كنت قد أعددت ورقة قبل سنوات خلت بعنوان (نحو صورة جديدة للخليفة عبدالله)، وقد قدمت الورقة فيمؤتمر التاريخ الشفاهي الذي عقده قسم الفولكلور بمعهد الدراسات الإفريقية والآسيوية بجامعةالخرطوم عام 1984م، وحاولت في تلك الورقة تصحيح الصورة السالبة للثورة المهدية عامة، وللخليفةعبدالله على وجه الخصوص، ومن المعروف أن بعض الأدبيات التي ساهمت في صنع هذه الصورةالسالبة كتبتها أقلام من قبل أشخاص يعتقدون أن الخليقة أذلهم مثل سلاطين باشا وإبراهيم فوزيوالأب أهروالدر، ثلاثتهم شكلوا جزءًا هامًّا في الترسانه الإعلامية التي سعت إلى النيل من الخليفةوتصويره بشكل ينسجم مع الأسطورة التي حاول الإعلام الغربي صناعتها للثورة المهدية وقادتها،وعندما اطلعت على كتاب الأصداء العالمية للثورة المهدية لمؤلفه محمد المصطفى موسى الصادر عندار المصورات عام 2020م، كدت أن أصرخ (وجدتها .. وجدتها) ، فقد حشد الكاتب الكثير منالمعلومات الهامة من مصادر لا يرقى إليها الشك، وهذه المصادر ذات فائدة عظيمة لأي باحث أو مؤرخيدرس الثورة المهدية، وبالنسبة لي فقد أفادتي هذه المعلومات أيما فائدة، ودعمت ما كنت أرمي إليه معآخرين لإجلاء الصورة الحقيقية للخليفة عبدالله، ولم أتردد في الاستفادة من الكتاب وما وفره منمعلومات ثرة، ووجدت الثقة الكاملة في نفسي إعادة كتابة الورقة المشار إليها سابقاً.
بلا شك إن مؤلف محمد المصطفى موسى سيكون له ما بعده، إذ هو واحد من تلك الكتب التي تغيرمسار الفكر أو التفكير في قضية ما، أي أن الكتاب سيحدث ثورة في الاهتمام بالثورة المهدية وقادتها،يحدث هذا على الرغم من أن المؤلف أصلاً طبيب، إلا أنه عالج موضوعاً في صميم علم التاريخ بأسلوبدقيق ومنهج صارم، ولم ينزلق إلى الانحياز مع هذا الجانب أو ذاك، وليس أدل على هذا من المصادروالمراجع التي لا حصر لها، والتي تتنوع من الصحف إلى المؤلفات بلغات متعددة وعلى رأسها العربيةوالإنجليزية، بلغت المصادر العربية أكثر من ثمانين مصدراً، أما المصادر والمراجع باللغة الإنجليزية فقدقاربت الخمسين، إضافة إلى ثمة أربعة أطروحات أكاديمية.
إن القارئ لهذا السِّفر العظيم يظن لوهلة أن هذا السفر هو أصلاً أطروحة أكاديمية أعِدَّت في أحدأقسام التاريخ في جامعة مرموقة، ذلك أن الكاتب تسلح بكل أدوات الباحث والمؤرخ المدقق ثاقب البصر،ومنذ البداية انطلق هذا الكاتب الدؤوب في أطروحته لأجل تنقية تاريخ المهدية من كل ما لحق بها منشوائب وأكاذيب وأضاليل، فهو يبحث عن المهدية الأخرى التي جاءت في أدبيات التاريخ التي لا تعرفالزيف أو الكذب، وفي كل هذا ظل المؤلف على درجة عالية من الحذر محافظاً بصرامة على منهجيةوحيادية المؤرخ حتى لا ينزلق إلى إطراء أو مدح الثورة أو قادتها دون مسوغ أو سند تاريخ.
قدم للكتاب اثنان من خيرة مؤرخينا، أحدهما وبلا شك عمدة في تاريخ المهدية، ألا وهو الأكاديميالضليع عبدالله علي إبراهيم الذي يكفي أن بحثه الصراع بين المهدي والعلماء يشكل علامة بارزةوسط أدبيات المهدية مثله ومثل دراسات محمد سعيد القدال، جميعها أوقفت الدراسات حول المهدية علىأرجلها وحولت الثورة المهدية إلى حقل للجدل الموضوعي، ومن المعروف أن القدال أعد أطروحة أكاديميةعالجت الوضع الاقتصادي للمهدية وصدرت فيما بعد في كتاب (القدال) وقد جاءت مقدمة إبراهيم غايةفي الإبانة وأوفت الكتاب حقه، وصدق إبراهيم وهو المؤرخ المدقق حين قال عن الكتاب إنه :
“فتح وثائقي من تلك التي جعلت تاريخ المهدية شاغلاً للتاريخ الأكاديمي المهني الذي بدأ بقيام شعبةللتاريخ من كلية الخرطوم الجامعية (جامعة الخرطوم فيما بعد)”. (موسى: 15). وخلص إبراهيم للقول إنالكتاب” وطن للمهدية في تاريخ عالمي عريض، بينما انكفأنا في العقود الأخيرة إلى حكاية مغرقة فيمحليتها لا قيمة لها.” (نفسه: ص 24).
أما ثاني مقدمي الكتاب فهو مؤرخ لا يشق له غبار، هو أحمد إبراهيم أبو شوك الذي قرأ الكتاب بذهنالمؤرخ ووصف الكتاب بأنه “يقدم عرض تحليليًّا لنظرة الآخر تجاه الثورة المهدية وانتصاراتها فيالسودان ويضيف معرفة تاريخية لما كتب سابقاً عنها”.
وبالطبع لن أضيف جديداً لما ذكره هذا المؤلفان المؤرخان الجليلان، لكنني أدين للكتاب كثيراً فقد أشبعفضولي بمادته الثرة حول شخصية أثير حولها الكثير من اللغط واللجاج، وتم وصفه من قبل خصومهبأبشع النعوت وتمت شيطنته، وكما ذكرت فقد كتبت ورقة حول شخصية الخليفة طالبت فيها برسمالصورة الحقيقية للخليفة، وبالطبع هذا لا يتم إلا بالخلاص من الركام الهائل الذي تمت صياغته بمهارةوبراعة من قبل ترسانة أعداء وخصوم الخليفة. وكنت أشرت في تلك المساهمة إلى ضرورة الالتفات إلىأية مصادر تعيننا في هذا الأمر، خاصة أن المصادر الشفاهية، وحتى وقت إعداد ورقتي لم تكن محلثقة واعتبار الكثرة من المؤرخين السودانيين وغيرهم، لكن جيلاً من المؤرخين السودانيين المعاصرين ظهرمنادياً بالاستفادة من هذه المصادر وفق منهج علمي صارم، بل إن هناك من قام بهذا الأمر كما نلاحظعند موسى المبارك الحسن في دراسته تاريخ دارفور السياسي.
بريد الكتروني : meb59@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم