قرية سنقتة تحالف البرتقال والدم (2/3) .. بقلم: محمد صالح عبد الله يس
3 مارس, 2019
المزيد من المقالات, منبر الرأي
34 زيارة
سنقتة قرية عامرة بالبساتين والحقول الوضاء فيها تتمدد كبساط وشيٍ شديد الاخضرار علي مد البصر. تنام في أمان التداخل بين سهول مرة ومرتفعاتها يأتها رزقها رغدا ، الحياة فيها سهلة وبسيطة .الناس فيها اسرة واحدة تربطهم علائق متينة يلتقون في مائدة عامرةً (بعد صلاة المغرب في الضراء ) وسط القرية يتبادلون اخبار الحياة الخاصة يتذاكرون مناسباتهم الاجتماعية من نفير وحصاد وزواج وختان فالضراء عندهم مؤسسة راسخة التقاليد فيها تنعقد الحوارات وتدار شئون القرية. وفي الليالي المقمرة يتحول الي ورشة عامرة لنسج العناقريب وتركيب السروج وفتل الحبال .لم يكن أطفال سنقتة بعيدين عن هذه الأجواء فتراهم ينتبذون مكانا قصيا من الضراء فمنهم من يبحث عن شليل وسط تلك الارض المعشبة المخضرة وآخر يشمر سراويله استعدادا للحكوا ليهرب بقدم واحدة تجاه الميس او المورد ،أما الصغار فيظلون يركضون خلف اخوتهم الكبار حتي يدرك بعضهم النصب والنعاس فيروحون في سبات عميق . أهالي سنقتة لا شان لهم بالسياسة ولا يهتمون بالحكومة اخر عهد لهم بالحكومة عندما ارسل اليهم حاكم زالنجي الإنجليزي (باستيلوا ) خطابا لحضور استقبال الحاكم العام في فبراير من العام 1952 حيث ترأس وفدهم الي هناك ( أُو ا هارون دملج سنقتة ) ومعهم القوني أتيم امام المسجد ومفتي القرية وقاضيها وثلاثة من أكابر الاجاويد ، كانت تلك اول وآخر مرة راي فيها ممثليهم السلطة الحكومة والصولجان .
احيانا تصلهم اخبار متقطة عن مظاهرات اندلعت في دار صباح يخبرهم بها بعض شباب القرية الذين يستمعون الي الي الإذاعة السودانية ويستمعون الي نشرة إذاعة لندن او بعض المحطات الاخري بعض شبابها يسافرون الي مدينة كاس ونرتتي من اجل التعليم وبعضهم تنقله المقادير الي مركز زالنجي حيث المدرسة الأميرية التي يتنافس فيها الطلاب لدخول مدرسة الفاشر الثانوية او خور طقت او وادي سيدنا . لا يسالون عن احد ولا يهمهم اغتيال جون كنيدي ولا اغتيال انيديرا غاني ولا حريق طائرة قرنق فالكل ميسر لما خلق له ، ولايابهون لما يستمعون طالما ان مفتش الوقاية الطيب ابو فلجة احضر مبيد الحشرات والآفات فهو اهم شخص يعرفونه بالرغم ان هناك افندي اخر هو المعاون الصحي الذي يقضي أيام وأسابيع ولا يزوره احد فالجميع أصحاء فكم اجتهد المعاون الصحي في إقناع الأهالي. بتناول حبة الغدة الدرقية للوقاية فيضطر احيانا الاستعانة بقيادات المجتمع المحلي لاقناع الأهالي بجدي تناول هذ الحبوب .معظم الأهالي الذين يتعرضون لوعكات يستعينون بالفقراء الذين يطببون الناس بالمحاية او البخرات اما الحالات المستعصية يتم تحويلها الي الشيوخ الكبار الذين يجيدون كتابة البخرات والقلاعيذ وهي أواخر سور القران (قل أوعد برب الفلق وقل اعوذ برب الناس وقل هو الله احد) لا توجد بالقرية سيارات اللهم الا سيارة سم الجراد التي تزورهم في مواسم الخريف والحصاد فالطرق وعرة يصعب اختراقها فسيارته هي السيارة الوحيدة التي يعرفها مواطني سنقته وهو الافندي الوحيد الذي يعترفون بوظيفته ويكنون له حبا ولا يلقون بالا لبقية الموظفين. لا يحسبون ولا يهتمون الأرقام التي تتجاوز أصابع اليد يؤرخون حياتهم بالظواهر الطبيعية شانهم شان أهل دارفور سبت اخضر واحد جمعة وخميس عين الشمس وأربعاء ام قيني لديهم شهورهم الخاصة ويحسبون رجب وشهر شعبان الذي بعده رمضان ويطلقون عليه شهر قصير يصومون بالرؤية ويفطرون بالرؤية يعرفون تفاصيل المطر والمواسم بالنجوم والتريا ويصلون الفجر بصياح الديك ولهم ظهران الأول يطلقون عليه الظهر الكبير عندما تتعامد الشمس أما الطهر الصغير فهو العصر الذي يقيسونه بظل الأشجار وميلانها ولديهم عشائين الصغير وهو المغرب والعشاء الكبير وهي الفترة الممتدة من بعص غياب التريا وحتي الأذان الأول
كانت مؤسسات سنقتة الثلاثة هي التي يتحاكم اليها الأهالي فالمسجد والضراء وشجرة الاجاويد هي مؤسسات لها خصوصيتها وقدسيتها .
هذه صورة تقريبية للحياة في هذه القرية وتقول الروايات الشفهية ان سنقتة تأسست في العام 1860 عقب صراع اسري خرجت مغاضبة من منطقة روكروا الواقعة في سفح جبل مرة ولم تنجح محاولات الاجاويد عن اثنائهم في البقاء هناك .
في ليلة طامسة الأنجم ارسل الدملج (أوا هرون ) احد ابنائة ليستدعي خمسة من أكابر الاجاويد لا جتماع هام وضروري فهرع خمستهم الي منزل الدملج وبعد التحية والمجاملة اخبرهم الدملج ان هناك مجموعة من الشباب يتبعون لعبد الواحد محمد نور قائد حركة تحرير السودان وصلوا الي القرية بأرجلهم املا في استقطاب بعض الشباب للانضمام للحركة وبعد حوار طويل خرج الاجتماع بقرار طالبوا فيه الدملج بالاستيثاق وبث العيون والبصاصين ليوفروا معلومات عن هذا الخبروهم يعتقدون ان هذا الخبر غير صحيح فالقرية صغيرة وهؤلاء الشباب جاؤا لقضاء العطلة المدرسية ليس الا.
بعد يومين استطاع الدملج ان يتحصل علي معلومات مفادها ان هؤلاء الشاب وصلوا الي القرية لتحذير الأهالي من مغبة هجوم وشيك علي القرية من قبل قوات الجنجويد الذين جندتهم الحكومة وجاءت بهم من غرب أفريقيا لمساعدتها في دحر التمرد الذي اندلع في معظم ارجاء الإقليم
في يوم الخميس في الرابع من ابريل 2002وبينما كان سكان القرية في طريقهم لتلبية نفير ا لاحد مزارع الأيتام خرجوا مبكرين واستودعوا القرية بعض اولي الاربة من الشيوخ والنساء ومعهم بعض الأطفال الصغار ليقضوا أوقاتهم في اللعب ويرعون بعضهم لم يكن احدا في سنقته يعتقد ان هذا اليوم سيحمل اسم القرية ويضعها في شرفة التاريخ ويخلدها في صفحات السودان السوداء
ظهر في الأفق غبار اسود كثيف من بين ثنيات الجبل غربي القرية فانتبه اليه بعض الصغار وظنوه اعصارا عابرا وماهي لحظات حتي اكتملت الصورة وظهرت ملامح أشخاص بعضهم علي ظهور الإبل واخرون علي الجياد داهمو القرية باسلحة نارية اجهزوا علي كبار السن بحرابهم واسنة رماحمهم ومن بقيت فيه روح أزهقوها بالأعيرة النارية جمعوا الأطفال في زريبة من زرائب البقر ثم اشعلوا فوقهم النار.
بلغ عدد الشهداء من الأطفال اثنتان وعشرون شهيدا أعمارهم تتراوح بين الثالثة والثامنة واستشهد من النساء سبعة عشر ة امرأة وعددا من الشيوخ الطاعنين في السن بينهم خمسة مصابون بالعمي وأربعة من ذوي الحاجات الخاصة .
بعد انتهاء العملية دخلوا المساكن والبيوت وبحثوا عن كل غالٍ ونفيس فنهبوا أسورة العاج والسوميت وأقراط النساء والحلي المضمومة والمتوارثة منذ عشرات السنين اخذوا السكسك وعقود السوميت المرصعة بالذهب جمعوا الأواني الفاخرة المصنوعة من النحاس وبعض أدوات الطبخ الثمينة حملوا رواحلهم بصفائح العسل والسمن واللحم المجفف من قديد الصيد .ثم امر قائد التجريده زبانيته ان يشعلواا النار فيما تبقي من أطلال القرية ولم تسلم المصاحف والمتون القديمة والاواني الفخارية العتيقة وتحولت القرية في سحابة من ضحي الي انقاض وهشيم ورُمتةٍ وعوالي حملت الريح رمادها وذرته في جب سحيق . ثم خرج الجناة في طابور عرض ضخم وعادوا بذات الطريق الذي دخلوا به وتشاء المقادير ان يراهم احد الناجين من هذه المجزرة كان خرج لقضاء بعض حاجته فهو مقعد يزحف علي أربعة لمح الغزاة اثناء تسللهم للقرية فاختفي بين الأشجار وأخذ يراقب تحركاتهم في حذر شديد ورسم صورة كاملة للذي حدث وهو الشاهد الوحيد في هذه الجريمة البشعة . ونواصل
ms.yaseen5@gmail.com
//////////////////