قراءة في كتاب “حياة في السياسة والدبلوماسية السودانية” .. بقلم د. حسن اسماعيل عبيد
12 أغسطس, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
127 زيارة
بقلم د. حسن اسماعيل عبيد/ استاذ جامعة النيلين (سابقاً)
صدر عن مركز عبد الكريم ميرغني عام 2012 كتاب “حياة في السياسة والدبلوماسية السودانية” للبروفسير السفير حسن عابدين والكتاب بكل المقاييس اضافة ثرة للمكتبة العربية وللسودانية تحديداً لاسباب عديدة لعل من اهمها ان الكتاب جمع بين موضوعية المفكر الاكاديمي وحصافة الخبير الدبلوماسي والاهم من ذلك ان الكاتب كاستاذ لعلم التاريخ طوع المنهجية العلمية استناداً على توثيق ومرجعيات استوحاها من مذكرته (يومياته) التي وان حوت معلومات لوقائع واحداث تاريخية الا انه اعادها برؤية فوتوغرافيه لم تغفل لا الزمان ولا المكان ولا الناس.
يقع الكتاب في 342 صفحة من الحجم المتوسط لم يشتمل على ابواب او فصول بل اشتمل على ثمانية محاور او موضوعات …تلت تقديم المؤلف لكتابه مذكراً القارئ ان الكتاب ليس سيرة ذاتية ولا بحثاً اكاديمياً يقتدي بتقنيات البحث العلمي بل شهادة على مواقف واحداث ووقائع وتواتراتجرت في ازمنة تاريخية وفي اماكن مختلفة.. اشتملت بالضرورة على رؤى وحكايا واراء متباينة واحياناً متناقضة..عاصرها الكاتب ليس شاهداً عليها بل مشاركاً فيها..لكنه لم يكن مسؤلاً عنها بحال من الاحوال.
ابتدر حسن عابدين كتابه القيم بحقبة الاستعمار الانجليزي المصري شارحاً جدليه العلاقات المتشابكة بين بريطانيا ومصر وتداعياتها على الحراك السياسي في السودان بدءاً من اعادة احتلال السودان في 1898 حتى اعلان استقلال السودانمن داخل البرلمان في يناير 1956 . ثم عبر بنا الكاتب الى سنوات الدراسة الجامعية والتي تلت مرحلة الدراسة الثانوية في خور طقت حيث استفاق الوعي المعرفي في دهاليز جامعة الخرطوم في عصرها الزاهر كمركز للاشعاع الفكري والعلمي والثقافي ومختبر للتجريب السياسي..وبدأ واضحاً ان تجربة جامعة الخرطوم تركت بصماتها على شخصية حسن عابدين بل ورسمت له بجلاء خط سيره في طريق طويل سار في اتجاهه بخطى كتبت فمشاها راجلاً حتى المنعطف الاخير ولا اقول النهاية.
يدرك القارئ ان المؤلف كان ناطقاً رسمياً بلسان جيل حمل مشاعل الريادة والتقدم في مراحل زهو الصبا وريعان الشباب وتفتح وعيه السياسي مع هبوب رياح اكتوبر عند احتدام جذوة الصراع بين المعسكرات السياسية داخل الجامعه فكان خياره تبني (الوسطية) بل حمل راية التجديد بالنأي عن القطبين اليمين واليسار والطائفية الدينية.. والتيار “المستقل” ظهر كاتجاه فكري تبنى الحرية كفاية والعدالة كحق والديمقراطية كوسيلة ومنهاجاً.. وظل الكاتب الى يومنا هذا يحمل ذات الرايه رغم زخم المتغيرات التي طالت الانظمة والنظريات والتجارب السياسية والوسط للاسف لم يجد حظه في قاموس السياسة السودانية مع ان الانسان السوداني قد يجنح في فترة عمرية ما لليسار او اليمين الا انه يعود كانسان وسطي ثقافة وسلوكاً ..وخياراً.
سرد المؤلف سلسلة من المواقف والتجارب والاسماء ليذكرنا بمجريات اهم حقب التاريخ السياسي المعاصر لبلادنا واثق ان كثيرين مثلي ادهشتهم حصافة ورصانة وموضوعية الطرح وجزالة الاسلوب.. وهاهو يقدم لنا مرافعته عن تاريخ (مايو) قائلاً “ان مشاركته في نظام مايو لا تعفيه من عبء الامانة واوزار واخطاء الممارسة والمشاركة وان برئت ذمته من أي انتهاك لحق خاص او عام” وهذا في يقيني قمة المصداقية..والجرأة.. والشفافية.
عبر حسن عابدين مسلك السياسة كما يقول مروراً باربع محطات كان راكباً في “الدرجة الاولى” في قطار مايو بعد ان فجع في التجربتين الديمقراطيتين (1954-1968) فتطلع الى البديل (الحزب الواحد) ظناً أنه يمثل وعاءاً جامعاً يقطع الطريق امام كهنة الطائفية الدينية وصراعات الاحزاب..ولعل الملايين من السودانيين كانوا على قناعة عندئذٍ أن (ابعاج) جعفر نميريسيقود سفينة الخلاص الى بر الامان فركبوا فيها طلباً للنجاة.. حدث هذا في وقت كانت (الاشتراكية) هي الايدلوجية التي انبهر بها جيل الستينات في دول العالم الثالث لارساء دعائم الحرية والديمقرطية والعدالة الاجتماعية.. الا ان مثالب وحدانية الحزب الواحد وشمولية النظام عادة ما يتحول “الرئيس” الى امبراطور او كما يقول بان الانظمة الشمولية عندما تتمخض تلد دكتاتوراً.. وان سلوك الدكتاتور ينسحب على جميع الرفقاء والاعوان بدرجات مختلفة فيتملك الجميع وهم ان (الرئيس) لا بديل له.. وان النظام مستدام وهم لن تطالهم رياح التغيير!! ولهذا بات الاصلاح مطلباً “ثورة داخل ثورة” لم تجد القبول او حتى الاستحسان في وقت كانت مايو في امس الحاجة الى التجديد في غمار مايو كان حسن عابدين ابن عصره شاباً.. مستنيراً..له قناعاته ويحمل في دواخله فكراً تقدمياً (الاشتراكية الديمقراطية) فاذا بمايو تحيد عن مبادئها وتتحول الى “جمهورية اسلامية” فكانت الشرارة التي اوقدت انتفاضة 6 ابريل 1986 عندئذٍ كان حسن عابدين غادر آخر محطة في قطار مايو مرتحلاً صوب البحر الاحمر ولعدة سنوات.. ولما عاد مجدداً للسودان كان النظام الشمولي الثاني قد حط الرحال في ارض المليون ميل مربع.. كان خيار حسن عابدين ان يعود لجامعة الخرطوم استاذاً للتاريخ.. الا ان “الانقاذ” سعياً لتحسين صورتها وجدت ضالتها فسعت اليه تماماً كما فعلت (مايو) للانضمام لوزارة الخارجية إدراكاً من بعض زملاء الدراسة (الانقاذيون) لكفاءته وخبرته والاهم من ذلك تجرده ووطنيته. انضم بروفسير حسن عابدين للخارجية فعمل سفيراً في الجزائر والعراق وعاد ليشغل منصب وكيل الوزارة قبل ان يكمل رحلته سفيراً للسودان في المملكة المتحدةوفي كتابه طفق المؤلف سارداً بكثير من التفاصيل الدقيقة مجريات الكثير من الوقائع والاحداث التي عاشها في تلك الدول لا يتسع لها حيز المكان ولكن يستدل من مؤشراتها انه من الاكاديمين القلائل الذين بتميزهم اثروا حقل العلاقات الخارجية بانتهاج الطرح العلمي كاسلوب مبتكر في العمل الدبلوماسي وقوامه المصداقية.. والموضوعية وابداء الرأي دون خوف أو تردد..
الكتاب يحفل بذكر كثير من اسماء الشخصيات المرموقة التي التقاها المؤلف من السودانيين وغيرهم الذين لعبوا أدواراً مختلفة في مسرح الحياة السياسية والأدبية والفنية، تناول سيرتهم العطرة بمودة ونبل وسماحة الانسان السوداني لم تخلو صفحات الكتاب عبر التلميح من فقد صريح لمثالب النظم الشمولية ممثلة في تجربتي (مايو) و(الانقاذ) ولم يخفي تبرمه من العديد من المواقف والتصرفات التي نالت من سمعة السودان داخلياً وخارجياً كما صب جام غضبه واستيائه من انهيار النظام التعليمي وتفشي الفساد وحالات اغتصاب المناصب والمراتب والالقاب الاكاديمية فاصبح عسيراً التمييز بينالصدق والزوروبين الحق والباطل .. كما نبه الى الخلل الذي لحق بالدبلوماسية السودانية جراء تغول ما اسماهم رموز (الدبلوماسية الرسالية) الذين افسدوا قيم واعراف ومهام العمل الدبلوماسي والسياسي.. اذ اصبح المستشار (الرسالي) يحتل موقعاً في السفارات السودانية يفوقمكانة السفير!! وتدفع بل وتبطل كل جهد يبذل لتحسين صورة بلادنا في الخارج..اي الدبلوماسية الرسالية.
الديمقراطية هي الحل
سعى حسن عابدين ان يطرح تصوراً لتجاوز اخفاقات الجمهوريتين الاولى (1956-2005) والجمهورية الثانية التي انتهت حسبما يرى عقب توقيع اتفاقية نيفاشا (2011)فهو يرى ان الجمهورية الاولى ..جمهورية الاستقلال استمرت نحو نصف قرن وان من عيوبها أنها فشلت لانها لم تتبنى أي استراتيجية تستمد منها الامة هويتها بتعريف (السودان) ومن ثم لم تتوفر الارادة والمنهجيةلتحديد اهداف واضحة للسياسة الداخلية والخارجية حتى لفظت انفاسها بسبب تفشي الفساد واشتعال نيران الحرب.. وغياب المؤسسية وحال الجمهورية الثانية لا يختلف كثيراً عن سابقتها التي دعت الى مشروعها الحضاري لتأسيس دولة الشريعة ودولة العدل والمساواة وطهارة الحكم والحكام؟! في وقتوالخرطوم تزدهي بالعمارات الاستثمارية الزجاجية والخرسانية وتنامي الشركات الحكومية الوهمية..فضلاً عن القصور والفلل التي نبتت عشوائياً في المنشية وقاردن سيتي وكافوري.. الحي الراقي … وما ادراك ما الحي الراقيكما استطرد المؤلف.
ويتسآل حسن عابدين ويعني بذلك الجمهورية الثانية.. أي جمهورية هذه؟! واي برلمان او مجلس شورى هذا؟! واي مجلس وطني هذا.. في وقت يتلوى فيه عامة الناس من الجوع والحاجة والمرض ثم يقال لهم ان نظامنا يحارب الفقربـ ياسات التخفيف والاستئصال.. وهي مجرد شعارات تدغدغ مشاعر الفقراء لزرع التفاؤل الكذوب في عقولهم وقلوبهم من خلال الوعود بالتمويل الصغير والاصغر.. في وقت تبصر فيه عيون فقراء بلادنا صباح مساء التطاول في البنيان والقصور المشيدة والسيارات الفارهة وحفلات اعراس الملياردات في الصالات الفخيمة والفنادق ذات النجوم الخمس ..ثم نكرر الحديث من قبل ومن بعد “دولة الشريعة ودولة العدل والمساواة وطهارة الحكم والحكام” ص306.. هكذا كان المؤلف جريئاً وصريحاً .. وصادقاً.
حول جمهورية مستدامة
اراد بروفسير حسن عابدين ان لا يختم كتابه القيم الا بطرح نموذج مبتكر للجمهورية المقبلة سواء الثانية او الثالثة في شكل تصور له منطلقات اساسية لعل من اهمها:
اولاً : صياغةدستور جديد لا يحتمل الترقيع او التعديل .. دستور يخلو من الشمولية ويثبت دعائم الديموقراطية وكفالة حقوق الانسان وسيادة القانون لضمان قيام دولة العدالة الاجتماعية والمساواة.
ثانياً : جمهورية برلمانية يمثل رئيس الجمهورية فيها مجرد رمز للدولة وسيادة الامة والكرامة والوحدة الوطنية فيما يكون رئيس الوزراء المنتخب وزعيم الاغلبية البرلمانية المسؤل التنفيذي الاول في الدولة ويخضع هو وحكومته للمحاسبة والتقييم بل للعزل والاقصاء من المنصب بقرار من برلمان الشعب .
ثالثاً : الدعوة الى جمهورية خالية من برلمان الحزب الواحد والرأي الواحد والرئيس الاوحد.
رابعاً : قيام نظام جمهوري نظيف وشفاف ونزيه يتجاوز قصر نظر القيادات الحزبية والعسكرية والادارية لضمان استقرار دائم وتنمية مستدامة.
خامساً : أهمية كتابة تاريخ جديد للسودان بعد انفصال الجنوب لاستشراف افاق المستقبل لسودان الشمال الجديد وتعريفه وتحديد هويته.
سادساً : ضرورة ان يتم استفتاء الشعب السوداني على الدستور الجديد المشمول بقوانين تؤسس للتحول الديمقراطي وتضمن استدامة الديمقراطية حيث لا ديمقراطية مستدامة بلا احزاب ديمقراطية متطورة.
سابعاً : تمكين احزاب لها برامج وسياسات ومبادرات تستلهم من استراتيجية قومية يتفق عليها بالتراضي المجتمعي ويتم ترجمتها الى خطط تشتمل على مشروعات تنموية ومبادرات خلاقة لتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية والعلاقات الخارجية.
ثامناً : ان تفرد الجمهورية الجديدة مساحة لمنظمات المجتمع المدني ودوراً بارزاً للشبابلانه يشكل الاغلبية الصامتة ويمثل القاعدة الصلبة للهرم السكاني في السودانحيث يمكن للشباب واجيال المستقبل التدريب على تحمل المسؤلية في سياق التشبع بثقافة الديمقراطية وقبول الرأي ..والرأي الآخر والتفاعل الخلاق مع المتغيرات والمستجدات المحلية والاقليمية والدولية.
حاشية:
كما سبق القول يعتبر كتاب “حياة في السياسة والدبلوماسية السودانية” ثمرة لجهد فكري غير مسبوق كما يمثل تحريضاً للعديد من الاكاديميين والديبلوماسيين للسير في طريق حسن عابدين (داعية الوسطية الديمقراطية) فهنالك كثيريين دخلوا ميادين الثقافة والفكر والسياسة لكن شاق عليهم لاسباب عديدة كتابة تجربتهم في العمل والحياة.. منهم من غيبه الموت دون ان يترك اثراً وهنالك من ينتظر.. في تقديري ان الكتاب جدير بالقراءة وحري بوزارة الخارجية ان توزعه على منسوبيها في كل سفاراتنا بالخارج باعتبار الكتاب (مدرسة) لان الدروس المستفادة منه تفوق بكثير محاضرات قاعات الدراسة في معهد التدريب الدبلوماسي ..واثق ان من تتاح له قراءة هذا السفر المميز لا يفوته ان يثمن لحسن عابدين..علمه الغزير..مصداقيته.. شجاعته واخلاصه وحبه لبلاده السودان.
drhassanobeid@yahoo.com