قراءة في كتاب د. النُّور حَمَد: “العقل الرَّعَوي .. في استعصاء الإمساك بأسباب التقدُّم” (2/2)

 


 

بلّة البكري
29 نوفمبر, 2022

 

العقل الرعوي: كيف نشأ وتغلَّل في المجتمع، عبر الحِقب، ليقضي على "أصايل الطباع" التي ورثناها من إرثنا الكُوشي الذي سَفَته رياح الغزوات الرعوية؛ وكيف قاد هذا الأمر الى تحجيم مقدرة الإنسان السوداني في مواصلة مسيرته الحضارية التي انقطعت بسقوط ممالكه القديمة: كُوش ونوباتيا ومروي وسوبا.

بقلم: بَلّة البكري (*)
29 نوفمبر 2022

"في داخل الحَلَبة، كما في خارجها، لا عَيبَ في أن تَسقُط أرضاً، إنّما العيب في أن تبقى على الأرض"
بطل الملاكمة العالمي مُحمّد عَلي

مقدّمة

جاء في الجزء الأول من هذا المقال أني بصدد مشاركة القارئ في قرائتي لنص كتاب د. النُّور حمد، الذي صدر مؤخرا عن دار المصورات في السودان بعنوان: "العقل الرّعوي – في استعصاء الإمساك بأسباب التقدّم". وقد نُشِر الجزء الأول من هذا المقال في عدة وسائط في 20 نوفمير 2022. في هذا الجزء الثاني والأخير من المقال سأتعرض، باختصار دون تفصيل، لما جاء في فصول الكتاب الستّة قبل أن أدرج تعليقي على المحتوى في الخلاصة. ولكي تكتمل الصورة للقارئ أوصى بقراءة الجزء الأول من المقال، أولا ما أمكن، خاصة وقد تناول فيه المؤلف، بتركيز، مفهوم (العقل الرعوي) كمصطلح توصيفي لنمط الحياة في المجتمع وعَرّف فيه، بتعليل ومرجعيات لكتاب آخرين، خصائص هذا العقل وتأثيره في تكوين نظرة الفرد لما حوله، فيما يختص بقيمة العمل واحترامه، وتفاعله مع ذلك كله. وكيف أنه ظَلّ لهذا العقل، كما يرى المؤلف، أثرا باقيا في حياتنا شكّل قيدا كبلنا "كأمّة" وقعد بنا عن اللحاق بركب التمدن.

فصول الكتاب

يقع الكتاب في ستة فصول، تحت العناوين الآتية: (1) اعتلال الدولة الوطنية السودانية؛ (2) بنية العقل الجاهلي؛ (3) مفهوم التقدم؛ (4) في إخراج كُوش من العتمة ؛ (5) "من اتفاقية البقط الى مشارف الدولة الحديثة" ؛ و(6) "شواهد العقل الرعوي في حياتنا" .

اعتلال الدولة الوطنية السودانية

في الفصل الأول أورد المؤلف عديد الشواهد على حالة التيه التي يعيشها السودانيون في حاضرهم، والذي تمثّل في العجز التّام في بناء الدولة المدنية الحديثة. وكيف أن وثوب العسكر إلى السلطة، بتواطؤ القوى السياسية، وحكمهم البلاد لأكثر من 50 عاما من جملة سنوات الاستقلال التي قاربت 67 عاما قد تسبب في تعطيل إمساك السودان بأسباب التقدم والتحديث والنهضة؛ بل وخرّب نمو المؤسسات السياسية وحال دون تحقيق التحول الديمقراطي. استشهد المؤلف بكتابات الكثيرين من السودانيين الذين تناولوا حالة التيه هذه من أمثال منصور خالد؛ حيدر ابراهيم؛ أبكر آدم اسماعيل؛ شريف حرير؛ عبد الغفار محمد أحمد، محمد سليمان وآخرين. كما أورد كتابات غير السودانيين مثل جراهام توماس الذي عمل في السودان في السلك الإداري في فترة ما قبل الاستقلال وكتب كتابه الشهير بعنوان "السودان موت حلم".

قارن المؤلف الوضغ ببعض دول الجوار الأفريقي وكيف تغلبت بعض هذه الدول على عثراتها ووضعت خطواتها في طريق النماء.عدّد المؤلف ثمانية جوائح ألمت بالبلاد منذ عصر مملكة مروي الى يومنا هذا والتي بدورها لعبت دوراً رئيسا في ما نحن فيه.

جائحة قبائل النوبا والتي عجلت بانهيار مملكة مروي (800 ق.م . – 350م)
تدفق القبائل العربية الرعوية في القرن الثالث عشر الميلادي
الجائحة الخديوية في بداية القرن التاسع الميلادي
الجائحة المهدوية في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي
الهجرة الداخلية
هجرة السودانيين الى الخارج
الإسلام السياسي
التدين البدوي الوهابي

بنية العقل الجاهلي

بدأ المؤلف هذا الفصل الثاني بالقول أن "الجاهلية" المعروفة في الأدبيات الإسلامية، التي وردت في عددٍ من الآيات القرآنية، لاتعني بالضرورة الجهل، بمعنى نقص المعلومات أو انعدامها، بقدر ما تعني "الزيغ عن طريق الحق، وإيثار الباطل عليه ". وذهب في شبه استقراء تاريخي ليوضح نوازع الخير والشر في النفس البشرية، في مجتمعات شتى، عبر التاريخ. نقرأ في هذا الفصل وسائل التغيير في المجتمع وكيف أنّ للتغيير، فيما يرى المؤلف، طريقان: الوعي الفاعل، الذي ينتظم الجماهير فيخلف فيها الوحدة الصلبة وإرادة التغيير، أو التجارب المريرة التي تطحن الجميع، وتفرض التغيير فرضًا. ونقرأ أن البشرية تتعلم من أخطائها وتجاربها المريرة في مسيرتها المتعثرة بين السلم والحرب. نقرأ فيه أيضا عن "النفس والعقل" والبعد الأخلاقي للتغيير؛ وعن "مقاومة الوعي النبوئي والانحراف عن الغايات النبيلة. كما نقرأ فيه عن نشأة المجتمع وكيف إنه اختراع بشري ورثه الإنسان من مملكة الحيوان وطوّره؛ وعن رحلة الإنسان من الجماعية الى الفردية.

حول مفهوم التقدم

مستشهدا بأقوال المفكر البريطاني جون غراي وكتابه "الممتع" بعنوان "صمت الحيوانات: حول التقدم وغيره من الخرافات الحداثية"، والذي يقول بأن مسار التاريخ ليس خطيّا، يشير المؤلف الى أن الإثنية والقبيلة والعشيرة، تبقى حية تحت قشرة بنية الدولة الحديثة. ويورد في هذا الصدد ما جرى ليوغسلافيا عقب انهيار الشيوعية وكيف ارتدت ، في حرب دول البلقان الأخيرة، عن مفاهيم الأيديولوجيا الشيوعية وأمميتها؛ لتنزلق في مستنقع صراع عرقي، وحشي، عنيف، ارتدت بسببه يوغسلافيا، عبر حروب طاحنة، إلى دويلاتٍ صغيرةٍ، أساسها الأصل العرقي. هنا يشير المؤلف إلى أنّ تجاوز القبلية، والإثنية، والطائفية، عبر ممسكات الحداثة، لا يتم، بالضرورة، تبعا للتقدم الاقتصادي، وتغيُّر علاقات الانتاج، والسير في دروب التحديث. فقد ثبت في النصف الثاني من القرن العشرين، أن القبلية والعشائرية لا زالت حاضرة، ونارها لا زالت متقدة تحت الرماد، رغم سيادة الايديولوجيات، ورغم مفاهيم الحداثة، ورغم تغيُّر علاقات الانتاج، وتقدم المعارف العامة.

هنا يورد المؤلف أمثلة عن كيف قاد البعض على مر التاريخ شعوبهم باسم (الشعبوية والعنصرية) الى الهلاك كما فعل هتلر في ألمانيا وملوسوفتش وكاريدتش في يوغسلافيا القديمة؛ وكما قاد تحريض هابيمانا عبر الراديو للهوتو في رواندا لقتل التوتسي. كما يشير المؤلف هنا الى الدور التحريضي الذي لعبته حديثا صحيفة "الإنتباهة" السودانية تحت إدارة صاحبها الطيّب مصطفي (رحمه الله) في تأجيج نار الكراهية ضد الأنسان في جنوب القطر الموحد وقتها (السودان) بسبب الاختلاف العرقي والديني. هنا يقول المؤلف، وكأنه يستبطن حالنا الراهن: "يمكن لأي ديماغوج، عنصري، أو مهووس دينيا، تحت ظروف بعينها، أن يحول البلاد، برمتها إلى مسرح ضخم، لمجازر مفتوحة، يجري فيها القتل على الهوية. وهو أمر جرى، بالفعل في يوغسلافيا، ورواندا، والعراق، وميانمار، والسودان... ". فالتقدم التقني في نظر المؤلف لم يرافقه ما يلزم من التقدم في النفس البشرية.. في هذا الفصل نقرأ عن صراع البربرة والتمدين وعن الإسلام وعن التأثير الحضاري للبدو المغول وعن الإسلام الكوني (الكوشي) والإسلام الرعوي.

في إخراج كوش من العتمة

هذا فصلٌ شَيّق من الكتاب، غنيٌّ بالمعلومة عن "نوبيا" أو "كوش" والتي كانت لها الريادة في المنطقة الشمالية من الأراضي السودانية منذ آلاف السنين قبل الميلاد، بل جاء أنها غطت ثلاثة قارات. وقد تناستها، عمدا، كتب المؤرخين الذين تسيطر عليهم المركزية الأوربية (المنحازة لتفوق الرجل الأبيض) أو علماء المصريات فيما يبدو والذين عدّوها، كما يقول المؤلف، "كصدى باهت" للحضارة المصرية. ومنها جاءت مملكة كوش النوبية (2500 – 1500 ق.م). هنا في هذا الفصل يزيح المؤلف الستار عن كتاب هام، قديم، لكاتبة أمريكية سوداء اسمها "دورسيلا هيوستن " كتبته في عام 1926م بعنوان: "أثيوبيو الأميراطورية الكوشية القديمة الرائعون". ظلّ هذا الكتاب منسيا أو تمّ تناسيه عمدا فيما يبدو الى أن أصبح حديثا من أهم المصادر عن كوش القديمة وأضاء الكثير من العتمة التي اكتنفت التاريخ الكوشي. هذا ما كان من أمر التاريخ القديم المجهول. أما التاريخ الأحدث لكوش، فقد أضاءه مؤخرا كتاب ويليام آدمز، بعنوان: "النوبة رواق إفريقيا". كذلك كان لكتابات شيخ أنتا ديوب دور هام في تبيان ما خفي من التاريخ الكوشي؛ ويليه جون هنريك كلارك الذي كتب مقدمة كتاب أنتا ديوب "حضارة أم بربرية"

ولا يمكن بالطبع الحديث عن كوش دون ذكر العالم السويسري، تشارلس بُونِيه، والذي تعد اكتشافاته من أهم الاكتشافات في التاريخ الأحدث المعاصر. يشير المؤلف إلى أن تشارلس بُونيه قد أمضى 50 عاما ينقب في آثار مملكة كرمة الكوشية القديمة، في أقصى شمال السودان النيلي. يقول المؤلف: "قدم لكتاب بونيه الذي يحمل نتائج أبحاثه وتنقيبه، البروفيسور بجامعة هارفارد الأمريكية، هنري لويس غيتس، قائلا: لقد بقيت الحضارة المصرية واقعة لقرون في قلب القصة التي نقصها نحن عن المجتمع الغربي وثقافته. ويعني غيتس بذلك، أنهم ظلوا يدمجون، على نحو ما، الحضارة المصرية في حضارة الرجل الأبيض. ويواصل غيتس قائلا: غير أن حفريات تشارلس بونيه أزاحت التراب عن مواقع غير عادية في السودان، وفي مصر أيضا.."

في هذا الفصل نقرأ عن الكوشيون الحاميون والعرب الكوشيون سكان جنوب الجزيرة العربية الأوائل وكيف أن العرب كانوا قديما في السودان أصلا وكيف أن الكوشيين هم أهل ديانات التوحيد الأوائل. هذا الفصل ملئ بالكثير من المعلومات الهامة عن كوش القديمة والكوشيون وتنقلاتهم وحضارتهم التي تعلمت منها حضارة مصر القديمة. وحسنا فعل المؤلف والذي وعد أنه سيتناول (الجذور الكوشية) للثقافة السودانية وللبناء النفسي للشخصية، وتسلسل الروحانية الكوشية، عبر التاريخ، في صيغ مختلفة، كانت آخرها الصيغة الإسلامية الصوفية، في كتاب جديد له ، تحت الإعداد حاليا، يحمل عنوان: "الجذر الكوشي".

من اتفاقية البقط الى مشارف الدولة الحديثة

في هذا الفصل الخامس نقرأ عن رأي المؤلف في ضرورة إعمال التفكير النقدي في النظر إلى (اتفاقية البقط) والتي أبرمت، عام 651م، أثناء خلافة عثمان بن عفان بين مملكة المقرة والدولة الإسلامية وإعادة تقييمها . وهي الاتفاقية التي أبرمها الغازي الأموي، عبد الله بن أبي السرح، مع ملك النوبة. يقول المؤلف: "بعد حرب ضروس عجز ابن أبي السرح أن يكسبها؛ كما أرهقت تلك الحرب، من الجانب الآخر، ملك النوبة، فكانت الاتفاقية مخرجا حسنا لكلا الفريقين." فهل هي التي أتت بصحيح الإسلام للسودان أم سبقها مسلمون. وما هي نسخة الإسلام التي أتت بها هذه الاتقافية. نقرأ في هذا الفصل أيضا عن تأثير الأعراب البدو وعن سِنّار وثلاثة قرون من الحرب؛ وعن قبائل سودانية لا تكف عن القتال؛ وعن الأعراب الذين جاءوا من البدو وليس من مراكز الحضر؛ وكيف أنّ سلطنة الفونج ليست إسلامية كما نظن. كما نقرأ عن صراع القبائل السودانية والحكومة المركزية من عهد مملكة سنار (1504 – 1821م) مرورا بالتركية (1821-1885م) وفترة المهدية
(1885- 1898م).

في هذا الفصل، أيضا، يتناول المؤلف الثورة المهدية وتمرد القبائل عليها وكيف تعامل الخليفة عبدالله (خليفة المهدي) مع هذا التمرد بقسوة. ثم يختم المؤلف هذا الفصل بالقول أن السودان لا زال في مرحلة القبلية، تتحكم في مجريات أموره بنية العقل الرعوي؛ فيقول لقد كرس حكم الاسلامويين للقبلية بصورة غير مسبوقة ودفعواباستعادة الروح القبلي، قدما، فتعدى دائرة الفعل السياسي، ودخل في دائرة الفعل الثقافي مما قاد للارتداد إلى أحضان القبلية، في العديد من تجليات ثقافة مجتمعات الوسط النيلي في المجال العام.

شواهد العقل الرعوي في حياتنا

في الفصل السادس والأخير من الكتاب، وهو فصل طويل نسبيا، يورد المؤلف الكثير من الظواهر السالبة في المجتمع السوداني، والتي تتمظهر في سلوك الناس في المجتمع، أفرادا وأسرا، والمسئولين في الحكومة، كأدلة على سطوة العقل الرعوي وكشواهد له في حياتنا، في تقديره، نوردها أدناه باختصار:

رعوية القبيلة الإسلاموية
أخطبوط الربح
مظاهر تسليع الزواج
إيجار الصالات
مظاهر تسليع التعليم
بدع حفلات التخريج
علل المجتمع
التعدي على الحيز العام
دكاكين في الشارع العام
التعدي على الساحات العامة
تدليل الذات من المال العام
سايفون وسبتك تانك لكل بيت
التردي في الخدمة المدنية
القيادة العدوانية للمركبات
الزمن الرعوي والأزمنة الحديثة
تضخيم الأنا كعلة رعوية

في الخاتمة والتي هي جزء من الفصل السادس، يقول المؤلف إن مشكلتنا في السودان هي مشكلة "سياسات" وليست مشكلة "سياسة". ويواصل في القول: "نحن نعتقد أن السياسة سوف تحل مشاكلنا، فننخرط بكثرة في الناشطية السياسية، ونهمل التفكير، ونغرق في النزاع غير المنتج. وقد ظللنا نمارس هذه الناشطية السياسية منذ الاستقلال. لكن، لم يمر علينا، على الاطلاق، يومٌ كان أفضل من سابقه، منذ الاستقلال. ورغم هذه الحقيقة الصادمة، لا نتوقف لنفكر، أو لنعيد النظر في تاريخنا المكتوب، أو لننظر لحالتنا من حيث قلة الكسب، وقلة القدرة على الحفاظ على ما تحقق في مضمار الاستقرار، والبناء، والتقدم، والتمدن، والصقل، والتهذيب".

خلاصة وتعليق

يثير هذا الكتاب، فيما نرى، قضية جوهرية مُلِحّة في السودان، والذي يعاني في مخاض (التغيير) دون هدي؛ خاصةً ونحن نرى تكالب ذات الفلول، التي قعدت به كل هذه السنين، وهي تتأهب للإمساك بمفاصله مجددا وكأن ثورة ديسمبر 2018م التي أطاحت بهم لم تحدث أصلا. القضية الجوهرية هي كيف ولماذا عجزنا عن الإمساك بأسباب الحداثة والتقدّم، مثل بقية الأمم؟ قضية جوهرية تطرح سؤالا مفتاحيا يبتعي الإجابة عليه الآن. في هذا الصدد يقول المؤلف :"التساؤل حول إمساك البداوة ببنية العقل العربي، والحؤول بينه وبين الامساك بجوهر الحداثة، ليس جديدًا. فالسؤال الشهير: "لماذا تقدموا، وتخلفنا؟"سؤالٌ قديمٌ ظل يُطرح منذ بدايات ما سُمي ب "النهضة العربية". ثمّ يورد نصا لعالم الاجتماع العراقي علي الوردي، الذي ورد ذكره في عدّة مواضع في الكتاب، حيث يقول الوردي: "إن المجتمع العربي هو أكبر مَعينٍ للبداوة في العالم، وإن التناقض بين الحضارة والبداوة كبير؛ فإما أن نكون متحضرين، أو نعود إلى الصحراء. فلا انتقاء، ولا توافق، ولا انسجام بين قيم الحضارة والبداوة. فسمات البداوة هي القبيلة – الغزو – التفضُّل، (الذي يشمل الكرم والسخاء والنخوة وغيرها). أما الحضارة فهي على العكس من ذلك تمامًا، فهي الدولة، والعمل اليدوي،وعدم الاعتماد على قيم التفضُّل.."

في هذا السفر، يسلك المؤلف، بشجاعة، فيما نرى، طريقا غير مألوف في فضائنا الثقافي السوداني؛ يستفز ذكاء القارئ ويحفّزه على التفكير وطرح الأسئلة الصعبة، خارج حدود المألوف. ومن تعليقات بعض القراء على الجزء الأول من هذا المقال، جاء من أحدهم (ط.ع.) قوله: “هذا (يقصد الكتاب) بلا شك جهد يستحق التأني في قراءته" وأضاف بأن المؤلف (د. النُّور حمد) له الشجاعة في طرح الجديد من الأفكار، مشيرا الى أنّ البداوة وتأثيرها في إقعاد المجتمعات قد تناوله عالم الإجتماع العراقي علي الوردي والذي أشار الى التناشز الاجتماعي وازدواج الشخصية بسبب البداوة وانعكاسها على المجتمع. وقال أن الوردي (والذي يري بفكرة القطيعة مع التراث) قد قدّم الفكر الليبرالي للخروج من حالة البدواة وصراعها مع الحضارة. هذا بخلاف المؤلف (د. التّور حمد) الذي لا يرى، ربما، الابتعاد عن الفكر الديني؛ بل لعله من أنصار فكرة المؤالفة ما بين (العلمانية) والدِّين. فهل من مزيد إيضاح منه، في هذا الصدد، خاصة للذين يرون أن (العلمانية) و(الدِّين) نقيضان لا يجتمعان؟ بل هناك من يرى أن عدم القدرة على التفكير خارج إطار (الفكر الديني) هو وجه من وجوه البداوة أيضا! يقودنا هذا الأمر الى صراع الفرد العربي، والسوداني في داخله بالطبع ، ما بين التراث (بما فيه القيم الدينية) وأسباب التقدّم. فهل محاولة التوفيق ما بينهما تظل محاولة لا طائل منها ودونها القطيعة التّامة مع التراث؛ وما إذا كان هذا ممكنا من حيث التطبيق؟

وجاءني من قارئ آخر (أ. ش.) شغوفٌ، مثل الكثيرين، ب (التغيير) ومشغولٌ به متسائلا: هل يمكن أن تُعزى كل المصائب على مستوى إدارة الدولة السودانية، منذ الاستقلال حتى تاريخه، إلى عامل واحد هو "العقل الرعوي" في الفهم والممارسة أم هناك عوامل أخرى تماثله في الأثر أو ربما تفوقه؟ وماهي أولى خطوات الخروج من هذا المأزق؟ من أين نبدأ: هل على مستوى الفرد أم على مستوى الجماعة والمجتمع؟ هل على مستوى البناء السياسي والتنظيمى (علماني) أم البناء (الدينى) أو بناء ثالث هجين (علماني/ديني)؟

الملخص لفصول الكتاب الذي أورته أعلاه، في هذا المقال، لا يغني، إطلاقا، عن القراءة الكاملة للكتاب بل لعله يقصِّر عن الإحاطة التّامة بكل ما جاء فيه من مادة غنية بعلوم التاريخ والإجتماع وشتى المعارف. مُلفت للنظر هنا عدد المراجع التي أشار اليها المؤلف، في سفره الذي بين أيدينا، وقد قاربت المائة مرجع والتي تقف دليلا على جهدٍ بحثي معتبر، تمّ بذله في إعداد مادة هذا الكتاب. فتحس وأنت تقرأ هذا السفر وكأنك تقرأ من خلاله لعدّة كتاب ومفكرين، في ذات الموضوع، من السودان ومختلف البلدان والثقافات العربية وغيرها ومن العالم الغربي بشقيه الأمريكي والأوربي. فهناك، على سبيل المثال، إحالات عن آراء عبد الرحمن بن خلدون؛ نيكولو ميكافيللي، براترند رَسِل؛ والتر هفنتون؛ علي الوردي؛ أرنولد توينبي؛ علاء الدين الأعرجي؛ روبرت إدوين؛ روبرت رالي؛ فيليب حِتِّي؛ والتر ريمون أقارد؛ جمال عبد الرحيم؛ رافائيل باتاي؛ دروسيلا هيوستن؛ تشارلز بونيه؛ هنري لويس غيتس؛ شيخ أنتا ديوب؛ جون هنريك كلارك؛ هادي العلوي؛ محمد عابد الجابري؛ خلدون النقيب؛ جواد علي؛ برايان تيرنر؛ مارك مورتز؛ الأستاذ محمود محمد طه؛ عبدالله الطيّب؛ طه حسين؛ منصور خالد؛ شريف حرير؛ تيرجي تفيديت؛ محمد أبوالقاسم حاج حمد؛ مصطفى مسعد؛ أحمد الياس حسين؛ محمد سعيد القدّال؛ محمد محجوب مالك؛ يوسف ميخائيل؛ أ.ب. ثيوبولد؛ جاي سبولدينق؛ هارولد ماكمايكل؛ ويليام آدمز؛ جون غراي؛ غراهام توماس؛ ابن عساكر؛آلدن يونغ؛ فرانسيس دينج؛ حيدر إبراهيم؛ عطا البطحاني؛ عارف المخلافي؛ ديدار فوزي ريسانو؛ يوسف محمد علي؛ أبّكر آدم اسماعيل؛ بيتر وودوارد؛ محمد سليمان وآخرين.
ballah.el.bakry@gmail.com
- النهاية -

(*) الكاتب مهندس (CEng FICE)/ كاتب مستقل في الشأن السوداني

 

آراء