قرية سنقتة تحالف البرتقال والدم ( 3–3) … بقلم: محمد صالح عبد الله يس
10 مارس, 2019
المزيد من المقالات, منبر الرأي
27 زيارة
ولما كان الحدث مرعبا تدافعت المنظمات الأجنبية والحقوقية وبدات في اغاثة من تبقي من أهل القرية علي قيد الحياة فقد عاد الجميع ودجلة الليل قد غطي القرية وظلت بعض أكوام الرماد تفصح عن جمرها المخبأ تحت الرماد وأصبح كل فرد يبحث عن بيته وعشه فقد غير الحريق وبدل الامكنه وأصبح من العسير ان يتعرف الشخص علي داره بدأوا يجمعون رفاة شهدائهم ويضعونها في خرق بالية فقد تفحمت الجثث وأصبح من الصعوبة بمكان تميزها حتي وان ميزوها فليست لها قيمة فقد تفحمت الاجساد وتحولت الي رفاة ورماد جلس الجميع كل علي رماد منزله يتامل ويفكر بحسرة وألم لما حل بالقرية لا احد يعرف ماحدث ولا تفسير لما جري .
عند شروق الشمس ظهرت ملامح القرية الحقيقية وتفرس الجميع ماحل من خراب ودمار وبدأو يبحثون في الأنقاض والأثمال البالية علهم يعثرون علي بقايا حطام اومدخرات استعصت علي النار التهامها ولكن خابت امالهم فقد جمعت الغزاة النفائس من ذهب وخرائد ثم اشعلوا النيران في بيادر القرية لم يجد احدا شيئا اللهم الابعض ذوي الحظ عثروا علي رؤس فؤس ومناجل بعد ان التهمت النيران اعوادها وتركتها ذكري لمن أراد ان يتذكر
وصلت منظمات الإغاثة حاملة معها بعض الخيام والاغذية وبعض الاغطية وبدأت تجمع مع الاهالي اصابع الموتي وبعض ارجل الاغنام وحمل رجال القرية رفاة ذويهم وصلوا عليها وحفروا لها مقبرة ضخمة ثم دفنوها ثم أقاموا مأتما جماعيا تداعت له أهل القري المجاورة .
مجموعة من الشباب ذهبوا لمخافر الشرطة ودونوا لديها بلاغا لكن احدا من رجالها لم يزور القرية للتعرف علي الذي جري واكتفوا بحفظ البلاغ ولم يصل الي القرية اي مسئول فقد غابت الدولة ومؤسساتها تماما رغم ان الحدث تناولته وسائل الإعلام العالمية وعم خبر سنقته القري والحضر
بعد مرور اكثر من أسبوعين وصلت الي القرية فريق من مكتب النائب العام ومعهم مجموعة من المحققين واتهم اهل القرية مجموعة من الابالة بقيادة شخص يدعي علي كوشيب هو الذي قاد المجموعة واستباح القرية وهو الذي اطلق الابل في الحدائق والبساتين فاتلفت الثمار وعرائشها .
عقدت محكمة في مدينة نيالا في أواخر العام الفين وأحضرت النيابة خمسة وثلاثون متهما وقدمت لهم لائحة الاتهام ولم يكن بينهم احدا من الجناة الحقيقيون وحوكموا بأحكام مختلفة بين سجن وغرامة وأطلقت سراح الباقين ومن مبكيات القدر من بين المحكوم عليهم ثلاثة عشر من سكان القرية الذين كانوا في ذلك النفير غداة الهجوم علي القرية .
في عام ألفين وخمسة شكل رئيس الجمهورية لجنة للتحقيق في جرائم دارفور برئاسة مولانا دفع الحاج يوسف ووصلت اللجنة الي دارفور واستمعت الي ضحايا سنقته وشمل التحقيق بعض الضحايا الذين حوكموا وخرجوا من السجن بعد قضاء المدة وانذهل المحققون من أقوالهم وكيف ان منصة القضاء السوداني أصبحت مهتزة وعديمة المصداقية وأوصت بإعادة المحاكمات وشهد خلق كثير من أهالي القرية بوجود الجناة حول حمي القرية وأقاموا لأنفسهم دمرا قريبا يتجمعون فيه كسوق أسبوعية عرضت فيه بعض مقتنياتهم التي سلبت منهم فأضطر بعضهم فداء مقتنياته بثمن باهظ .
اما الادهي والمؤلم فان الجناة يذبحون في أسبوع ناقة بلقاء من نوقهم ويعرضون لحمها وينادون لها الآخرين ان هلموا إلينا فلحم ناقتنا من الموز والمانجو ودمها من دم البرتقال ابو صرة .لقد اعتاشت ابل القوم من حدائق القرية وكان اصحابها ينتقلون بها من حديقة الموز الي أشجار المانجو عندما تشبع وتبرك عند الظهيرة يطعمها اصحابها بايديهم من أكوام البرتقال كتحلية تسهل الهضم لابلهم المجترة ان جريمة ابادة هذه القرية وصلت الي منصات القضاء الدولي واكتملت تحرياتها وقدمت محكمة الجنايات اسماد المتهمين للقضاء السوداني وحكومته التي ظلت تراوغ وتتذرع باستقلالية قضائها ومازال الجناة طلقاء يعيشون حول سنقته ويستفزون ضحاياها
في ختام هذه المقالات اود ان اشير الي انه رغم مرور كل هذه السنوات الا ان الحادث مازال في مخيلة الكثيرين من الناس وستتحقق العدالة مهما تطاول الزمن فمثل هذه الجرائم عصية علي النسيان ولن تسقط بالتقادم فنحن لا نريد ان نطلع اجيالنا الحاضرة علي الطريقة التي ازهقت بها مئات الآلاف من الأرواح الطاهرة علي يد الحكومة في دارفور حتي لا ننشئ جيلا كارها لوطنة ماقتا لجميع مكوناته ملئ صدرة بالأحقاد والمرارات فيصبح جيلا معاق اجتماعيا فيتحول الي ضحية تتحين االفرصة للانتقام من الجاني ولكنا سنخبرهم عن القضية التي من اجلها قتلوا واستشهدوا حتي يتعلموا حب الوطن ويتأهبوا ويستعدوا للتضحية ونكران الذات لإرساء دعائم وطن ترتكز قوائمه علي المواطنة الحقة وبتساوي فبه الجميع كخفي بعير ارتفاعا وهبوطا
لقد اقامت الحكومة عشرات المؤتمرات الشعبية والتي عرفت بالمصالحات وجمعت عشرات ومئات الاشخاص واشهدت عليها الكثير من المؤسسات الاقليمية لكنها جميعها لم يكتب لها النجاح لانها استخدمت اسلوب عفا الله عما سلف فهي مازالت تراهن علي عامل الوقت وتظن ان الضحايا يمكنهم تجاوز الاعاقة النفسية والذهنية التي المت بهم وتراهن علي وتعتقد ان الزمن سيمسح جراحهم وتزيل عنهم مآسي الحدث ومرارته ويتحول الي ذكري اليمة فقط
صحيح ان هنالك محن وتجارب إنسانية متشابة للحالة الدارفورية مثل تجربة رواندا وجنوب أفريقيا ولكن مهما تكن نتائجها ومنجزاتها مبهرة الا انها تظل حصريةًغير قابلة للاستيراد لاختلاف الجغرافيا والتاريخ ورغم تشابهها في النتائج لكن اختلاف التفاصيل فالحرب في دارفور لم تكن حرب ابناء عمومة او نزاع قبائل فيما بينها لكنها حرب دولة وجيشها ضد مواطنيها قتلتهم وأحرقت زرعهم وخرطت ضرعهم ونهبت ارضهم وهجرت جلهم وشتت شملهم فقد اختفت قري كانت موجودة قبل اكثر من الف عام واضحت خرابا مالها اثر اجهز الغزاة علي أسر باكملها لم تنجهم كهولتهم او طفولتهم فامراء الحرب كانوا مأمورين الايتركوا فيها كائن حي او ذي ظفر فقد نفذ كانالقتلة الأوامر كما تلقوها بل وبكرم أتم فأصبحت خاوية علي عروشها كان لم تكن بالامس شيئا
ms.yaseen5@gmail.com
///////////////////