من ذلك في تحليل السنوات السابقة للحرب، فتشير إلى أن القوات المسلحة والدعم السريع تنافسا على الموارد الاقتصادية، وأن الذهب أصبح مورداً رئيسياً لتمويل الطرفين، وأن قطاع الذهب ارتبط بشبكات إقليمية تشمل منتجين وتجاراً ومهربين ودولاً خارجية. كما تشير الدراسة إلى أن التعدين الأهلي والصغير الحجم يشكل الجزء الأكبر من إنتاج الذهب السوداني، وأن جانباً كبيراً من الذهب يصل إلى الإمارات بصورة مباشرة أو غير مباشرة عبر دول مجاورة. (Soliman & Baldo, 2025/2026). (“chathamhouse.org” (https://www.chathamhouse.org/2025/03/gold-and-war-sudan?utm_source=chatgpt.com))
وتصبح هذه المعلومات ذات أهمية خاصة في نقد مفهوم «دولة 1956». فإذا كانت المشكلة المعلنة هي سيطرة المركز على الموارد، فإن السؤال التالي يجب أن يكون: من يسيطر على الموارد في المشروع البديل؟ وإذا كان احتكار النخب المركزية للذهب أو الأرض أو التجارة مشكلة، فهل يؤدي انتقال السيطرة إلى قوة مسلحة إقليمية إلى إنهاء المشكلة، أم يغير صاحب الامتياز فقط؟
هنا تبرز نظرية «السوق السياسي» التي طورها أليكس دي وال وآخرون لتحليل السودان. ويصف دي وال النظام السوداني بوصفه سوقاً سياسياً تصبح فيه الموارد المالية والأمنية أدوات لشراء الولاءات السياسية، بحيث تتنافس النخب والقوى المسلحة على الموارد اللازمة لإعادة إنتاج السلطة. (de Waal, 2019). (“gov.uk” (https://www.gov.uk/research-for-development-outputs/sudan-a-political-marketplace-framework-analysis?utm_source=chatgpt.com))
وفي دراسة لاحقة عن 2021، خلص غالوبين وتوماس ودتنزر ودي وال إلى أن عناصر أساسية من الاقتصاد السياسي السوداني بقيت قائمة بعد سقوط البشير، بما في ذلك الدور الكبير للأعمال المرتبطة بقيادات القطاع الأمني، والاستغلال المكثف للعمل والموارد الطبيعية، واستخدام المناصب الحكومية كمكافآت مادية ضمن ترتيبات سياسية تفاوضية. (Gallopin et al., 2022). (“worldpeacefoundation.org” (https://worldpeacefoundation.org/publication/sudans-political-marketplace/?utm_source=chatgpt.com))
ويضيف توماس ودي وال أن منطق السوق السياسي يمكن أن يؤدي إلى ترتيب أولويات يضع التمويل السياسي والولاءات النخبوية قبل توفير السلع العامة، وهو ما يساعد على تفسير استمرار انعدام الأمن الغذائي والهشاشة الاقتصادية. (Thomas & de Waal, 2022). (“worldpeacefoundation.org” (https://worldpeacefoundation.org/publication/hunger-in-sudans-political-marketplace/?utm_source=chatgpt.com))
وهكذا يتضح أن المشكلة أعمق من «المركز». إنها مشكلة اقتصاد سياسي يجعل السيطرة على الموارد وسيلة للسيطرة السياسية. ولذلك فإن الدولة الجديدة، مهما كان شكلها الجغرافي، لن تكون مختلفة جوهرياً إذا بقيت الثروة الطبيعية والضرائب والجمارك والأراضي والشركات العامة والخاصة مرتبطة بمراكز القوة المسلحة.
عاشراً: الاختبار الأخلاقي والقانوني ــ المظلومية لا تلغي المسؤولية عن الانتهاكات
لا يمكن أن يكون تحليل «دولة 1956» كاملاً إذا تجنب دراسة السؤال الأخلاقي والقانوني المتعلق بممارسة القوة. فالاعتراف بالمظالم التاريخية يجب ألا يؤدي إلى تحويل أي قوة تتبنى خطاباً مناهضاً للمركز إلى فاعل محصن من المساءلة.
وقد وثقت منظمات دولية وحقوقية انتهاكات واسعة ارتكبتها أطراف مختلفة خلال الحرب منذ 2023. ومن أكثر الوقائع التي جرى توثيقها تفصيلاً ما حدث أثناء الهجوم النهائي على الفاشر في أكتوبر 2025. ففي تقرير نشره مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في فبراير 2026، استناداً إلى مقابلات مع أكثر من 140 ضحية وشاهداً، وثق أكثر من 6,000 حالة قتل خلال الأيام الثلاثة الأولى من الهجوم، بينها ما لا يقل عن 4,400 شخص قتلوا داخل الفاشر وأكثر من 1,600 شخص قتلوا على طرق الفرار، مع تقدير أن العدد الحقيقي خلال الأسبوع الأول كان أعلى. ووصف التقرير الانتهاكات بأنها قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. (“sudan.un.org” (https://sudan.un.org/en/310121-rsf-violations-during-capture-el-fasher-amount-war-crimes-and-possible-crimes-against?utm_source=chatgpt.com))
وتكمن أهمية هذه الأرقام ليس فقط في حجمها الإنساني، بل في ضرورة تطبيق قاعدة منهجية: لا يجوز استخدام التهميش التاريخي لإلغاء مسؤولية الفاعل المسلح عن أفعاله، كما لا يجوز استخدام جرائم فاعل مسلح لإلغاء حقيقة التهميش التاريخي الذي يستند إليه خطابه.
وهذا يعني أيضاً تجنب التعميم الإثني. فوجود انتهاكات ذات بعد إثني أو استهداف جماعات معينة لا يجعل كل أفراد جماعة إثنية مسؤولين عنها، كما أن انتماء مرتكبي الانتهاكات إلى جماعة اجتماعية معينة لا يجعل الجماعة كلها مسؤولة. المسؤولية يجب أن تُدرس على مستوى الأفراد والقيادات وسلاسل القيادة والمؤسسات والجماعات المسلحة وفق الأدلة.
والعدالة الانتقالية هنا ليست مسألة ثانوية. فإذا كانت الدولة القديمة متهمة بالإفلات من العقاب، فإن الدولة الجديدة التي تحمي مقاتليها من المساءلة ستعيد إنتاج المشكلة نفسها. وإذا كانت إحدى الحركات ترفع شعار إنهاء الإفلات من العقاب ثم تمنح قياداتها حصانة مطلقة، فإن ذلك يشكل تناقضاً مؤسسياً ينبغي تحليله.
ومن ثم فإن معيار الدولة الجديدة لا ينبغي أن يكون: «من انتصر في الحرب؟» وإنما: هل يستطيع النظام السياسي الجديد تحويل المسؤولية عن الجرائم من علاقة قوة إلى علاقة قانون؟
الحادي عشر: النزوح الجماعي يجعل مفهوم الدولة الجديدة اختباراً للمواطنة لا للسيطرة على الأرض
الحرب لم تغير الخريطة السياسية والأمنية فقط؛ بل غيرت التركيبة السكانية والقدرة على ممارسة المواطنة نفسها. ووفق تحديث المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في يوليو 2026، بلغ عدد النازحين داخلياً في السودان نحو 6.49 مليون شخص، بينما بلغ مجموع اللاجئين وطالبي اللجوء والنازحين والنازحين العائدين ضمن فئات النزوح القسري ذات الصلة أكثر من 11.3 مليون شخص، مع أكثر من 3.65 مليون لاجئ وطالب لجوء وصلوا إلى دول الجوار وغيرها. (UNHCR, 2026). (“worldpeacefoundation.org” (https://worldpeacefoundation.org/publication/hunger-in-sudans-political-marketplace/?utm_source=chatgpt.com))
وهذه الأرقام تجعل سؤال «من يملك الأرض؟» أقل أهمية من سؤال «من يملك حق العودة والمواطنة؟». فالدولة التي تُبنى بعد الحرب يجب أن تتعامل مع ملايين الأشخاص الذين قد يعودون إلى مناطق تغيرت فيها السلطة المحلية والملكية والحواكير والبنية السكانية.
وتصبح قضايا الأرض والحواكير والملكية الحضرية والرعي والنزوح مرتبطة مباشرة ببناء الدولة. فإذا عادت السلطة إلى مناطق النزوح دون آليات للعدالة ورد الحقوق والتعويض وإدارة النزاعات، فإن اللامركزية نفسها قد تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج النزاع.
كما أن الانتخابات في مجتمع نزح منه ملايين الأشخاص تحتاج إلى ترتيبات دقيقة تتعلق بالتسجيل، والدوائر الانتخابية، وحق التصويت، وإثبات الإقامة، وعودة السكان، والتمثيل السياسي للنازحين واللاجئين، وحماية المنافسة السياسية من نفوذ السلاح.
لذلك فإن الحديث عن «الدولة الجديدة» دون إدخال النازحين واللاجئين في تعريف المواطنة سيكون نقصاً جوهرياً. فالدولة ليست فقط الأرض التي تسيطر عليها قوة عسكرية، بل الأشخاص الذين يتمتعون بحقوق داخلها.
الثاني عشر: ماذا تعني فعلاً نهاية إرث ما بعد 1956؟ اختبار الدولة الجديدة بالمؤسسات لا بالشعارات
إذا كان النقد العلمي لمفهوم «دولة 1956» قد كشف أنه يشير إلى مشكلات حقيقية ولكنه لا يمثل تفسيراً كاملاً، فإن السؤال التالي هو: ما الذي يجب أن يتغير حتى يمكن القول إن السودان تجاوز البنية التاريخية التي أنتجت الأزمة؟
أول معيار هو احتكار القوة بواسطة مؤسسة وطنية خاضعة للقانون المدني. لا يكفي تغيير اسم القوات، ولا دمج قوة في أخرى على الورق. المطلوب هو تحديد من يملك السلاح، ومن يقرر الحرب والسلم، ومن يعيّن القيادة العسكرية، ومن يراقب الميزانية، ومن يحاسب على الانتهاكات. وكل صيغة تسمح بوجود جيوش متعددة ذات استقلال سياسي واقتصادي ستبقي المشكلة الأساسية قائمة، مهما كان خطابها الأيديولوجي.
ثاني معيار هو فصل الاقتصاد العسكري عن الاقتصاد العام. فإذا بقيت الشركات والمناجم والموانئ والطرق والتجارة والذهب ومصادر العملة الأجنبية خارج الرقابة المالية العامة، فإن تغيير الحكومة لن يغير بنية الاقتصاد السياسي. وقد أظهرت الدراسات المتعلقة بالسوق السياسي والذهب أن العلاقة بين القوة المسلحة والموارد الاقتصادية كانت من أهم عناصر إعادة إنتاج النظام. (de Waal, 2019; Gallopin et al., 2022; Patey, 2024; Soliman & Baldo, 2025/2026). (“worldpeacefoundation.org” (https://worldpeacefoundation.org/publication/sudan-a-political-marketplace-framework-analysis/?utm_source=chatgpt.com))
ثالث معيار هو لامركزية دستورية حقيقية. ويجب أن تعني اللامركزية نقل سلطات تشريعية وتنفيذية وإدارية إلى مستويات محلية وإقليمية منتخبة، مع نظام واضح للتحويلات المالية، وتوزيع الإيرادات الطبيعية، والرقابة والمراجعة، وتحديد المسؤولية عن الصحة والتعليم والمياه والطرق والخدمات الاجتماعية. وقد أكدت خبرة البنك الدولي في السودان أن اللامركزية لا تنجح بمجرد توزيع الصلاحيات، وإنما تحتاج إلى وضوح في الإنفاق، والموارد، والرقابة المالية، والقدرة المؤسسية على تقديم الخدمات. (World Bank, 2009). (“documents.worldbank.org” (https://documents.worldbank.org/curated/en/494591468340278046/pdf/489970ESW0P1051C0disclosed051181101.pdf?utm_source=chatgpt.com))
رابع معيار هو إعادة بناء الخدمة المدنية على أساس الكفاءة والمواطنة. فالدولة التي تعتمد على الولاء الحزبي أو القبلي أو العسكري في التوظيف تعيد إنتاج المركزية حتى لو كانت لها أقاليم منتخبة.
خامس معيار هو إصلاح نظام تقاسم الموارد. فلا يمكن أن تظل عائدات الذهب أو النفط أو الزراعة أو الموانئ أو الضرائب أو الجمارك مصدراً لتمويل النخب السياسية دون قواعد معلنة وقابلة للمراجعة.
سادس معيار هو العدالة الانتقالية. وهي لا تعني الانتقام الجماعي، بل تحديد المسؤوليات الفردية والمؤسسية، وتوثيق الانتهاكات، ومحاكمة من تثبت مسؤوليته، وتعويض الضحايا، وإصلاح المؤسسات التي سمحت بالانتهاكات.
سابع معيار هو إدارة الأرض والحواكير والنزوح. فلا يمكن بناء سلام مستقر إذا ظلت ملكية الأرض غير محسومة، أو إذا عاد النازحون إلى أراضٍ استولى عليها آخرون، أو إذا استُخدمت الإدارة الأهلية كبديل دائم عن القضاء المدني.
ثامن معيار هو انتخابات ذات تمثيل حقيقي. فالادعاء بتمثيل الهامش أو المركز لا يمكن أن يبقى مجرد خطاب. الانتخابات ليست الحل الوحيد لكل مشكلة، لكنها آلية مهمة لاختبار التمثيل. ويجب أن تكون هناك ترتيبات خاصة في مرحلة ما بعد الحرب تمنع حرمان النازحين واللاجئين من حقوقهم السياسية، وتمنع استخدام السلاح والموارد العسكرية في المنافسة.
تاسع معيار هو حرية التنظيم والإعلام والمجتمع المدني. فالدولة الجديدة لا تكون جديدة إذا كان الحزب الواحد أو الجيش الواحد أو الحركة الواحدة يحتكر تعريف الوطنية.
عاشر معيار هو توحيد المجال القانوني. فلا يمكن وجود قوانين مختلفة جذرياً بحسب الجهة المسيطرة على المنطقة، أو محاكم عسكرية تتولى الوظائف المدنية، أو إدارات موازية لا تخضع للقضاء الوطني.
وهذه المعايير لا تفترض نموذجاً سياسياً واحداً؛ فهي يمكن أن توجد في نظام رئاسي أو برلماني أو اتحادي أو شبه رئاسي، ما دام الدستور يحدد السلطات ويمنع احتكارها.
الثالث عشر: الخلاصة النقدية ــ المشكلة ليست أن السودان «كان 1956»، بل أنه لم ينجح بعد 1956 في بناء دولة تتجاوز حكم القوة
تكشف المراجعة التاريخية والمؤسسية والاقتصادية والقانونية أن عبارة «دولة 1956» تحمل داخلها حقيقة مهمة، لكنها لا تحمل كل الحقيقة.
الحقيقة الأولى أن السودان المستقل ورث من الحقبة الاستعمارية دولة غير متكافئة في توزيع المؤسسات والخدمات والموارد، وأن بناء الوحدة الوطنية لم ينجح في معالجة هذه الاختلالات بصورة كافية.
والحقيقة الثانية أن النظام الدستوري الذي ظهر في 1956 أعلن مبادئ المساواة والمواطنة، ولذلك لا يصح علمياً مساواة «1956» في حد ذاته بمشروع دستوري للتمييز. المشكلة الأساسية كانت الفجوة بين المبادئ الدستورية والممارسة السياسية والمؤسسية. (“digitallibrary.un.org” (https://digitallibrary.un.org/record/860964/files/1956-E.pdf?utm_source=chatgpt.com))
والحقيقة الثالثة أن السودان بعد 1956 لم يكن دولة ثابتة؛ فقد مر بسلسلة من الأنظمة المدنية والعسكرية، وأعيد تشكيل مؤسساته عدة مرات. لذلك فإن اختزال سبعين عاماً من التاريخ في مفهوم واحد يخفي تحولات مهمة.
والحقيقة الرابعة أن الجيش كان فاعلاً مركزياً في السياسة السودانية، وأن الانقلابات المتكررة والمنافسة بين المؤسسات الأمنية ساهمت في منع ترسيخ حكم مدني مستقر. (Verhoeven, 2023). (“cambridge.org” (https://www.cambridge.org/core/journals/journal-of-modern-african-studies/article/surviving-revolution-and-democratisation-the-sudan-armed-forces-state-fragility-and-security-competition/795745EFAB65FE4AE422AA192F5EBA7E?utm_source=chatgpt.com))
والحقيقة الخامسة أن التهميش الإقليمي حقيقي وله جذور تاريخية، لكنه لا يمكن اختزاله في ثنائية بسيطة بين «عرب المركز» و«أفارقة الهامش» أو بين «الشمال» و«الجنوب» أو بين «الخرطوم» و«الأقاليم». فداخل كل منطقة جماعات ومصالح ونخب وتفاوتات وصراعات.
والحقيقة السادسة أن الدعم السريع لا يمكن تفسيره فقط بوصفه قوة خارج الدولة المركزية؛ فقد نشأ وتطور داخل منظومة الدولة الأمنية، ثم أصبح جزءاً رسمياً من البنية الأمنية، ثم شارك في ترتيبات ما بعد 2019 وفي انقلاب 2021، قبل أن يدخل الحرب مع القوات المسلحة في 2023. ولذلك فإن التاريخ المؤسسي للدعم السريع جزء من تاريخ الدولة السودانية الحديثة، لا نقيض خارجي له.
والحقيقة السابعة أن هذا لا ينفي المظالم التي استند إليها خطاب الحركات المسلحة، ولا يلغي مسؤولية الدولة عن التهميش أو الانتهاكات، وإنما يمنع تحويل المظلومية إلى إعفاء تلقائي من المساءلة.
والحقيقة الثامنة أن اقتصاد الحرب والذهب والموارد الطبيعية يمثل عنصراً مركزياً في استمرار الصراع. وقد أوضحت الدراسات الحديثة أن المنافسة على الذهب سبقت الحرب، وأن الذهب أصبح مصدراً أساسياً لتمويل الطرفين وشبكات مرتبطة بهما وبالفاعلين الإقليميين. (Soliman & Baldo, 2025/2026). (“chathamhouse.org” (https://www.chathamhouse.org/2025/03/gold-and-war-sudan?utm_source=chatgpt.com))
والحقيقة التاسعة أن مشروع الدولة الموازية الذي ظهر في 2025 يطرح تناقضاً يجب حسمه مؤسسياً: كيف يمكن الجمع بين دولة لا مركزية وجيش موحد من جهة، واستمرار تشكيلات مسلحة مستقلة وسلطة موازية من جهة أخرى؟ (“reuters.com” (https://www.reuters.com/world/africa/sudans-rsf-allied-groups-sign-charter-form-parallel-government-two-signatories-2025-02-22/?utm_source=chatgpt.com))
والحقيقة العاشرة أن حجم النزوح واللجوء يجعل أي مشروع للدولة الجديدة مشروعاً للمواطنة وإعادة توزيع الحقوق، وليس مجرد مشروع للسيطرة على الأرض. فوجود أكثر من 11 مليون شخص ضمن أزمات النزوح القسري المرتبطة بالحرب بحلول يوليو 2026 يجعل العودة والملكية والتمثيل السياسي والخدمات والعدالة مسائل تأسيسية لا ملفات لاحقة. (UNHCR, 2026). (“worldpeacefoundation.org” (https://worldpeacefoundation.org/publication/hunger-in-sudans-political-marketplace/?utm_source=chatgpt.com))
والحقيقة الحادية عشرة أن جرائم الحرب والانتهاكات الواسعة، ومنها ما وثقته الأمم المتحدة في الفاشر في أكتوبر 2025، تجعل العدالة والمساءلة جزءاً من بناء الدولة، لا عقبة أمامه. (“sudan.un.org” (https://sudan.un.org/en/310121-rsf-violations-during-capture-el-fasher-amount-war-crimes-and-possible-crimes-against?utm_source=chatgpt.com))
وعليه فإن أقوى نقد علمي لفكرة «دولة 1956» ليس القول إنها خاطئة بالكامل، ولا القول إنها صحيحة بالكامل. النقد الأقوى هو أنها تخلط بين تاريخ الاستقلال وتاريخ الدولة، وبين الدولة والنظام، وبين المركز والنخبة، وبين الجيش والدولة، وبين المظلمة وشرعية حامل السلاح، وبين اللامركزية وتوزيع السيادة، وبين نقد الماضي وامتلاك الشرعية لبناء المستقبل.
وإذا كان المقصود من إنهاء «دولة 1956» هو إنهاء دولة مركزية غير عادلة، فهذا يتطلب تحديداً مؤسسياً لما يجب إنهاؤه: احتكار السلطة في المركز، التفاوت المالي، ضعف الحكم المحلي، عسكرة السياسة، الاقتصاد العسكري، الإفلات من العقاب، وتهميش الأقاليم.
أما إذا كان المقصود أن تستبدل الدولة المركزية بقوة عسكرية تسيطر على إقليم واسع ثم تنشئ مؤسسات موازية، فإن ذلك لا يمثل بالضرورة تجاوزاً للمشكلة التاريخية؛ فقد يكون انتقالاً من مركزية الدولة إلى تجزئة القوة، ومن احتكار عسكري إلى احتكارات عسكرية متعددة.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية التي يجب أن يخضع لها أي مشروع سياسي سوداني، أياً كان مصدره: إذا كانت المشكلة هي حكم القوة، فلا يكفي أن تتغير القوة الحاكمة؛ وإذا كانت المشكلة هي احتكار الموارد، فلا يكفي أن يتغير صاحب الاحتكار؛ وإذا كانت المشكلة هي تهميش الأقاليم، فلا يكفي أن تسيطر قوة مسلحة إقليمية على الإقليم؛ وإذا كانت المشكلة هي غياب المواطنة، فلا يكفي إعلانها في وثيقة سياسية؛ وإذا كانت المشكلة هي الإفلات من العقاب، فلا يمكن بناء الدولة الجديدة بحصانات دائمة لمرتكبي الانتهاكات.
ومن ثم فإن السؤال التاريخي الأكثر دقة ليس: «هل يجب إسقاط دولة 1956؟» وإنما: ما البنية المؤسسية التي يجب أن تحل محل أوجه الفشل التي تراكمت منذ الاستقلال؟
والسؤال الاقتصادي ليس: «من يملك ذهب السودان؟» وإنما: كيف يصبح الذهب والموارد الطبيعية ملكاً عاماً تدار عائداته وفق قانون وميزانية ورقابة ومساءلة؟
والسؤال الأمني ليس: «أي جيش يمثل السودان؟» وإنما: كيف يصبح السلاح الوطني خاضعاً لمؤسسات مدنية ودستورية، ولا يتحول إلى قاعدة للاستقلال السياسي والاقتصادي؟
والسؤال الإقليمي ليس: «هل المركز أم الهامش؟» وإنما: كيف توزع السلطة والموارد والخدمات بين مستويات الحكم مع حماية الحقوق الفردية والجماعية داخل كل إقليم؟
والسؤال السياسي ليس: «من يمثل السودانيين؟» وإنما: كيف يستطيع السودانيون اختيار ممثليهم بصورة حرة، بما في ذلك النازحون واللاجئون والمجتمعات المهمشة، بدلاً من أن تفرض القوة المسلحة تعريف التمثيل؟
بهذا المعنى، فإن تجاوز إرث ما بعد 1956 لا يعني محو سنة 1956 من التاريخ، ولا إنكار ما حدث منذ الاستقلال، ولا تبني رواية طرف سياسي بعينه. إنه يعني تحويل النقد التاريخي إلى مؤسسات قابلة للقياس: دولة مدنية خاضعة للقانون، مواطنة متساوية، لامركزية دستورية، تقاسم شفاف للموارد، جيش وأجهزة أمن خاضعة للسلطة المدنية، اقتصاد عام لا تتحكم فيه شبكات الحرب، عدالة لا تستثني المنتصر أو المهزوم، ومؤسسات سياسية تستمد شرعيتها من المواطنين لا من امتلاك السلاح.
وهذه هي النقطة التي ينبغي عندها أن يتوقف استخدام «دولة 1956» بوصفها تفسيراً شاملاً، ويبدأ تحليل الدولة السودانية بوصفها مشروعاً مؤسسياً لم يكتمل. فالمشكلة التاريخية الأعمق ليست أن السودان استقل في 1956، بل أن الدولة التي حصلت على الاستقلال لم تنجح، خلال العقود التالية، في تحويل السيادة إلى مؤسسات مستقرة، وتحويل التنوع إلى مواطنة، وتحويل الموارد إلى خدمات عامة، وتحويل الجيش من لاعب سياسي إلى مؤسسة وطنية، وتحويل اللامركزية من شعار إلى توزيع حقيقي للسلطة والموارد، وتحويل العدالة من أداة انتقائية إلى قاعدة عامة.
ومن هذه الزاوية، يصبح «إنهاء دولة 1956» تعبيراً غير مكتمل ما لم يُستكمل بالسؤال الأصعب: أي دولة ستأتي بعدها، ومن سيحكمها، وبأي مؤسسات، وبأي قواعد لتوزيع القوة والثروة، وبأي آليات للمساءلة، وبأي ضمانات تمنع إعادة إنتاج الأزمة نفسها؟
والاختبار النهائي لأي مشروع سوداني بعد الحرب لا ينبغي أن يكون قدرته على هدم بنية قديمة فقط، بل قدرته على منع نشوء بنية جديدة تعيد إنتاج الخصائص نفسها تحت أسماء جديدة. فالدولة التي تستبدل مركزاً مسلحاً بمركز مسلح آخر لم تتجاوز جوهر المشكلة؛ والدولة التي تستبدل احتكاراً اقتصادياً باحتكار آخر لم تغير الاقتصاد السياسي؛ والدولة التي تستبدل الإقصاء السياسي بإقصاء مضاد لم تؤسس المواطنة؛ والدولة التي تنقل الحرب من العاصمة إلى الأقاليم لم تنهِ الحرب.
أما الدولة التي يمكن وصفها بأنها تجاوزت فعلاً إرث الأزمة التاريخية، فهي الدولة التي يصبح فيها القانون أقوى من حامل السلاح، والمؤسسة أقوى من الفرد، والمواطن أقوى من الولاء العسكري، والميزانية العامة أقوى من اقتصاد الحرب، والانتخاب أقوى من ادعاء التمثيل، والعدالة أقوى من الحصانة، والدستور أقوى من القوة الواقعية.
وهنا فقط يتحول نقد «دولة 1956» من شعار سياسي إلى سؤال علمي قابل للاختبار، ومن ذاكرة للمظلومية إلى مشروع مؤسسي يمكن قياس نجاحه أو فشله بالوقائع.
المراجع
- Daly MW. Colonial legacies and Sudanese rule, 1956–1969. In: Daly MW. Darfur’s Sorrow: A History of the Destruction of a Land. Cambridge: Cambridge University Press; 2010.
- de Waal A. Sudan: A Political Marketplace Framework Analysis. Occasional Paper 19. Somerville, MA: World Peace Foundation; 2019. (“worldpeacefoundation.org” (https://worldpeacefoundation.org/publication/sudan-a-political-marketplace-framework-analysis/?utm_source=chatgpt.com))
- Gallopin JB, Thomas E, Detzner S, de Waal A. Sudan’s Political Marketplace in 2021: Public and Political Finance, the Juba Agreement and Contests Over Resources. London: Conflict Research Programme, London School of Economics and Political Science; 2022. (“worldpeacefoundation.org” (https://worldpeacefoundation.org/publication/sudans-political-marketplace/?utm_source=chatgpt.com))
- Johnson DH. Nationalism, Independence & the First Civil War 1942–72. In: Johnson DH. The Root Causes of Sudan’s Civil Wars. 3rd ed. Woodbridge: James Currey; 2016.
- Patey L. Oil, Gold and Guns: The Violent Politics of Sudan’s Resource Booms. Somerville, MA: World Peace Foundation; 2023. (“worldpeacefoundation.org” (https://worldpeacefoundation.org/publication/politics-of-sudans-resource-booms/?utm_source=chatgpt.com))
- Patey L. Oil, gold, and guns: the violent politics of Sudan’s resource re-curse. Environment and Security. 2024;2(3):412–430. (“journals.sagepub.com” (https://journals.sagepub.com/doi/10.1177/27538796241272367?utm_source=chatgpt.com))
- Rolandsen ØH. A false start: between war and peace in the Southern Sudan, 1956–62. Journal of African History. 2011. (“cambridge.org” (https://www.cambridge.org/core/journals/journal-of-african-history/article/abs/false-start-between-war-and-peace-in-the-southern-sudan-195662/09EFC13E2C1C6D368E02587E530A8C06?utm_source=chatgpt.com))
- Soliman A, Baldo S. Gold and the war in Sudan: How regional solutions can support an end to conflict. London: Chatham House; 2025. Updated 24 March 2026. (“chathamhouse.org” (https://www.chathamhouse.org/2025/03/gold-and-war-sudan?utm_source=chatgpt.com))
- Thomas E, de Waal A. Hunger in Sudan’s Political Marketplace. Somerville, MA: World Peace Foundation; 2022. (“worldpeacefoundation.org” (https://worldpeacefoundation.org/publication/hunger-in-sudans-political-marketplace/?utm_source=chatgpt.com))
- Verhoeven H. Surviving revolution and democratisation: the Sudan armed forces, state fragility and security competition. Journal of Modern African Studies. 2023;61(3):413–437. (“cambridge.org” (https://www.cambridge.org/core/journals/journal-of-modern-african-studies/article/surviving-revolution-and-democratisation-the-sudan-armed-forces-state-fragility-and-security-competition/795745EFAB65FE4AE422AA192F5EBA7E?utm_source=chatgpt.com))
- World Bank. Making Decentralization Work. Report No. 48997-SD. Washington, DC: World Bank; 2009. (“documents.worldbank.org” (https://documents.worldbank.org/curated/en/494591468340278046/pdf/489970ESW0P1051C0disclosed051181101.pdf?utm_source=chatgpt.com))
- World Bank. Sudan: Public Expenditure Review and related decentralization analysis. Washington, DC: World Bank. (“documents1.worldbank.org” (https://documents1.worldbank.org/curated/en/963071468334873868/pdf/418400SD.pdf?utm_source=chatgpt.com))
- United Nations. The Sudan Transitional Constitution. Adopted by the Sudanese Parliament on 1 January 1956. New York: United Nations Digital Library; 1956. Accessed 1 October 2026. (“digitallibrary.un.org” (https://digitallibrary.un.org/record/860964/files/1956-E.pdf?utm_source=chatgpt.com))
- United Nations High Commissioner for Refugees. Sudan Situation: Monthly External Update, 31 July 2026. Geneva: UNHCR; 2026. Accessed 1 October 2026. (“worldpeacefoundation.org” (https://worldpeacefoundation.org/publication/hunger-in-sudans-political-marketplace/?utm_source=chatgpt.com))
- United Nations Human Rights Office. RSF violations during capture of El Fasher amount to war crimes and possible crimes against humanity. Geneva: United Nations; 13 February 2026. Accessed 1 October 2026. (“sudan.un.org” (https://sudan.un.org/en/310121-rsf-violations-during-capture-el-fasher-amount-war-crimes-and-possible-crimes-against?utm_source=chatgpt.com))
- Reuters. Sudan’s RSF, allies sign charter to form parallel government, two signatories say. 22 February 2025. Accessed 1 October 2026. (“reuters.com” (https://www.reuters.com/world/africa/sudans-rsf-allied-groups-sign-charter-form-parallel-government-two-signatories-2025-02-22/?utm_source=chatgpt.com))
- Sudan Tribune. Sudanese parliament passes RSF Act integrating militiamen in the army. 17 January 2017. Accessed 1 October 2026.
- Patey L. Oil, gold, and guns: the violent politics of Sudan’s resource re-curse. World Peace Foundation. 15 October 2024. Accessed 1 October 2026. (“worldpeacefoundation.org” (https://worldpeacefoundation.org/publication/violent-politics-of-sudans-resource-re-curse/?utm_source=chatgpt.com))
