في المقدمة التي كتبها المفكر الفيلسوف الأديب عباس محمود العقاد استهلالاً لمؤلفه الشهير .. (الحسين سيد الشهداء) دروس وعبر ونفاذ بصيرة وبعد نظر ميّزه عن كثير من كتاب عصره – ضمن صفات اخرى – بمكانة سامقة واستاذية فريدة.
ورغم مرور عشرات السنين على كتابة تلك المقدمة، فان من يقرؤها اليوم يظن انها ما كتبت الا له ولقومه لما فيها من تجاوز لمحدودية الزمان والمكان ولما تناولته من علاقة سببيّة بين المثل العليا وتقرير مصير المجتمع الانساني. اذ يقول العقاد في هذا المقام : ( ان مشكلة الحياة الكبرى لم تتغير منذ 1300 سنة. ولا تزال الحرب علي اشدها بين خدّام انفسهم وخدّام العقائد والأمثلة العليا، ولم يزل الشهداء يصلونها نارا حامية من عبيد البطون والاكباد).
ولعله يريد القول ان تاريخ الانسانية يتجدد ويتناسخ كل يوم وذلك خلاف لما تواتر عن المقولة الشهيرة : ( ان التاريخ لا يعيد نفسه) فهو على ثقة من أن الصراع بين الحق والباطل وبين الحياة والموت وبين روح الانسان التواقة إلى العدل والخير والكمال، وبين جسده المادي المجبول بحب الذات وخداع الاطماع والاستغراق في الملذات والشهوات، سيظل مستمراً إلى ان يرث الله الأرض ومن عليها بين ( الاخوة الاعداء ) على امتداد ارجاء المعمورة .. وما أنا ولا أنت استثناءً ولا براء منها.
ويرثي العقاد لحال البشرية التي لا تستقيم حياتها ولا تعتدل او تستقر الا بتضحية بعض بنيها بأنفسهم في سبيلها بدمائهم وارواحهم، فيقول: ( مسكينة هذه الحياة! لا تزال في عطش شديد إلى دماء الشهداء ، بل لعل العطش الشديد يزداد كلما زادت فيها آفات الأثرة والأنانية ونسيان المصلحة الخالدة في سبيل المصلحة الزائلة، او لعل العطش الشديد إلى دماء الشهداء يزداد في هذا الزمن خاصة دون سائر الأزمنة الغابرة) لأنه زمن وحدة الضمير الإنساني ( ولن توجد هذه الوحدة الا اذا وجد الشهداء في سبيلها والعمل الخالص لوجه الحق والكمال. فلا بقاء للإنسانية بغير هذا السلوك البشري حين ينسى الفرد مصلحته بل حياته في سبيلها) .
ترى ماذا كان سيقول هذا المفكر الفيلسوف الفذ لو عاش وشهد ثورة الاتصال الكونية وثورات الربيع العربي وثورة ديسمبر السودانية التي اندلعت على مرمى حجر من مسقط رأسه (أسوان)؟
aha1975@live.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم