بسم الله الرحمن الرحيم
يستهويني الحديث عن السودان وتاريخه السياسي الحديث ، ربما لأني شهدت معظم حلقاته منذ أربعينيات القرن الماضي ، وشاء الله أن أعايش تقلباته ، مشاهدا وملازما لوالدي رحمه الله ، الذي ترك العمل الحكومي في عز رونقه ، وتفرغ باختياره للعمل السياسي برفقة من جاهروا بدعوة ( السودان للسودانيين ) سعياً وراء استعادة استقلال الوطن من غاصبيه البريطانيين والمصريين ، ولمجابهة من رأوا في أربعينيات القرن الماضي أن الخلاص من الإستعمار البريطاني يبرر القبول ، ولو مؤقتاً ، بالتاج المصري وبالملك فاروق ملكاً علي مصر والسودان . لهذا اهتممت كثيراً بقراءة كتاب السيد / فضل النور الذي يحمل عنواناً جاذباً وهو : ( من أجل التوثيق للسودان ) الذي صدر عن شركة أمازون العالمية في يوليو 2018م.
ويأتي الاهتمام من إتفاق عام علي أن تاريخ السودان ينقصه التوثيق الدقيق ، وتنتظره إعادة القراءة ، بخاصة بعد ما ظهر من غرض ومرض في الكثير مما صدر من كتابات ووثائق مزورة . لكني تساءلت في نفسي عن ماذا يستطيع فضل النور أن يقدم وهو ليس بالأكاديمي أو المؤرخ ، وليس بالكاتب الذي له باع في مجال الكتابات السياسية والتاريخية ، ولم أعرف عنه مسبقاً غير إهتماماته بكتابة الأشعار السياسية والاجتماعية ، خاصة باللغة الدارجة ، بالإضافة الي إنغماسه في مستويات شبابية في حزب الأمة وهيئة شؤون الأنصار ، لكنها لم تخرج كثيراً عن إطار تلقي التعليمات وتوصيلها بحذافيرها ، ودفع ثمن ذلك سجوناً وتشريداً وقطع معايش !!!
بهذه التحفظات المبدئية، جلست لقراءة الكتاب بعقل مفتوح ، وسبحت عبر صفحاته المائة وخمسة وتسعين بإندهاشٍ ظل يتزايد مع إبحاري في متن الكتاب ، رغم ما أحدثه صغر حروف الكتاب من إرهاق للنظر !!!. فالأسلوب سلس وراقٍ جداً ، والتبويب من أفضل مايكون ، والكتاب يبهرك بكونه يكاد يكون خالياً من الأخطاء اللغوية والطباعية . وطريقة السرد الممتعة جعلتني أجلس الساعات مواصلاً القراءة غير عابئ بصرخات الظهر والرقبة وغضا ريفهما ، متوقفاً فقط للتأمل في معلومة جديدة ،أو في حادثة لم تحفظها الذاكرة أو في مواقف ما حسبت أنها تحدث في أرض الواقع بين رئيس و مرؤوس تربط بينهما قداسة ظننتها غير قابلة للإختراق.
ليس غرضي تلخيص الكتاب فهو جدير بالقراءة الكاملة ، وسأكتفي ببعض الإضاءات والملاحظات . فهو يبدأ بخلفية تاريخية عن الأسرة التي يتضح أن لها علاقة بأسرة المهدي الكبير ولهذا فهي أسرة أنصارية صميمة إلتزمت العقيدة المهدية عبر أجيالها المتعاقبة ، حباً وثقة ، وليس طمعاً أو جرياً وراء مكاسب دنيوية ، وعانت في ذلك الكثير ، ولا تزال تعاني ، ولكن بإختيارٍ ورضى . إنها أسرة مكافحة وطموحة معيشياً وعلمياً ، والمؤلف سعى حثيثاً جداً لمواصلة تعليمه إلى أقصى مراحله ولكن كانت تتعثر خطواته ، لأسباب حياتية أو سياسية و كان دائماً يقابل ذلك برضى ، ويبحث عن البدائل ، ولا يهتم للخيبات ، ولا تغره النجاحات ، وكان تأمين العيش الكريم لأسرته هو شغله الشاغل منذ نعومة أظفاره.
تعرض الكاتب لظروف تكوين حزب الأمة في أربعينيات القرن العشرين وأشار لكثير مما أصاب الحزب من نكبات ونكسات وهو يجاهد من أجل الحصول على إستقلال ضاع في غفلة من الزمان ، حتى غيض الله له الإمام عبدالرحمن المهدي ليرفع رايته مع الآخرين ليعود السودان دولة حرة ومستقلة . وهنا يذكر الكاتب بعض الحوادث الدامية التي شهدتها المسيرة السياسية للحزب مثل حوادث مارس عام 1954م التي نتجت عن سوء فهم وتقدير للسلطات يوم إستقبال الرئيس المصري محمد نجيب في الخرطوم ، التي أتاها ليحضر إفتتاح البرلمان الأول الذي كان يُخشى أن يقود البلاد إلى وحدة إندماجية مع مصر ، لأن الإتحاديين كانوا يسيطرون نيابياً على البرلمان ، فأراد حزب الأمة أن يُسمع حاكم مصر صوتاً شعبياً ينادي بالإستقلال فحدث ما حدث. لكن أظن أن الكاتب لم يعطي هذه الحادثة المحورية حقها بالتفصيل وآخذ عليه أنه لم يوفيها حقها التاريخي والسياسي ، كما آخذ عليه أيضاً أنه لم يذكر إسم الوالد أمين التوم كأحد الذين إعتقلوا ظلماً يومذاك ، وتعرض مع آخرين لمحاكمات طويلة وظالمة ، نحمد الله أنه خرج منها بحكم البراءة لأنه تم إعتقاله قبل الحوادث ، بل قبل وصول الموكب ، ولكن جاؤوا للمحكمة بشهود زور أدوا القسم على المصحف بأنهم رأوا الوالد أثناء المعركة وهو يشجع الأنصار على قتل الشرطة . ولكن أنقذ الوالد دفتر يوميات البوليس الذي أثبت بالساعة والدقيقة أن الإعتقال تم قبل فترة طويلة من الأحداث الدامية . كذلك آخذ على المؤلف عدم ذكره للسيدين على فرح وهبوية اللذين حوكما في تلك الحوادث.
بالإضافة إلي ذلك تعرض المؤلف إلى حادثة دامية أخرى هي حادثة المولد النبوي الشريف التي كانت خلال حكم الفريق عبود وأدت إلى إستشهاد عدد من أبناء الأنصار بالقرب من ساحة المولد في أم درمان- لقد قدم الكاتب تفاصيل دقيقة عن تلك الحادثة بصفته شاهد عيان ، مبيناً أن تلك الحادثة كانت نقطة تحوٌّل في صراع الإمام الصديق المهدي مع نظام عبود العسكري الذي إنتهى بكل أسف بإصابة الإمام الصديق بذبحة صدرية عجلت بوفاته في وقت كان الناس والوطن أحوج ما يكونون لقيادته معارضة النظام العسكري، وفي وقت كان كل القادة السياسيين الرئيسيين من كل الأحزاب معتقلين في مدينة جوبا بعد رفعهم مذكرة شديدة اللهجة تطالب العسكر بالعودة إلى ثكناتهم .
يبين الكاتب أن الإمام الصديق المهدي تبادل العديد من الرسائل والمذكرات مع حكومة عبود . وأعتقد أن كتاب السيد فضل له أهمية علمية وتاريخية خاصة لأنه يحتوي على العديد من تلك المذكرات والرسائل التي تبادلها الإمام الصديق مع العسكريين بإسم المعارضة . ومن الملفت جداً وجود تلك المذكرات والرسائل بنصوصها ، وظننت أنها مكتوبة من الذاكرة ، مما قد يشكك في صحتها أو دقتها . ولكن بتتبع حياة ونشاطات المؤلف ، يتضح أنه كان من المسؤولين عن نسخ تلك المذكرات والرسائل وتوزيعها علي نطاق واسع ، إعلاماً للشعب ولمؤسساته الحزبية والنقابية ، ولهذا أظن أنه ليس غريباً أن يكون محتفظاً بنسخ من تلك الوثائق فأثرى بها كتابه وزاده قيمة توثيقية وتاريخية .
يتضح من تلك الرسائل ، ان الإمام الصديق دخل في تفاوض مباشر مع العسكريين قاده من جانب العسكريين كل من طلعت فريد والمقبول الأمين الحاج وذلك في الفترة التي كان فيها قادة المعارضة السياسيين معتقلين في مدينة جوبا بجنوب السودان . ولكن لفت نظري في الكتاب شيئان اندهشت لهما ولم يكن لي بهما معرفة سابقة . الشئ الاول هو أن الامام الصديق في لقاءاته مع العسكريين لم يكن يطالب بعودة العسكريين الي ثكناتهم بل كان يرمي الي إقناعهم بإشراك مدنيين في الحكم ، أي إنه لم يكن يطالب بإزالة كاملة وفورية للعسكر من دست الحكم .هذه معلومه أدهشتني وأغضبنتي فلقد كنت يومئذٍ طالبا في جامعة الخرطوم وكنا جزءً من الحراك الشعبي المنادي بإزالة كاملة وفورية لحكم عبود العسكري . ولكن الحمدلله الكتاب يثبت أن العسكر لم يستجيبوا لذلك الطلب الذي أعتقد أنه لم يكن يعبر عن المطلب الحقيقي للشعب وللقادة الذين كانوا قابعين في معتقل جوبا بجنوب السودان .
الشئ الثاني الذي أدهشني في تلك المفاوضات هو اللؤم الشديد الذي أبداه المقبول الأمين الحاج في تعامله مع الإمام الصديق وإصراره علي القول بأن ( الجيش إستولي علي الحكم بالقوة، ولن يعود بالمذكرات )مشيراً بذلك الي المذكرات التي رفعها الإمام الصديق إنابة عن المعارضة السياسية ، ومتناسياً أن تسلُّم الجيش للحكم كان مجرد عملية تسليم وتسلم ، ذلك الخطأ التاريخي غير المبرر الذي وقع فيه الأميرالاى عبدالله خليل الذي كان عندئذٍ رئيساً مدنياً للوزراء ، في ظل حكم ديمقراطي برلماني . ليس هذا فحسب ، بل إن المقبول الأمين الحاج في آخر لقاء لهم مع الإمام الصديق قال بوقاحة للإمام الصديق ( إن الثورة لا تراك تقدر مكانتك كزعيم ديني وأنك تحتضن مجموعة من المخربين ) !!! مع كل مايستبطن هذه الكلمات من تهديد شخصي وعام . وكان ذلك في آخر لقاء مباشر بينهم لم يبقي بعده الامام الصديق طويلاً وتوفي فجأة تاركاً وراءه فراغاً كبيراً في السودان ، ونخبة سياسية بعيدة في معتقلات جوبا بجنوب السودان – لكنهم صمدوا وأجبروا العسكر علي إطلاق سراحهم وعادوا لقيادة سفينة المعارضة حتي توجوا كفاحهم بالنصر في ثورة أكتوبر المجيدة .
بجانب مثل هذه الشذرات العامة ، وثق الكاتب لبعض تجاربه الخاصة في الخدمة العامة بعد نجاح ثورة اكتوبر وعودة الحكم المدني . فلقد عمل سكرتيراً تنفيذياً لبعض وزراء الداخلية بدعوة وإصرار منهم . عمل مع السيدين احمد المهدي وعبدالله عبدالرحمن نقدالله كوزراء للداخلية وخرج من تلك التجارب بخبرات ودروس يوضحها الكاتب ، وترك بصمات إيجابية دعت أركان الخدمة العامة بوزارة الداخلية الي محاولة استيعابه بشكل دائم كضابط شرطة برتبة عاليه لكنه رفض ذلك يإباء خوفاً من أن يحسب ذلك سلباً علي حزب الأمة الذي ينتمي اليه ، مضيعاً بذلك على نفسه فرصاً لايقوى علي ضياعها إلا من كان في قوة وشكيمة فضل النور ود الأمير جابر .
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم