قراءة أولية في المشهد السياسي المصري … بقلم: حسن الجزولي

 


 

حسن الجزولي
3 February, 2011

 


مخاطر تواجه الثورة وإصرار على تحقيق المطالب

نشرت صحيفة الأوبزرفر البريطانية على صدر صفحاتها ليوم الأحد الماضي كاريكاتيراً موحياً، نرى أنه يعبر على نحو ما عما تود أن تشير إليه هذه القراءة التي نحن بصددها، فقد جسد الكاريكاتير مومياء مصرية ضخمة برأس للرئيس المصري حسني مبارك، وتلتف تحت المومياء جماهير غفيرة، كل مجموعة منها تمسك بطرف من خيوط الكتان التي تغطي جسد المومياء في محاولة لانتزاع الثوب الذي يغطيها دون جدوى!,
أصبح يوم الجمعة الغاضبة في الثامن والعشرين من يناير للعام 2011 هو بمثابة الفاصل بين زمنين في المشهد السياسي الحديث لمصر وشعبها، وقد أكدت الأحداث التي شهدتها أرض الكنانة منذ الخامس والعشرين من يناير بأن أبناء مصر قد صنعوا إنتفاضة شعبية حقيقية غير مسبوقة وتعد أحد أعظم الثورات في التاريخ القديم والحديث للشعب المصر!. وهو ما لن يقلل من هذه الهيبة مهما تطورت الأحداث حالياً في مصر أو في مستقبلها لاحقاً سلباً كان أم إيجاباً!.
وعليه، فمع دخول هبة الجماهير المصرية الكاسحة، يومها الخامس منذ الاعلان الرسمي للعصيان العام بعد صلاة الجمعة الماضية على الأقل، فإن الأوضاع في مصر أصبحت تشابه كرة الثلج المتدحرجة خطورة كلما مر يوم إضافي عليها!، وذلك في ظل عدم إحساس الجماهير بأن ثمة تغيرات أساسية  قد تمت، في بنية النظام الذي تود الجماهير تغييرة، تغيرات أساسية  تهدئ  من روعها وغضبها، وتشمل كافة مفاصل السلطة التي ما زال الحرس القديم يسيطر على مقاليد أمورها، تغيرات موضوعية تلبي شعار الشارع المصري الغاضب والمطالب برحيل رأس النظام وحرسه بأجمعه ،وليست شكلية تستهدف أشخاصاً يُستبدلون بأشخاص آخرين. ومن الواضح فإن المطلب الأساسي والذي أصبحت جماهير الثورة المصرية تردده على الشوارع في كل المدن والقرى والبوادي والنجوع هو " الشعب يريد إسقاط النظام"! وهو مطلب يعبر عن أن الجماهير لا ترضى بأقل منه، ولكن هل بالفعل أن الجماهير ستتمسك بهذا المطلب إلى مالا نهاية، وهل أن  زمن المعالجات المهدئة والتي لا تمس عصب القضايا قد ولى! على الأقل بالنسبة للنظام المصري الذي لم ينهار بعد، هذا هو تحديداً الخطر المحدق بالجماهير المصرية وغضبها!.
تتجلى خطورة الوضع الذي يواجه الثوار المصريين في أن النظام ما يزال باقياً ، وقد ظلت الأوضاع على ما هي عليه دون أن تتقدم جهة ما من أوساط الجماهير بالتحدث إنابة عنهم مع النظام!، ودون أن تفصح قيادة القوات المسلحة المصرية عن موقفها النهائي وهي ترى استفحال الأزمة السياسية التي أوصلت البلاد ألى حواف المخاطر وتهديد السيادة الوطنية للدولة!، ودون أن تلوح في الأفق ملامح حل ما يعطي آمالاً ويطمئن نفوساً.
 صحيح أن شعارات الثورة لا يمكن فرضها أو تحقيقها بضربة واحده، خاصة مع نظام إستبدادي يتجذر جهاز دولته في البنى التحتية لعقود وحقب بعيدة!، وصحيح أنه يترنح الآن تحت ضربات الثوار ، إلا أنه لم يسقط بعد، ويبدو أنه مع هذا  الترنح بدى وكأنه "غول" بسبعة أرواح، كما تُوصف الأرواح الشريرة عادة!.
 في ظل هذه الأوضاع برزت إتهامات صريحة  بأن  النظام  بدأ في بلورة أجندة في محاولة لاستثمار أي فرصة من أجل إطالة "أنفاسه"، ليتسن له إلتقاطها والالتفاف على الهبة الجماهيرية للأخذ بزمام الأمور مرة أخرى!،  وتشير الاتهامات إلى أن النظام وبتأكده وبعد القرارات التي تم اتخاذها بإعفاء الوزارة وتكليف رئيس جديد لتشكيل أخرى، وتعيين نائب لرئيس الجمهورية، لم تؤدي إلى التقليل من غضب الجماهير وترضيتها نوعاً بتخفيف حالة الاحتقان، ومع الشعار الواضح ( إرحل .. إرحل يا سليمان .. مش عايزنك إنت كمان)، فمن الواضح أن النظام قد فكر في سيناريو آخر أكثر خطورة و"خبثاً" –  حسب أكثر من تحليل من قبل المتابعين للشأن المصري وانتفاضته – وهو أن المتنفذين وأصحاب المصلحة في استمرار وبقاء النظام القديم قد إتجهوا  لاحداث ما أصبح يسمى في الفترة الآخيرة بـ (الفوضى الخلاقة)!  وذلك في محاولة لفك الطوق الذي كبل به الثوار  عنق النظام  طيلة الأيام الماضية، ولإحداث توازن ما يجعله مساهماً في (صنع) القرار!.
 ما يعزز من هذه الاتهامات  أن إشاعات قيل أن النظام أطلقها لتؤثر في نفسيات الجماهير وفحواها أن المجرمين الذين فروا من سجون البلاد المختلفة قد إعتدوا على ممتلكات السكان والمواطنين داخل الأحياء باقتحام الشقق والمنشئات، مما خلق ذعراً في أوساط الجماهير التي انسحبت أعداد مؤثرة منها لمنازلها في سبيل حمايتها وهو ما كانت تشتهيه قوى النظام في محاولةلإفراغ الشوارع من الجماهير، ولكن سرعان ما تكشفت الفرية وعادت الجماهير مرة أخرى للشوارع بكثافة أكبر!.
الأمر الثاني الذي عزز من هذه الاتهامات هو أن  شوارع العاصمة المصرية وأغلب مدنها شهدت إنسحاباً كاملاً لقوات الشرطة والأجهزة الأمنية، مرة واحدة وفي زمن معلوم بعد أن كانت هذه القوى تنتشر بشكل واضح وكثيف في كل مسام الشوارع المصرية، الأمر الذي أثار الدهشة والشبهات  معاً، حسب   المراقبين والمحللين!، وبأن ذلك ما كان سيتم لو لا توجيهات وأوامر من قبل جهات عليا نافذة وبسبق إصرار متفق عليه!، مما أحدث فراغاً أمنياً، ملأته شرازم البلطجية والمسجلين الخطرين من المجرمين وعصابات المدن الذين انضمت إليهم جموع المساجين الذين فروا من سجونهم، وبدأوا يعيثون فساداً في البلاد بحالات السلب والنهب للممتلكات العامة والخاصة، مما خلق حالات من الهلع في أوساط الجماهير، دفعها لتولي أمر الدفاع عن النفوس والممتلكات والأعراض بأنفسها عن طريق اللجان الشعبية التي تم تشكيلها داخل الأحياء والمناطق. ليتضح لاحقاً أن أغلب الذين تم التحفظ عليهم من أولئك البلطجية والمجرمين الذين أمكن القبض عليهم بأنهم وباعترافاتهم أنفسهم أمناء شرطة وينتمون إلى أجهزة الأمن والمخبرين الذين يتبعون لوزارة الداخلية المصرية حسب ما ورد في الأخبار!، إضافة لما شهدته مباني وزارة الداخلية وبعض المناطق المتفرقة في العاصمة من ظاهرة القناصين الذين يجوبون الطرقات بعربات خاصة أو على أسطح البنايات والذين يستهدفون المتظاهرين بالرصاص الحي الذي ينهمر عليهم من كل ناحية،ويضح أيضاً أنهم ينتمون لوزارة الداخلية وأجهزة أمنها!، الأمر الذي أدى لسقوط أعداد كبيرة من القتلى والمصابين وهو ما أكده شهود عيان من أطباء مصريين وبعض مستشفيات العاصمة التي استقبلت تلك الحالات!،مما زاد من معدلات القتلى والجرحى منذ اندلاع الأزمة ،  فهل بذلك يمكن الاشارة إلى أن كل ذلك يتم  في إطار خطة (الفوضى الخلاقة) التي تمت الاشارة إليها، وذلك للتأثير النفسي على أكبر قطاع وسط الجماهير الثائرة في محاولة لضخ أكبر كمية من قناعات تجبر هذه الجماهير على الاحساس بأن بديل النظام هو الفوضى!،  وانعدام أمن المواطنين واستقرار الأحوال؟!، وبالتالي فعلى الناس الاكتفاء بهذا القدر من التغيير وتقبل ما تم من أجراءات، وألا ينتظرون أو يطالبون بأكثر من ذلك؟!.، ومن ثم التسليم بالأمر الواقع والتراجع عن الاصرار بالمضي بالانتفاضة إلى آخر أشواطها، أو في غالب الأحوال إحداث إنقسام في صفوف الجماهير!.
من الجانب الآخر فإن أوضاع التموين المعيشي  للسكان تلعب دوراً مؤثراً، لأن حوجة عاصمة في حجم مدينة القاهرة، وسكان لدولة يصل تعدادهم لما يفوق الخمسة والثمانين مليوناً، وبعد أكثر من خمسة أيام من تدهور الأوضاع المعيشية وتناقص التموين للسكان، كل ذلك يعرض البلاد لمخاطر حقيقية باستمرار تناقص المواد الغذائية، خاصة مع تمديد وقت حظر التجول من الثالثة عصراً إلى الثامنة صباحاً!. فهل مع شعار (الاعتصام .. الاعتصام .. حتى يرحل النظام) ستصر الجماهير على تحمل الضنك المعيشي بأنفاس ثورية طويلة المدى؟!، والذي أصبح يواجه الأسر على وجه التحديد؟!.
الجانب الآخر من الخطر الذي أصبح يحيق بانتفاضة الشعب المصري هو بوادر الانقسام في الشارع المصري والذي أصبحت ظواهره في التشكل رويداً مع إستطالة غياب أي أفق للحل السياسي والذي يبدو أن المسئولين في جهاز السلطة بدأوا الانتباه لأمكانية إستثماره حتى لحظة إنضاج الأزمة داخل التيارات السياسية  في صفوف المعارضة، حتى تبدو المعارضة بالنسبة لقطاع واسع من الجماهير بأنها الأكثر خطورة على مستقبل البلاد، وأن الضمان الحقيقي هو في استمرار بنية النظام الحالي!، خاصة أن المعارضة  لم تتشكل بعد في جبهة موحدة للاتفاق على بلورة مطالب سياسية موحدة تحشد خلفها الشارع وتتحدث بإسمه، هذه الوحدة ما تزال غائبة، ويحاول النظام استثمار ما ستفضي إليه الأمور "بالأزمة المضادة" التي يحاول النظام (تخليقها) وسط الجماهير!، بل أكثر من ذلك فإن بوادر الانقسام في صفوف قوى المعارضة السياسية  بدأ  كما قد أشرنا في أول تجمع للكيانات السياسية الذي شهده ميدان التحرير، والذي تحول إلى ما يشبه ركن النقاش الشهير في حديقة هايد بارك!، كل مجموعة بدأت تدعو لبرنامجها السياسي وتقدم من تراه جديراً بقيادة الأمة في الظروف الآنية التي تمر بمصر، دون أن يتسن لهذه القوى السياسية المعارضة أن تنتبه لأهمية أن تلتقي أولاً مجتمعة  للاتفاق النهائي على كيفية الخروج من هذه الأزمة!.
وما يشير إلى المخاطرالتي تواجه ثورة الجماهير المصرية، هو المؤشرات التي تستقرئ موقفاً جديداً للمؤسسة العسكرية، بعد أن كانت قد إتخذت موقف (الحياد الايجابي) طيلة فترة تفجر الأزمة السياسية، ومظاهر (مصادقة) الجيش مع الجماهير ما حدى بحشود الثوار للهتاف الداوي بحياة القوات المسلحة،  ولكنها ومنذ  زيارة حسني مبارك – الذي تحول بقدرة قادر من رئيس للجمهورية إلى حاكم عسكري- لغرفة عملياتها واجتماعه مع قادتها بعد يوم من أعمال الفوضى التي عمت البلاد، فإن هناك من بدأ يشكك في نوايا المؤسسة العسكرية، خاصة مع القرار الذي صدر مباشرة بعد اجتماع حسني مبارك مع قادتها بعودة وحدات الشرطة مرة أخرى إلى الشوارع التي كانت قد انسحبت منها!. والسؤال الذي يدور في أوساط الجماهير والمراقبين، هو كيف انسحبت الشرطة في الأساس، لتعود إليه الآن مرة أخرى؟! بل أن السؤال الأخطر الذي طرحته الجماهير هو كيف يثقون في أجهزة إنسحب أفرادها حين كان الناس يحتاجونهم لحماية أمنهم، ليتضح لاحقاً أن أغلب الذين تم التحفظ عليهم ووجهت لهم تهماً بقتل المواطنين العزل، وترويع السكان بسلبهم ونهبهم، ينتمون لهذه الأجهزة نفسها؟!. في كل الأحوال عودة هؤلاء لمزاولة مهامهم  يشير بشكل واضح إلى عودة تمظهر السلطة وقدرتها على أخذ زمام الأمور بيدها  مرة أخرى بعد أن فلتت منها طيلة الأيام الماضية و الفراغ الكامل لمظاهر الدولة! فما هو موقف المؤسسة العسكرية في مصر،هل بالفعل أنها نصحت مبارك بالرحيل كما أشارت بعض الأنباء؟!، وإن إفترضنا أنه لم  ولن يرضخ لهكذا حل – وقد قيل أنه عنيداً بطبعه - ! فمع من ستقف  يا ترى؟!، بعد أن ظهر انحيازها الواضح منذ يوم السبت الماضي تجاه الثوار، ليتبدل هذا الموقف في اليوم التالي لصالح النظام الحاكم كما هو واضح؟!.
 نستصحب أيضاً جوانب أخرى هامة داخل هذه القراءة، حيث لا نقلل من دور الادارة الأمريكية ورغبتها في أن ترى تغيراً وإصلاحاً في بنية الأوضاع السياسية  - الاقتصادية في مصر – رغم الضبابية في موقف الادارة الأمريكية التي عبرت عنها وزيرة خارجيتها من الموقف تجاه حسني مبارك كرأس للدولة المصرية !، ولكن  ما هو أهم بالنسبة لها هو بأن يكون التغييرفي إطار بقاء الدور المصري الذي ظل يلعبه  في الشرق الأوسط  وفي المنطقة، خاصة بالنسبة لإتفاقية السلام المصرية – الاسرائيلية، أي ضمن تغيرات ليست متجذرة راديكالياً!، إضافة لدور إسرائيل نفسها ومصالحها.
في مقابل كل لك نرصد إنتباه  قطاعات مؤثرة وسط الحركة الجماهيرية ووعيها بكل المخاطر التي رصدناها أعلاه من التي تواجه إنتفاضة شعب مصر، ونضالها من أجل سد الثغرات التي تتسس منها محاولات إجهاض الثورة، وتتجلى أبرز مظاهر هذا الوعي بلجان الأحياء الشعبية التي تشكلت لسد الفراغ الأمني والاداري بعد الانهيار التام لبنية الدولة في الحياة العامة، كما يتجلى في تصدي الجماهير لحالات الانفلات الأمني بمطاردة وحصار البلطجية والمجرمين وحالوا دون إحداث فوضى قيل أن النظام هو من رتب لها، وقد فطن الشارع مؤخراً لغياب المركز القيادي للثورة وبلورة المطالب فبدأت بعد قوى المعارضة في التحالف وتشكيل الجبهات الموحدة في سبيل الامساك بدفة قيادة الجماهير، ثم الاصرار على التمسك بسقف المطالب برحيل النظام ورئيس الجمهورية وتسليم السلطة كاملة للجماهير، وآخيراً مواجهة تعنت النظام ومماطلاته في تلبية مطالب الجماهير بالدعوة للاضراب العام والمسيرات المليونية ورفض الانسحاب من الشوارع لتعزيز المطالب الثورية.
 في نهاية الأمر ما الذي سيفضي إليه مستقبل الأوضاع ، فهل ستنتصر إرادة الشعب التي لا قاهر لها، وأن يوم الجمعة الغاضبة في الثامن والعشرين من يناير سيبقى بمثابة يوم فاصل بين زمنين لمصر؟!، أم أن تآمراً ما سيؤثر  على كل ذلك وعلى مستقبل الثورة المصرية في إطار فرض توازن سياسي بشكل أو آخر، يجبر الثوار على مفارقة الطريق  الذي كان من المفترض أن يؤدي بهم لتحقيق سقف مطالبهم؟!. هذا ما ستكشف عنه الأيام، بل الساعات القليلة القادمة.
hassan elgizuli [elgizuli@hotmail.com]

 

آراء