قراءة في كتاب الدكتور جون قرنق دي مبيور أتيم: إنسان يجب أن يُعرّف للأستاذ إدوارد لينو أبيي   .. إعداد وتقديم: دينقديت أيوك 

– استهلال
في البدء، أتقدم بالتحية لكل الحاضرين في غرفة منتدى الجمبة، وأُشيد بإدارة المنتدى المتمثلة في شخصية الأستاذين أديسون جوزيف وماد غابريال، ورُبَّمَا هناك آخرون معهما، لإنشائهما منبراً يهتمُ ويتناولُ قضايا ومواضيع ثقافية وأدبية وفكرية. أنا ممتن على الدعوة للمشاركة بورقةٍ نعرض فيها ملخصاً لمضمون الكتاب، وهذا يعني بالنسبة لي شيئاً عظيماً، إنه يعني ثقتكم فينا.
– الورقة
تهدف هذه الورقة إلى تقديم قراءة في كتاب الأستاذ دوت وور أبيي المعروف بـ(إدوارد لينو وور أبيي)، عن حياة الزعيم الراحل الدكتور جون قرنق، بوصفه زعيماً وسياسياً لعب دوراً مهماً في التاريخ السياسي للسُّودان والسُّودان الجنوبي. وتسليط الضوء على الكتاب كعمل توثيقي وثقافي سياسي تاريخي مهم، ونكشف الجوانب غير المعروفة في حياة قرنق لدى الكثيرين، وسنَسْتَصْحِبُ معنا في العرض استقراءاً للأحداث السياسية التي تناولها الراحل المقيم دوت وور أبيي في كتابه..
– نظرة عامة للكتاب
يعتبر هذا الكتاب (جون قرنق دي مبيور أتيم … إنسان يجب أن يُعْرَّف) Dr. John Garang de Mabior Atem: A Man to Know للأستاذ الكاتب والشَّاعِر الفذ والمناضل إدوارد لينو وور أبيي، توثيقاً مهماً وسرديةً يستعرض فيها سيرة الزعيم الوطني الراحل المقيم أبداً، الدكتور جون قرنق دي مبيور  أتيم، للقارئ في جمهورية السُّودان الجَنُوبِي وإفريقيا والعالم بأسره، بصورة لا تتبع الكرونولوجيا (تتابع أو تسلسل الأحداث وفقاً لترتيبها)، إذ أنه يبدأ عرض سيرة الراحل جون قرنق مِن نقطة النهاية في حياته، بدلاً مِن بداية السرد مِن مولده والأحداث التي تلت حَتَّى لحظة وفاته، وقد أشار المؤلف إلى ذلك في صفحة (14) مِن الفصل الأول بالقول:
“الرواية الَّتِي سأُقَدِّمَها لا تَزَعُمُ النواحي الكرونولوجية، إنها بالأحرى ملخصاً لجوانب مِن حياة قرنق، بناءً على الاحتكاك والتفاعل معه. تفاعلتُ معه وأنا واقِفٌ تحت ظله أثناء نضالنا”.
“The account I will be giving does not claim a chronological aspect; it is rather a synopsis of aspects in Garang’s life, based on interaction with him. I interacted with him as I stood under his shadow during our struggle”
في صدر الكتاب اهداء .. وبدلاً مِن أن يَهْدِي المؤلف كتابه لرفاقه مِن الذين استُشْهِدُوا أمام عينه في المعارك أثناء النضال الثوري الطويل، أو لأمه أو أبيه المعلم والتربوي العظيم لينو وور أبيي، أهداه إلى أتونق، ابنة جون قرنق قائلاً:
“إلى أتونق قرنق دي مبيور أتيم ..
قرنق تلك الشجرة المثمرة، قدمك إلينا،
حظاً سعيداً عزيزتي”8
To Atong
Garang de Mabior Atem…
Garang, that fruitful tree,
Introduced you unto us,
Good luck, my dear.
لا أعرف بالضبط لماذا فعل ذلك، لكن يبدو أن الدلالة الكامنة وراء هذا الإهداء هو أن الراحل دوت وور أبيي، أراد أن تقرأ أتونق قرنق دي مبيور هذا الكتاب، وترى فيه صورةً ناصعة لأبيها الذي تُوفِّي بتلك الطريقة المأساوية، وهي لا تزال صغيرة في العام 2005م. ويعني ذلك أيضاً أن المؤلف أراد تخليد تاريخ العلاقة الجميلة التي تجمعه بأسرة القائد الراحل، مٍن خلال زياراته المتكررة لأسرته والتواصل مع أولاده وبناته مِن وقتٍ إلى آخر أيَّام الكفاح وبعد وفاته.
ورُبَّمَا اهدى إدوارد لينو الكتاب لأتونق كابنة الحرب، لأن الاسم أتونق مشتق من كلمة (تونق)، وتعني حرب في لغة الدينكا من بين معاني أُخرى، وحين يُطلق هذا الاسم على الأنثى يكون الاسم (أتونق)، وحين يطلق على الذكر يكون الاسم (تونق) عند الدينكا. وقد قَدَّمَتْ المدام ربيكا قرنق دي مبيور شرحاً لمعنى هذا الاسم يوم 6 أغسطس 2005م، في مراسم تشييع جون قرنق في جوبا، حين عرفت الأبناء والبنات للحشد مِن الحضور، بدايةً مِن مبيور، الابن البكر، مروراً بشول وكوير وقاك وأكوال انتهاءً بأتونق، ابنتها الصغرى. قالت ربيكا: “هذه أتونق، وقد أسميناها أتونق لنتذكر دائماً الحرب التي خضناها طوال الفترة الماضية”.
كانت أتونق فتاة صغيرة حين رحل أبيها، ولكنها أصبحت فتاة رشيدة حَتَّى ميعاد صدور الكتاب عن دار رفيقي للطباعة والنشر في العام 2017م. وأعتقد أنها قرأت الكتاب ورأت صور زاهية مختلفة لأبيها في السطور، وتعلقت بذكرياتها  مع أبيها الذي مضى على وفاته ستة عشر سنةً، والمؤلف الذي مضى على رحيله حتى الآن أكثر مِن سنة وأربعة أشهر تقريباً. وأكثر مِن ذلك، لابد أنها غمرها إلهام، ربما سنرى تأثيره مستقبلاً.
– طريقة كتابة الكتاب ونوعه
كما تعلمون، وراء أي كتاب دور رائد لكاتبه وجهده أولاً، ثم دور الآخرين الذين يستعين الكاتب بهم في كتابة الكتاب، وذلك عن طريق تمديده بالمعلومات الضرورية، ويتم ذلك عبر جلسات واستبيانات ولقاءات بغرض جمع قدر أكبر مِن المعلومات مِن نواحٍ كثيرة، التي تعطي سيرة متاكاملة عن الشخصية محل التناول أو المادة التي يُراد الكتابة عنها. وهذا ما حدث بالضبط، فقد استمع الكاتب إلى شخصيات عاصروا قرنق ويعتبرون مِن المقربون منه، استمع إلى آراءهم ووجهات نظرهم حول شخصية القائد جون قرنق كإنسان أولاً، ثم كمثقف وسياسي ودبلوماسي ومخطط استراتيجي وقائد ثوري قاد حملات عسكرية لمدة واحد وعشرين سنة، ضد أنظمة الحكم التي تعاقبت على تولي السُّلطة في العاصمة الخرطوم.
وقد ذكر المؤلف الذين مدوه بالمعلومات الإضافية في كلمة الشكر والعرفان في بداية الكتاب، وهم: كوال منيانق جووك، باقان أموم، دينق ألور كوال، أوياي دينق أجاك، بيور أجانق دوات (بيور أسود)، جيمس هوث ماي، قيار شوانق ألوانق، فيانق دينق كوال، دكتور داو ألير، سانتو ليمي، كوال دينق أبوت، عبد العزيز آدم الحلو، دكتور منصور خالد، دكتور سيرينو هيتنق، دكتور فرانسيس دينق، دكتور محمد يوسف محمد، دكتور الواثق كمير، دكتور لوال أشيويك دينق، ياسر سعيد عرمان، عمر عبد الرحمن آدم، مبيور قرنق دي مبيور، ربيكا دي مبيور، حرم الراحل قرنق.
وهذا يعني أن الكتاب نتاج لجهد متكامل بين الكاتب وزمرة مِن الذين عرفوا قرنق عن قرب في سردية طويلة، قام الكاتب بتوزيعها على واحداً وعشرين فصلاً، والبالغ عدد صفحاته (206) صفحةً.
علاوةً على ذلك، الكتاب عبارة عن مذكرات لكاتب من قلب الأحداث المتعلقة بشخصية جون قرنق وخفايا الحركة الشعبية لتحرير السُّودان وجيشها، وشهادة يُقَدِّمُها للنَّاس، وهو بذلك كأنما يقول للنَّاس: هذا هو قرنق الذي عرفته، ويجب أن تعرفوه.
ومع أن الكاتب قصد توثيق سيرة جون قرنق، إلا أنه وثق لسيرته أيضاً مِن خلال التجارب والاختبارات المشتركة التي سردها، كما أنه يستعرض تاريخ الحركة الشعبية، الذي هو جزء مِن التاريخ السياسي لجمهورية السُّودان الجنوبي وجمهورية السُّودان. وأرى أن الكاتب يكتب وهو واقف تحت ظلال القائد جون قرنق الذي قدم له كل الولاء السياسي، وهو ولاء سياسي جلي، لا يخفى على القارئ في كل فصول الكتاب. وبهذا نقول إن إدوارد لينو رَّجُلٌ ظل موالياً ومخلصاً لقائده جون قرنق حَتَّى بعد وفاته.
– ثلاثة أشياء استهل بها الكاتب كتابه
يتناول المؤلف في هذا الكتاب شخصية جون قرنق في سردٍ طويل، مبني على حقائق ووقائع الاحتكاك به والعمل معه، وليس هذا فحسب؛ بل يبني سرده على التجارب السياسية والدبلوماسية والعسكرية معه أثناء النضال، ومنذ وقتٍ مبكر قبل تأسيس الحركة الشعبية لتحرير السُّودان وجيشها الشعبي لتحرير السُّودان.
ويستعرض الكاتب في الفصل الأول ثلاثة أشياء مهمة: الأول، وصول قرنق إلى الخرطوم في يوم الجمعة الموافق 08 يوليو 2005م، وخروج جموع كبيرة مِن المواطنين السُّودانيين الذين قُدِرَ احصائيتهم بستة مليون مواطن لاستبقاله في الساحة الخضراء، رافعين له أثنى عشر مليون يداً ترحيباً به زعيماً للسُّودان الكبير السابق، وللسَّلَام الَّذِي كان آتياً، وقد أتى حينئذٍ بحضوره إلى الخرطوم وهو استقبال لا سابق له في تاريخ السُّودان. ثُمَّ يستعرض باختصار مأساة رحيله في تحطمٍ للمروحية الرئاسية الأوغندية التي أقلته مِن مطار عنتيبي إلى منطقة نيو سايت، والخيبة التي خلفه رحيله على الشَّعْب السُّودَانِي، والفراغ العريض الذي خلفه فيما يتعلق بالقيادة داخل الحركة الشعبية لتحرير السُّودان، والذي رأينا أثره بعد وفاته، وأكثر بعد إعلان الاستقلال. ويصف المؤلف وفاة جون قرنق في أول سطر مِن الفصل الأول بالمأساوي قائلاً:
“كان وفاته المأساوي في 30 يوليو 2005م نهايةً لنبياً سياسياً” … ص (9)
 His tragic death on 30 July 2005 was a demise of a political prophet
ويذكرني وصف إدوارد لينو لقرنق بنبياً سياسياً، بوصف أنصار حركة راستافاراي لماركوس غارفي والقادة السياسيين الأفارقة الذين قادوا حركات التحرر في إفريقيا بالأنبياء. وقد جاء ذلك في أُغنية لبوب مارلي حين تساءل:
إلى متى سيقتلون أنبياءنا
بينما نقف وننظر؟
أَوَّاه .. البعض يقول إنه المصير
وعلينا اتمام الكتاب …
How long shall they kill our prophets?
While we stand aside and look, ooh
Some say it’s just a part of it
We’ve got to fulfill the book …
والثاني، هو ما أسماه لغز ابعاده عن لجنة التحقيق في حادثة مقتل قرنق، على الرغم مِن أنه كان يشغل منصب مسؤول الأمن الخارجي بالحركة الشعبية لتحرير السُّودان، فور تولي الجنرال سلفا كير ميارديت قيادة الحركة الشعبية لتحرير السُّودان، وصيرورته قائداً أعلى لجميع قواتها، ونائباً أول لرئيس الجمهورية في الخرطوم، وهذا يعكس بداية بروز سياسة تصفية الحسابات القديمة في الغابة في صفوف قيادات الحركة الشعبية عقب مقتل قرنق.
وهنالك كلام ورواية شفاهية متداولة بين أنصار الحركة الشعبية، والتي تقول إن إدوارد لينو اعترض على تولي الجنرال سلفا كير قيادة الحركة الشعبية، وشغل منصب النائب الأول ورئاسة حكومة جنوب السُّودان الإقليمية، ويُقال إن حُجَّته كانت أن سلفا كير غير مؤهل وغير جدير أن يكون خليفةً لرَجُلٍ كقرنق.
وبناءً على ذلك، يُتداول أيضاً أن الجنرال كير ميارديت، لم يكن راضياً عن إدوارد لينو، وأنه أخذ اعتراضه السياسي على توليه لرئاسة الحركة الشعبية مأخذ الجد، ولذلك منع إدوارد لينو من شغل أي منصب سياسي في الحكومة منذ توقيع اتفاقية السَّلام الشامل، وخصوصاً، بعد وفاة جون قرنق، عدا تعيينه للمرة الأُولى والأخيرة رئيساً لإدارية منطقة أبيي في العام 2008م، بمقترح أصر عليه عدداً مِنْ قيادات الحركة الشعبية المنحدرين مِن منطقة أبيي. ولم يشغل إدوارد لينو أي منصب سياسي حَتَّى وفاته في 15 من شهر أبريل 2020م في مدينة بانغلور الهندية.
أما في الفصل الثاني، المعنون (من مراعي وانقلي/From the Pastures of Wangule)، فيستعرض فيه الكاتب سيرة قرنق من ميلاده في قرية وانقلي الواقعة شرقي منطقة كونقور في العام 1945م، للوالد مبيور أتيم أروي مِن عشيرة أوليان بمنطقة (توي/Twi) حسبما ينطقه أهالي المنطقة بلقنتهم، وينطقه الدينكا الآخرين (تويج/Twic) حسب لقنتهم، والوالدة قاك ملوال كوال من منطقة كونقور، وذكر أنه الابن الرابع في الترتيب العائلي للمواليد. وتحدث عن طفولة قرنق التي ارتبطت برعي الخراف والأغنام والأبقار في مراعي وانقلي مع أنداده. وقد تُوفِّي والديه وهو لا يزال صغيراً، وتُرك يتيماً يواجه صعوبات الحياة القاسية، فعاش طفولة مليئة بالحرمان مِن نعمة وجود الوالدين وظروف قاسية.
ومِنْ حكاية المراعي في وانقلي، ينتقل دوت وور أبيي للحديث عن سعي الراحل قرنق وراء العلم في شرق إفريقيا، وقبل أن ينتقل إلى شرق إفريقيا، ذكر المؤلف أن أحد أقربائه ويدعى (أطيايطي/Athieithi)، كان يعمل في منطقة تونج، وهو الشخص الذي قام بإرسال قرنق إلى مدرسة تونج الأولية في العام 1953م، ثُمَّ تم قبوله في مدرسة بوسري الوسطى، بعد ذلك في العام 1957م، حيث تعلم ومارس حرفة الزراعة التي كانت مصدر الدخل بالنسبة له وزملائه وهو في سن الثالث عشر.
ويروي إدوارد لينو أن قرنق ذهب إلى الخرطوم لأول مرة في حياته في العام 1961م، حيث عمل في البناء في محلية أم درمان، وكان راتبه الشهري تسع (9) جُنِيهَات سُّودَانِيَّة، ثُمَّ سافر بعد ذلك إلى مدينة الدمازين، حيث كان خزان الروصيرص يتم تشييده يومذاك، وحصل على فرصة العمل هناك قبل أن يُغادر بعد ذلك إلى مدينة رومبيك للالتحاق بمدرسة رومبيك الثانوية في العام 1962م، بعد اكماله واجتيازه المرحلة المتوسطة بنجاح في بوسري بواو.
وبحسب المؤلف، انضم قرنق إلى حركة الأنيانيا في عمر السابع والعشرين مع عدد مِن زملائه في العام 1962م مِنْهُم أجانق ألاك ومجوك أيوين، لكن قيادات الأنيانيا قدمت لهم نصيحةً وإرشاداً بالاتجاه إلى الدول المجاورة لتلقي العلم.
– رحلة قرنق لطلب العلم وتفاعله مع الأفكار التقدمية الثورية
وتكشف قصة قرنق في السعي لتلقي العلم التي يرويها إدوارد لينو في هذا الكتاب تصميم وعزم قرنق وحبه للعلم، إذ سافر إلى كينيا في 31 ديسمبر 1963م، لطلب العلم كأولوية مهمة في حياته. ويؤكد إدوارد لينو إن قرنق كان قارئاً شغوفاً، وأنه كان يقرأ أي كتاب يجده أمامه، مشيراً إلى ذلك مكنه في التثقيف الذاتي واكتساب المعرفة.  وأنه عمل مدرساً في مدرسة نيري في كينيا لدعم نفسه مادياً مِن الدخل الذي كان يحصل عليه مِن خلال امتهانه لمهنة التدريس. ومِنْ كينيا سافر قرنق إلى أوغندا. ويقول لينو في الفصل الثاني، إن قرنق عبر الحدود الأوغندية إلى تانجانيكا (تنزانيا حالياً)، وأن السُّلطات الاستعمارية الإنجليزية ألقت القبض عليه بتهمة الدخول إلى دولة تانجانيكا بطريقة غير شرعية. وفي تانجانيكا استطاع قرنق تكمله المدرسة الثانوية، بعد أن حصل على فرصة التعلم في مدرسة قريبة مِن جبل كليمانجيارو بمساعدة مِن “مجلس الكنائس التاجانيكي”.
وبعد اكماله للمرحلة الثانوية، تم قبوله في جامعة دار السَّلام، ومِن جامعة دار السَّلام، انتقل للدراسة في جامعة ولاية أيوا بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث درس بكلية غرنيل. وفي العام 1971م تخرج بدرجة علمية في الاقتصاد الزراعي. وأثناء دراسته في جامعة دار السَّلام، تعلم الكثير مِن النظريات في سياسة التحرر، وإذ كانت دار السَّلام عاصمةً لقادة حركات التحرر الإفريقي، وجد قرنق نفسه يسبح بمهارة في محيط سياسة التحرير التي اعتمدها لاحقاً، واحتك بكثيرٍ مِن المفكرين أمثال والتر رودني، وبقية قادة النضال الإفريقي أمثال الدكتور أنتونيو أغسطينو ناتو مِن دولة أنغولا، إدواردو شيفامبو موندلان مِن الموزمبيق، سام نيوما مِن ناميبيا، أميلكار كابرال مِن غينيا بيساو، وقادة التحرر مِن إقليم جنوب إفريقيا.
وأثناء تواجده في تانجانيكا في الفترة مِن 1970-1971م، التقى قرنق بالطالب يويري كاغوتا موسيفيني الرئيس الأوغندي الحالي، وتعرف عليه وتبادلا الأفكار الثورية وأصبحا صديقين مقربين، ويؤكد الكاتب أن قرنق يعتبر نفسه خريج “المدرسة التنزانية للاشتراكية الإفريقية”Tanzanian School of African Socialism. وبعد عودته مِن كلية غرنيل، بولاية أيوا عاد قرنق إلى تنزانيا في 1970م، ثُمَّ زار أوغندا حيث التقى بصديقه ألفريد لادو قوري، وقاما بزيارة إلى مدينة نيروبي معاً، ثم عادا إلى السُّودان، وذهبا معاً إلى منطقة لوبونوك الواقعة جنوبي مدينة جوبا. وكان ذلك أول مرة يزور فيها جون قرنق السُّودان بعد سنين كثيرة قضاءها في الخارج، سعياً وراء العلم.
ويذكر إدوارد لينو أن قرنق عاد فيما بعد إلى الولايات المتحدة حيث حصل على درجة الدكتوراة، ثُمَّ عمل في القوات المسلحة السُّودَانِيَّة. كما تحدث إدوارد لينو في الفصل الثاني عن شخصية جاراموقي أودينغا أوغينغا مِن كينيا، كشخصية أعجب بها قرنق لأفكاره وطريقة لبسه، إذ كان يرتدي الملابس الأفريقية المزركشة وحب الاطلاع على الثورات الإفريقية.
كان جاراموقي أودينغا أوغينغا مثقفاً وسياسياً كينياً ساهم في تحقيق الاستقلال في بلاده مع القائد جومو كينياتا، وُلِدَ في العام 1911م وتُوفِّي في العام 1994م، وهناك جامعة في كينيا الآن باسمه (جامعة جاراموقي أودينغا أوغينغا للعلوم والتكنولوجيا). وكان قرنق يظهر في بعض الأحيان في المفاوضات قبيل توقيع اتفاقية السَّلام الشامل 2005م في نيفاشا، وظهر في لقاءات جماهيرية في مدينة رومبيك، وفي القصر الجمهوري في الخرطوم، وهو يرتدي الملابس الإفريقية الملونة المطرزة على طريقته الجميلة الفريدة زعيماً إفريقياً يحيط به هالةٌ مِن الكاريزما .. فضلاً، راجع صفحة (21) الفقرة الأُولى، أعلى الصفحة.
ويمضي إدوارد لينو قُدُّمَاً في الفصل الثاني، سارداً ذكريات أيَّامه الأُولى التي تعرف فيها على قرنق في العام 1974م. وقد تعرف على قرنق تحديداً في مناسبة زواج أخته نيانطون وور أبيي ( آن لينو وور أبيي )، مِن قبل الأستاذ مثيانق ملوال، بحضور جون قرنق.
وكان لينو يتواجد في مدينة واو سجيناً على خلفية اتهامه بأنه “شيوعي خطير” وأنه يُعَلِّمُ تلاميذه الماركسية في مدرسة رومبيك الثانوية، وجرى اعتقاله لهذا السبب في مدينة رومبيك، ثُمَّ نُقِلَ إلى مدينة واو، حيث تعرض لوعكة صحية في السجن، فنُقِلَ على إثرها إلى مستشفى واو، وصادفت تلك الأيَّام التي مرض فيها زواج أخته نيانطون، فأرادت نيانطون وور تأجيل الزواج قليلاً ريثما يتماثل أخيها للشفاء، لأنه كان سجيناً ومريضاً في المستشفى، لكنه (إدوارد) أصر على اتمام الزواج رغم مرضه، وطلب مِن  الزوجين أن  يأتيا إليه في المستشفى بعد انتهاء مراسم الزواج في الكنيسة لتهنئتهما، وهناك كان أول لقائه بجون قرنق الذي كان شبيناً (شاهداً/best man) للعريس مثيانق ملوال. ثُمَّ تحدث عن لقاءاتٍ جمعته لاحقاً مع جون قرنق، برفقة صديقه جبريل ماكوي، والراحل جورج مكير بنجامين، وزيارة قرنق له في المستشفى لاحقاً. كان لينو يُدَرِّسُ مادتي اللغة الإنجليزية والتاريخ، وقد قَدَّمَ دروساً كثيرةً لطلابه حول الحرب العالمية الأُولى والثانية والحركات السياسية الأوروبية مثل الثورة البلشفية في روسيا .. إلخ.
كما عبر المؤلف أيضاً عن إعجابه الشديد بشخصية جون قرنق وطريقته المؤثرة في الحديث، وثقافة تدوينه لتفاصيل اللقاءات التي تجمعه مع أشخاص في المؤانسات العادية أو اللقاءات غير الرسمية.
استطاع المؤلف أن يلاحظ قوة شخصية قرنق وحكمته ونبوغه مِن أيَّامِهم الأُولى، إلى جانب تميزه بين الضباط كأول ضابط خريج في جامعة فورت بانينغ الأمريكية بولاية جورجيا في صفوف قوات الأنيانيا، ولاحظ أيضاً تأثيره في الجيش داخل منطقة بوسري، وهو سردٌ يتوافق مع رواية الأستاذ المؤرخ أروب مدوت أروب في كتابة (طريق السُّودان الشاق نحو السَّلام .. القصة الكاملة لتأسيس الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السُّودان).
ويذكر المؤلف أن قرنق كان مزارعاً أثناء وجوده في مدرسة بوسري، وأنه أقنع كثيرٌ مِن الجنود بأهمية الزراعة، فانضموا إليه في نشاطه الزراعي، وأثناء ذلك النشاط، وجد فرصة لخلق الثأثير على الجنود، إذ كان يقوم بعمل سياسي سري وسط الجنود، لأنه لم يكن راضياً عن اتفاقية أديس أبابا الموقع في العام 1972م،  الأمر الذي أثار مخاوف نائب الرئيس جوزيف لاقو في الخرطوم والرئيس جعفر محمد نميري، فأرسلت الحكومة أبو القاسم محمد إبراهيم لمتابعة قرنق سرياً داخل مدينة واو. ويعتقد المؤلف أن ثمة تقارير استخباراتية أُرسلت باستمرار إلى الخرطوم مِن واو، بشأن أنشطته السرية، وتحركاته وتأثيره على الجنود، وقد أورد الأستاذ أروب مدوت نفس التفاصيل في كتابه المشار إليه أعلاه.
– الحركة في طور التكوين The Movement in the Making
ويروي الكاتب في الفصل الثالث قصة تكوين الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السُّودان. ويستهل ذلك بقدوم جون قرنق إلى جوبا وظهوره في المؤتمر الاستثنائي لحزب الاتحاد الاشتراكي السُّوداني (SSU) الذي كان منعقداً في جوبا في فبراير 1982م، والذي فيه برزت قضية (الكوكرا). واتيحت لقرنق فرصة لمخاطبة المؤتمر حيث قدم كلمةً ضافية، الأمر الذي دفعت مجموعة (/NAMنام) حركة العمل الوطني (National Action Movement) بقيادة بنجامين بول أكوك إلى تقديم الدعوة له لحضور العشاء لكنه (اجتماع) مهم في حديقة الوحدة بجوبا (وهو مكان تاريخي اندثر حالياً، ولا يعرفه أحد في جوبا إلا الشيوخ والمهتمون بتاريخ المدينة)، حيث جرى تكليف جون قرنق قائداً لأركان حرب جيش حركة العمل الوطني (NAM).
وأكد المؤلف في صفحة (32) قبول قرنق بالتكليف، وتقديمه مقترحاً بضرورة استقطاب الرفاق مِن قدامى المحاربين مِن ضباط حركة الأنيانيا الموثوق بهم، وهم العقيد يوهانس يور، العقيد إدوارد بيتر، العقيد جورج هلال، المقدم دانيال أويت أكوت، النقيب سلفا كير ميارديت.
وتم تقديم تنويراً مهماً لقرنق في ذلك الاجتماع مفاده أن بعض رفاقهم التقوا السيد أوطوان داك الذي كان محافظاً لأعالي النيل عندئذٍ، وأبلغوه بالذهاب إلى الغابة، لطالما تأخرت حركة العمل الوطني عن إطلاق شرارة الكفاح المسلح، والرفاق الذين أشار إليهم الكاتب هي مجموعة بوما بقيادة لوكورنيانق وورنيانق، والتي ضمت في عضويتها كُلٌّ مِن نياشيقاق نياشيلوك وباقان أموم وآخرين.
وكان أبرز أعضاء حركة العمل الوطني، هم: القانوني بنجامين بول أكوك رئيساً، وجورج مكير بنجامين مسؤولاً عن منطقة البحيرات، ماركو ماشيك أميناً للمال، كوستا لوال سكوندو مسؤولاً عن منطقة جوبا، سِرْ أناي كلويلجانق أميناً للإعلام بالإضافة إلى جورج هلال ويوهانس يور.
وفي توثيقه لقيام الحركة الشعبية لتحرير السُّودان، يؤكد دوت وور أبيي في صفحة (33) مِن كتابه، بأن أوائل الضباط الذين انضموا لقرنق هم كيروبينو كوانيين بول، وليم نيوان بانج مشار، سلفا كير ميارديت، وتأخر آخرون حّتَّى أتاهم الأجل مثل يوهانس يور وجورج هلال. هذه هي صورة الحركة في طور التكوين، كانت عملاً سرياً أولاً منذ أيَّام قرنق في بوسري مطلع السبعينيات إلى حين تكليفه قائداً لأركان حرب جيش العمل الوطني حَتَّى انفحرت الثورة لاحقاً في 16 مايو 1983م. ومثلما يروي إدوارد لينو وور أبيي قصة التكوين، ويُشِير إلى مجموعة حركة العمل الوطني، ومجموعة بوما والاتصالات التي تم بين رفاق آخرين مع أتيم قرنق دي كويك الذي كان محافظاً لمنطقة أكوبو؛ يروي الأستاذ أروب مدوت قصة مجموعة ملكال التي ضمت الضباط كيروبينو كوانيين بول، وليم نيوان بانج، سلفا كير، أروك طون أروك، فرانسيس نقور ماكيج، أجوانق مكوير، وغيرهم باعتبارها الإرهاصات الأولية في السُّودان الجنوبي لبداية تكوين حركة التحرر الوطني الثاني.
كما يروي في الكتاب أيضاً عمله السري في الخرطوم مع الرائد أروك طون أروك، وملازم أول موسى عبدالله منقوك مبوك، والرائد شول أيواك، والمقدم مثيانق ملوال، دينق مثيانق، منيانق أوول، العقيد غردون مورتات ميان، الدكتور بيتر نيوات كوك، والدكتور لام أكول أجاوين، الذي كان أُستاذاً في جامعة الخرطوم وقتها، وتنسيقهم مع السفارة الإثيوبية في الخرطوم، لنقل قرنق بمروحية إثيوبية مِن الحدود السُّودَانِيَّة الإثيوبية إلى العاصمة أديس أبابا، بعد انفجار الثورة في مدينة بور يوم 16 مايو 1983م، واتجاه قرنق مع رفاقه إلى الحدود السُّودانية الإثيوبية. قام إدوارد بذلك النشاط السياسي السري مع رفاقه في الخرطوم تحت غطاء عضويته في الحزب الشيوعي السُّوداني. وكان لديهم أعضاء آخرين خارج الخرطوم وهم: ماركو ماشيك، جيمس واني إيقا (نائب الرئيس الحالي)، جمعة عبد القادر، يوهانس يور أكول أجاوين، رمضان أبو قور، الدكتور أمون وانتوك وآخرين مِن مؤسسي حركة العمل الوطني.
لكن للبروفيسور أدوك نيابا في كتابه الجديد (جنوب السُّودان والحروب الدائمة .. النُّخْبَة، الإِثْنِيَّة والدَّوْلَة المَعْطُوبة) رواية أُخرى مختلفة، يقول فيها إن قصة انفجار الثورة يوم 16 مايو 1983م، لم يكن أمراً خُطِطَ له مسبقاً، بل كان مجرد “أعمال فوضى” بحسب تعبيره، بين الجنود، مشيراً إلى أن تلك الأحداث كانت لها علاقة بسياسة الحكومة الاستخباراتية في الخرطوم، ويخلص إلى القول بأن كيروبينو كوانيين الذي أطلق الشرارة الأُولى للثورة، كان يجمعه علاقة مصالح مع الصادق البنا. وبذلك يُثِيرُ الدكتور نيابا جدلاً حول كثير مِن الأحداث التاريخية التي اعتدنا على سماعها وقرأتها في الكتب، ويعكس ذلك مغالطات المثقفين السُّودانيين الجنوبين حول تاريخ بلادهم، وهو أمرٌ يدعو المثقفين مِن جيل الشباب إلى إجراء بحوث عميقة وصادقة لكتابة تاريخ حقيقي غير متحيز ومتجرد، لا يغلب عليه طابع الصراع السياسي وتصفية الحسابات السياسية أو صراعات الجيل الواحد أو سعي الفرد لوضع إثنيته فوق هرم التاريخ على حساب الآخرين.
وللدكتور لام أكول أجاوين أيضاً في هذا الجانب سرداً مختلفاً في كتابه (الثورة الشعبية لتحرير السُّودان .. ثورة إفريقية)، ويقدم فيه صورةً مغايرةً لشخصية جون قرنق عن الصورة التي يقدمها إدوارد لينو في هذا الكتاب، وخصوصاً فيما يتعلق بمقتل صمويل قاي توت، وطريقة تعامل قرنق مع ماثيو أوبور أيانق، وأُمور أُخرى تتعلق بإدارة الشؤون السياسية للحركة الشعبية والجيش الشعبي وصناعة القرار داخل الحركة الشعبية. وهي أموراً تخلق تضارباً في سرد الأحداث التاريخية في نظر جيلنا والأجيال اللاحقة.
– قيام الحركة الشعبية وصراعاتها المبكرة
في الفصل الخامس، يُقَدِّمُ المؤلف عرضاً لما أسماه “ولادةٌ صعبة للحركة الشعبية”، لأنها ولادة تميزت بالصراعات الدموية في البداية، وتدور الصراعات المبكرة حول القيادة، إذ عمد خمسة أشخاص حسمبا يرى المؤلف إلى “حسد القيادة (في إشارةٍ واضحة إلى قيادة جون قرنق) دون شيئاً ملموساً يمكنهم تقديمه للشَّعْب” بحسب تعبيره .. فضلاً أنظر صفحة (57) مِن الكتاب. والأشخاص الخمسة الذين حسدوا القيادة، بحسب رأي الكاتب، هم: صمويل قاي توت، عبدالله شول، يوسف كير، أكوات أتيم ولوكورنيانق وورنيانق.
أما في الفصل العاشر، فيتناول المؤلف (أعداء قرنق/The Anti-Garang)، ويوجه اتهاماً لدوائر وطنية وأُخرى غربية، بالعمل على إشاع دعاية وترويج أن قرنق شيوعياً، ولذلك تآمرت للاطاحة بقرنق عبر إعلان الناصر 1991م، بعد أن فشلت محاولاتها المتكررة لاختراق الحركة الشعبية حسب رأيه. ويشن دوت وور أبيي هجوماً كاسحاً على الذين انشقوا عن قرنق مطلع التسعينيات، رافعين شعار “الديمقراطية وسيادة حكم القانون”، ساخراً بهم سخرية كبيرة، وأوضح بأنهم لم يحققوا شعار الديمقراطية بعد انشقاقهم، مؤكداً أنهم مجرد أُناس تحالفوا مع الأعداء، وهو ما تناوله البروفيسور أدوك نيابا في كتابه الأول الذي فاز به بجائزة نوما في العام 1998م (سياسات التحرير في جنوب السودان: نظرة من الداخل/Policies of Liberation in South Sudan: An Insider View).
وفي هذا الفصل، يشن الكاتب هجوماً شديداً على شخصية بونا ملوال مدوت رينق، كشخصية معادية لدكتور جون قرنق، مستعرضاً محطات عديدة في تاريخه السياسي، وأشار إلى أنه كان دائماً يطمح إلى قيادة الجنوب، وأنه عمد في سبيل ذلك إلى معارضة ومقاومة شخصيات سياسية كانت لها أدواراً محوريةً في التاريخ السياسي للسُّودان الجنوبي، أمثال غردون أبي، سياسي ومؤسس حزب جبهة الجنوب Southern Front Party في العام 1964م، وجوزيف لاقو يانقا، عسكري وسياسي وقائد حركة الأنيانيا، كلمنت أمبورو، سياسي وثاني رئيس حزب جبهة الجنوب 1982م وأول وزير الداخلية في السُّودان مِن الجنوب في ستينيات القرن المنصرم، القاضي أبيل ألير رئيس الحكومة الإقليمية في فترة ولايته الثانية 1981م.
هذه قائمة أوردها إدوارد لينو التي تحوي أسماءً لشخصيات يعتقد أن بونا ملوال ظل يعترض عليهم في سبيل طموحه لحكم الجنوب. ويصنفه كواحدٍ من ألد أعداء جون قرنق، ويذكر أن الخصومة بين ملوال وقرنق بدأت في 1985م. ويتهم الكاتب ملوال بمقت قرنق منذ ذلك التاريخ حتى لحظة وفاته، وأنه كان حاضراً في مراسم دفن قرنق في السادس مِن أغسطس 2005م في مدينة جوبا، وأنه وقف أمام قبر جون قرنق وعلى وجهه علامات السعادة، وألقى بالنظرة الأخيرة عليه، ليس حزناً عليه؛ بل ليتأكد أن الذي تم إنزاله إلى القبر هو فعلاً جون قرنق الذي مقته حسبما كتبه إدوارد لينو.
ويختتم إدوارد لينو الفصل العاشر بالقول إن ذات الشخص الآن، هو من يتحكم في الرئيس سلفا كير ميارديت، مشيراً إلى أنه يقود الرئيس سلفا كير إلى قعر الهاوية، واتهمه بالسعي إلى إعادة توحيد شطري السُّودان بعد أن يقضي على الرئيس سلفا كير. كما اتهمه بعرقلة قضية منطقة أبيي، ويؤكد أنه عمل على عناد الرئيس السُّوداني المخلوع عمر البشير، فيما يتعلق بحل قضية منطقة أبيي .. فضلاً، راجع الصفحات (107 – 110).
– شخصية جون قرنق في نظر إدوارد لينو أبيي
في الإضاءات، لا أود أن أركز على تاريخ الحركة الشعبية لتحرير السُّودان وجيشها الذي يرويه إدوارد لينو أبيي في كل فصول الكتاب تقريباً، لأن معظم هذا التاريخ معلوم لكثير مِن المثقفين الموجودين هنا في (الجمبة).
سأركز الآن على شخصية جون قرنق وهي المادة الأساسية في هذا الكتاب من وجهة نظر الكاتب .. قرنق الذي يقول الكاتب إنه رَّجُلٌ عرفه وجلس معه وعمل معه ولديه معه كثيرٌ من التجارب السياسية والعسكرية والرحلات الدبلوماسية إلى الخارج .. قرنق الذي حارب واحداً وعشرين سنةً في الغابة وقضى واحداً وعشرين يوماً في السُّلطة، وكتب عنه كتاباً حوى واحداً وعشرين فصلاً حكى عنه فيه معبراً عن إعجابه الشديد به، وأهدى الكتاب لبنته الصغرى، أتونق قرنق دي مبيور.
يتحدث إدوارد لينو عن جون قرنق دي مبيور كإنسان في المقام الأول، ومِن حيث أنه إنسان يُقَدِّمُه للشَّعْب كشخص متواضع  في الفصل الثاني عشر ، ويُشارك مع القراءة قصة الصلح بين جون قرنق وبونا ملوال في مطلع العام 2003م، إذ كان الرئيس النيجيري الأسبق أولسغون أوباسانجو قد عزم على صنع الصلح بين قرنق وبونا ملوال دون أن يخبرهم بذلك مسبقاً، عن طريق دعوة كُلٌّ منهما إلى أبوجا دون علمهما بوجود أحدهما الآخر في نفس المدينة، حتى وجدوا أنفسهما في غرفة واحدة معاً في أحد الفنادق بالمدينة أمام الرئيس أوباسانجو. وهو صلحاً لم يدم طويلاً، إذ عادت الخصومة سريعاً واستمرت حَتَّى وفاة جون قرنق.
ويذكر إدوارد لينو أبيي أن الرئيس أوباسانجو استلقى على وجهه وبطنه على الأرض، وهي الطريقة التقليدية المتبعة لدى قبيلة يوروبا النيجيرية، عند إجراء عمليات المصالحة بين ألد الخصوم، فسارع كُلٌّ مِن قرنق وبونا ملوال لرفعه من الأرض، لكنه رفض أن ينهض من الأرض إلا بعد أن يتخطاه قرنق وملوال، كدلالة على الصلح، فقفز الاثنان فوق ظهره إلى الجانب الآخر، ثُمَّ نهض مِن الأرض، وخرج ثلاثتهم مِن الغرفة والسعادة مرتسمة بوضوح على وجوههم تأكيداً للصلح. حدث ذلك بحضور الكاتب ودينق ألور في العاصمة النيجيرية في ذلك الوقت أبوجا.
ويسرد إدوارد لينو في الفصل الثاني عشر مِن كتابه بأن جون قرنق كان رَّجُلاً يقود حركة الفقراء، وأنه كان يسيطر على الدعومات المالية المقدمة للحركة الشعبية مِن الأصدقاء والمانحين، ليس حباً منه للمال والسيطرة عليه؛ بل للضمان صرفه في تحقيق الأهداف الاستراتيجية للحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السُّودان، إلا أنه اِتُهِم بأنه بخيل، فتنازل عن إدارة المال، ووكل أمر إدارة المال لأُناس آخرين قاموا بإساءة صرفه لاحقاً حسبما يروي لينو، وقَدَّمَ مثالاً قال فيه إنهم تلقوا مليون دولار أمريكي مِن أبوجا، وأنه سلم المال لشخص اسمه كوال مجاك، وأن ذلك المال جرى صرفه في وقود الطيران، بدلاً مِن انفاقه في وقود السيارات والمحركات ومدرعات الجيش الشعبي في مناطق العمليات العسكرية .. فضلاً، راجع الصفحات (123 – 127).
كما يُقَدِّمُ إدوارد لينو أيضاً جون قرنق لقرائه كسياسي وديمقراطي ومحاربٌ أراد أن بفضى النضال الذي قاده إلى سعادة شعبه، ويؤكد أنه كان يؤمن بأنه إذا لم يفضى النضال إلى تحقيق الحياة الكريمة والسعادة لدى الشَّعْب، فلا جدوى مِن قيادة النضال. لكن المفارقة هي أننا اليوم تعساء وبؤساء ومعدمون على يد المعتقين؟!
لابد مِن فعل شيء سياسياً لتغيير هذا الواقع الاجتماعي والاقتصادي المزري.
ويمضي إدوارد لينو قُدُّمَاً في كتابه متناولاً نمط الحياة الاجتماعية والشخصية لجون قرنق، والتي وصفه بـ”حياة زاهدة”، أي أنه عاش حياة مثل حياة الناسك الزاهد. وهي حياة عاشها جون قرنق بوعي تام وبصورة منتظمة مليئة بقيم النزاهة والأمانة والصدق، وأن تلك الحياة مثلت صعوبة لخصومه في اتهامه بأرتكاب أية أعمال إجرامية أو خيانة الأمانة. وأن أعداءه كانوا يصفون خططه براديكالية أو متطرفة، لكنه كان يصمت حين يحققها – في إشارة إلى أنه كان لا يشمت بخصومه إذا أفلح في إنجاز خططه مقابل اتهاماتهم السابقة له – ويؤكد إدوارد لينو أن خصوم قرنق فشلوا فشلاً ذريعاً في اصطياده عبر النساء والزنا والفسوق، وأنهم فشلوا أيضاً في اتهامه بمعاقرة الخمر أو نصب أو احتيال أو حتى يتهموه بأنه كلن مدخناً. إذ يقول إدوارد لينو إن جون قرنق أقلع عن التدخين حين تولى قيادة الحركة الشعبية لتحرير السُّودان.
أخيراً وليس آخراً، يُقَدِّمُ إدوارد لينو أيضاً شخصية الدكتور جون قرنق كمفكراً أسس حركةً تمثل الفكر بدلاً عن تكون حركة عسكرية تمارس العسكرتاريا والنهب. ويرى لينو أن تأسيس الحركة الشعبية كحركة سياسية تمثل فكراً متقدماً، كان شيئاً جديداً لكثير مِن الجنوبيين. وأشار إلى أنه حَتَّى المثقفين الذين انضموا إلى الحركة الشعبية في السنوات الأُولى مِن تأسيسها، انضموا إليها بدوافع الحصول على المناصب والفوز بالشهرة السياسية، وكسب النفوذ على أبناء قبائلهم، وأن مسألة سعي وراء الفكر لم تكن من دوافع انضمامهم، ويقول كذلك إن بعض النَّاس انضموا إلى الحركة الشعبية للاحتماء بها كحصن يحميهم عن العقوبات القانونية التي هربوا منها بعد ارتكابهم جرائماً شنيعة.
وأخيراً، يُقَدِّمُ إدوارد لينو أبيي جون قرنق كدبلوماسي استطاع تأسيس لعلاقات دبلوماسية متينة مع كثير مِن الدول، منذ نشأة الحركة الشعبية في إثيوبيا، وامتداد تلك العلاقات إلى كل مِن مصر، ليبيا، كوبا، اليمن الجنوبي، زيمبابوي، نامبيا، أوغندا، زائير، كينيا، إريتريا، تشاد، نرويج، ألمانيا، المملكة المتحدة، إيطاليا، جنوب إفريقيا، رواندا وغانا ودول أُخرى كثيرة. وأكثر مِن ذلك، يُقَدِّمُ إدوارد لينو جون قرنق للشباب كإنسان أولاً، وكقائد ومفكر  … صاحب رؤية … شخص متواضع  … اقتصادي … شخص تكتيكي … قائداً أعلى للجيش الشعبي لتحرير السُّودان ورئيساً للحركة الشعبية لتحرير السودان … مثقفاً وعبقرياً … وقارئاً محباً للاطلاع ولا يكل أو يعيأ أن يقرأ … وزائر اًدائماً إلى مكتبة اليونيسكو حيث مجلدات من كتب التاريخ المفيدة … كما يُقَدِّمُهُ كشخص ملم إلماماً تاماً بتاريخ السُّودان منذ الحضارات السودانية القديمة: مملكة كوش والممالك النوبية المسيحية مثل المقرة وعلوة والواوات والنبتة وعلي دينار في دارفور والممالك الإسلامية والسلطنة الزرقاء، ومهتم بالإثنيات الاجتماعية في السُّودان، وملم بتاريخ إفريقيا وأوروبا. كما يُقَدِّمُ إدوارد شخصية جون قرنق كإنسان يجب أن يفخر به الشباب ويتخذوه قدوةً لهم.
إعداد وتقديم
دينقديت أيوك
الأحد 15 أغسطس 2021م
منتدى الجمبة على منصة الكلوب هاوس
dengditayok88@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً