باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأحد, 18 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
عمر الحويج
عمر الحويج عرض كل المقالات

قصة قصيرة: الزنزانة رقم (30 / 6) مع إضاءة نقدية من[AI] الذكاء الاصطناعي

اخر تحديث: 17 أكتوبر, 2026 10:17 مساءً
شارك

بقلم / عمر الحويج
.
[جنرالان وكيزان بلدين أحبطا أحلام شعبين باغتيالهما ثورتي التغيير فيهما ، حين جعلا العسكر يستولى على السلطة عنوة ، وأعادا الشعبين إلى زنزانة الاستبداد ] .

أنا الآن ، داخل الزنزانة رقم .. 30 / 6.
فات زمانٌ لم أعد أذكره ، طويلًا كان أم قصيرًا .. لست أدري. ما أدريه فقط .. ما أعلمه فقط .. أنني ظللت طيلة هذه المدة ، التي لا أعرف مداها .. أتلقى عددًا لا يُحصى من الوجبات .. (هكذا سمعتهم يسمونها) . الخفيف منها ، والثقيل .. المتنوعة، والمتجددة : في الشكل واللون .
لا تظنوا بي الظنون ، فهي ليست تلك الوجبات التي يسيل لها اللعاب ، وإنما هي تلك الوجبات التي تسيل فيها الدماء ، دمائي أنا .. أعني!!.
والآن .. وأنا أسجل لكم في مدونتي .. (لا تندهشوا كثيرًا، نعم مدونتي).
تجدونني قد خرجت من إحدى تلك الوجبات . أنا الآن غارق في دمائي .. لا تسألوني كيف كان شكل الوجبة التي ناولوني إياها . طعمها .. لونها .. وشكلها . لا تتعجلوا ، هذا ما سأحدثكم عنه لاحقًا فقط : انتبهوا معي ، أنا الآن ، أو بالأحرى قبل لحظات ، ضغطت على زر التشغيل في حاسوبي .. وأنا الآن أشتغل على مدونتي ، كما تلاحظون .. كيف ذلك؟؟!! .. صبرًا آل ياسر !! ، أنتم دائمًا متعجلون!! ، سوف أقول لكم ، أصدقائي ، بشرط ألا تفغروا أفواهكم دهشة ، فالمسألة في غاية البساطة .
أنا أحمل حاسوبي داخل دماغي .. ألم أقل لكم ألا تفغروا أفواهكم دهشة؟ وأحمده الذي لا يحمد على مكروه سواه ، رغم الوجبات المتكررة والعنيفة .. فإنهم حتى الآن لم يستطيعوا اختراق دماغي .. بعد !!.
سأتوقف عن التسجيل في مدونتي ، كي أتجول في صفحاتكم على الفيسبوك ، عساي أجدكم عليها . أعرف عنكم أنكم أدمنتم (مثلي!!) حواسيبكم ، حتى ربما تكونوا قد خزنتموها (مثلي تمامًا!!) في أدمغتكم ، لاستخدامها عند الضرورة .. خاصة إذا شُرِّفتم بالوصول إلى الزنزانة رقم: 30 / 6 ، قطعًا سيساعدكم ذلك على تحمّل تلك الوجبات .. الخفيف منها ، والثقيل .. لا تظنوا في أنفسكم الظنون .. فهي ليست تلك الوجبات التي يسيل لها اللعاب .. وإنما هي تلك الوجبات التي تسيل فيها الدماء .. دماؤكم ، أعني ..!!.
من المستغرب عدم تواجدكم على صفحاتكم في الفيسبوك ، في هذه اللحظة التي أحتاجكم فيها .. أين تكونون في هذه اللحظة ، يا تُرى؟!! ربما أنتم الآن في الميدان .. أو ربما أنتم في حالة بحث دائم عني .. فقد وصلني تضامنكم معي .. قرأت نداءاتكم لإطلاق سراحي ، في كافة مواقع التواصل الاجتماعي .. أنا أُثمِّن ذلك كثيرًا ، ولكن حذار ، لن تجدوني في كل الأمكنة الممكنة .. فأنا في المكان غير الممكن !!.
ولحين ظهوركم .. سوف أغلق حاسوبي مؤقتًا ، لكي أُلملم شتات نفسي وجسدي .. وأجفف ما علق بكافة أطرافي من دماء .. وجراح ..!!.
إليكم الآن أعود ، بعد أن ضغطت على زر التشغيل في حاسوبي مرة أخرى. . فأنا شغوف ، بل ومتلهف للقائكم .. ولكن ، يا أسفي ، أنتم لستم هناك ، أنتم لا وجود لكم في صفحاتكم على الفيسبوك .. يا تُرى ، ماذا يجري خارج هذه الزنزانة اللعينة؟!! .. لا أظنني أدري ، ما أدريه فقط أنني غارق في دمائي !!.
دعوني إذن أذهب بحثًا في بريدي الإلكتروني .. أرغب في مراسلة شاهيناز ، سأنتظر حتى يأتيني ردها، ثم بعدها أعود لأواصل معكم في مدونتي. أعرف أن ردها سيبعث الحياة في داخلي ، ويريحني من هذا العناء الذي لا يُحتمل ، في عزلتي هذه غير المجيدة . لا .. رد ، سأدعم الرسالة بأخرى .. عسى ولعل . أنتظر بفارغ الصبر ردك العاجل ، يا شاهيناز .. أنتظر ، لا زلت . انشغلت بعدها للحظة ، بتجفيف بعض الدماء التي تدفقت فجأة ، حيث شعرت ببرودتها تلسع ظهري .. بقساوتها !!. عدت إلى شاهيناز مرة أخرى ، ولكن .. لا رد . هذه الزنزانة اشتدت برودتها ، هذا شتاء قاسٍ لا يرحم .. وأنا دون غطاء أتدثر به . أين تكونين الآن ، يا شاهيناز؟ .. ربما تبحثين عني أنت أيضًا مع الآخرين . لا ترهقوا أنفسكم كثيرًا ، فهم لن يسمحوا لكم بالتعرف على مكاني . لقد سمعت أحدهم ، بأذني هذه .. التي لا أحس بوجودها في مستقرها المعتاد .. يقول لي: الداخل هنا مفقود ، والخارج مولود .. وأجزم أنني المفقود!!.
سامحيني ، يا شاهيناز ، سامحوني ، أصدقائي ، فأنا أثرثر الليلة كثيرًا .. ربما بحثًا عن الأمان المفقود ، أو ربما بحثًا عمن يشعرني بأنني لا أزال موجودًا .. ولحين أتلقى رد شاهيناز .. سوف أسرد لكم سريعًا (بعد عودتي إلى مدونتي) كيف التقينا أنا و.. شاهيناز !!.
كنا جميعًا – وهذا طبعًا معلوم لديكم – حين تشاركنا على صفحاتنا في الفيسبوك : التقينا حين التقت أفكارنا .. أصبحنا نتبادل المعلومات ، ارتقينا .. فتبادلنا المقترحات : تطورنا .. فانتقلنا حتى التخطيط ، ومن ثم التنفيذ . حتى أوصلنا كل ذلك إلى الميدان .. ومن ثم تحرير . كل ذلك تعلمونه .. ولكن ما لا تعلمونه .. سأحكيه لكم الآن .
ففي أحد الأيام العاصفة ، وكنت مكلفًا حينها بمهمة التنظيم والمراقبة في أحد أركان الميدان ، حين لمحت أحدهم وهو يهم بالتحرش بإحدى الفتيات الثائرات ، بصورة واضحة .. بل فاضحة ، هرولت مسرعًا نحوه .. وصلته .. انتهرته .. زجرته ، بل هممت بضربه .. لولا أنه اختفى عني وسط الجموع، وأظنها التفتت نحوي لتشكرني على ما فعلت، وتذهب في طريقها، إلا أنه ، وفي تلك اللحظة بعينها ، ظهر صديقي “ناجي” ، الذي فيما يبدو أنه لحق بي حين لمحني أهرول إلى هذه الجهة من الميدان . ولدهشتي ، حين وصوله ، لم يلتفت ناحيتي ، وإنما إلى جهة الفتاة ، مناديًا : شاهيناز !! .
حينها ارتجت كل أطرافي عند سماعي لاسمها . ثم بعدها التفت ناحيتي ممازحًا : “إيه الشهامة دي كلها يا سي حمدي؟”. وأظنها أيضًا ارتجت كافة أطرافها عند سماعها لاسمي .
رددت مندهشة : أنت حمدي..!!؟؟
رددت مندهشًا : أنتِ شاهيناز.. !! .
أنا أعرفكم ، أصدقائي ، أنتم جد فضوليين ، (وبتاعين شمارات !! ) ، تودون معرفة أسباب هذا الاندهاش .. صبرًا آل ياثر !! ، سوف أخبركم :
حين تشاركنا صفحاتنا في الفيسبوك، كنا أنا وهي الأقرب لبعضنا بين المجموعة .. كانت أفكارنا ، وإن لم تكن متطابقة ، فهي متقاربة .. وكثيرًا ما توافقنا في الآراء والمقترحات ، دون تعمد من جانبي ، ودون قصد من جانبها .. وأدى ذلك إلى التقارب فيما بيننا . انعكس ذلك على تواصلنا عبر البريد الإلكتروني ، وهي خطوة للتعارف أكبر – كما تعلمون أسرار الفيسبوك – ورغم ذلك لم نلتقِ أبدًا وجهًا لوجه ، إلا في هذه اللحظة .. لحظة اكتشافنا الحقيقي لبعضنا ، وليس اكتشافنا الافتراضي كما كنا قبلها ، ومن وقتها لم نفترق أبدًا .. أعني في حدود الميدان !!.
أعرف ، أصدقائي ، أنني لم أُشبع فضولكم بعد . تسألونني .. إلى أي حد وصلت علاقتنا؟ أقول لكم .. مرة أخرى: لم تتعدَّ علاقتنا حدود الميدان ، مع كثير من المشاعر الطيبة والحبية التي نكنّها لبعضنا . أعرف أنا .. وتعرف هي، أن هناك عائقًا كبيرًا يقف بيننا ، كجبل يقف حاجزًا بين تلاقينا أبدًا .. اكتشفناه صدفة !!.
تجمعنا يومًا للتوقيع على مذكرة ، كنا ننوي رفعها لإحدى الجهات الحقوقية ، سبقتني هي إلى التوقيع ، لأول مرة سجلت اسمها كاملًا أمامي (شاهيناز أحمد البدري) .. دعتني بعدها للتوقيع ، سجلت اسمي كاملًا (حمدي يوسف حنا). تبادلنا نظرات تائهة ، لا معنى لها ، في اليوم التالي ، تبادلنا الرسائل ..!!.
كتبتُ أنا: سأجيء بي ، إليك .. لنلتقي .
كتبت هي: لا .. سأجيء بي أنا ، إليك .. لنلتقي .
كتبت أنا : ربما يجيء بي وبك .. إلى بعضنا ، الميدان .. لنلتقي .
وحين التقينا فيما بعد .. ضحكنا معًا بحزن .. حتى طفر دمعنا .. لهذا المستحيل الممكن . وواصلنا عملنا فيما يخص الميدان ..!!.
وأواصل الآن البحث في بريدي ، عن رد من شاهيناز .. ولكن ، أيضًا لا رد . ازداد قلقي عليها ، وعلى الآخرين ، ولكن ماذا في يدي لأفعله؟ فقط سأهرب من قلقي هذا بالتجوال في بريدي المتراكم من قديم ، فأنا لا أحذف من بريدي إلا ذاك الذي لا يعنيني ..!!.
أفتح أحدثها .. هذه رسائل من شاهيناز ، وأخرى منكم ، أصدقائي ، وأكثرها فيما يخص الميدان . دعوني أتجاوزها ، وأعبرها إلى الرسائل الأقدم .
استوقفتني رسائل صديقنا «عبد الهادي»، تذكرونه .. كان من ضمن مجموعتنا ، إذن .. لأتجول في رسائله ، عساها تخفف عني هذا الصمت القاتل ، وقد تجدونها مفيدة لكم .. أظن، كما هي مفيدة لي حتمًا .. وأنا داخل الزنزانة رقم: 30 / 6 …!!.
رسالته الأولى : وهي عبارة عن حوار مطول ، أجراه أحد الكُتّاب البارزين، اسمه د. بشرى الفاضل ، مع أستاذ جامعي بدرجة (بروفيسور) ، اسمه فاروق محمد إبراهيم . كان معتقلًا سابقًا ، وهو حتمًا قد زار الزنزانة رقم 30 / 6 ، حيث تم تعذيبه بواسطة تلميذه سابقًا وزميله لاحقًا، وسماه باسمه، وهو نافع علي نافع، وسماه آخرون ساخرين منه (بنافع المانافع) ، ولم يتركه حتى أحاله للصالح العام – وهي تسمية غير معلنة – للتمكين . فهم قد سبقونا إلى الزنزانة رقم: 30 / 6 . وإن طال زمن مكوثهم فيها ، فحراس هذه الزنزانة من عادتهم أن: يتدثروا .. ثم يتمسكنوا .. حتى يتمكنوا .. ويا خوفي لو تمكنوا منا!!.
دعوني “بعد إذنكم” أن تسمحوا لي بوقف التسجيل مؤقتًا في مدونتي ، غرضي البحث: عنكم .. وشاهيناز كذلك. ولكن أيضًا (لا حس .. لا خبر) .. وحتى شاهيناز لم أجد لها ردًا على بريدي الإلكتروني . مالها .. هذه الليلة المشؤومة تزيدني ألمًا على ألمي . إذن دعوني أعود إليها ، “أعني “مدونتي”، فهي على الأقل لازمتني في وحدتي هذه الموحشة ، في حين اختفيتم عني عند الحاجة إليكم ، وهي حاجة ماسة .. تعلمون . إذن أعود لأكمل لكم ذلك الحوار الذي أخبرتكم عنه ، وأنا صراحة لا أدري إن كنتم تقرأونني الآن، أم أنتم في شغل شاغل .. عني !!.
ولأنه حوار مطول ، سأرسله لكم على بريدكم الإلكتروني ، لأن مدونتي لا تسعه ، ولا وقتي ، ولا ظرفي . وإذا رغبتم فيه كاملًا ، ابحثوا عنه بطريقتكم ، أما هنا في مدونتي ، فسأكتفي ببعض منه .. فإلى الحوار:
س: (أخبرنا عن مأساة المعتقل “بدر الدين”؟)
ج: (تعرض ذلك الشاب «بدر الدين» لتعذيب لا أخلاقي ، شديد البشاعة ، ولم يُطلق سراحه إلا بعد أن فقد عقله . قام بعدها بذبح زوجته ووالدها ، وآخرين من أسرته، ونحر نفسه، يُقال) .
رسالته الثانية: (جلد فتاة في الطريق العام) بحضور الجمهور والقاضي المقيم!!. وهي رسالة عبارة عن فيديو في اليوتيوب .. فقط أنبه الزميلات ألا يشاهدنه .. حتى لا يُصبن بالغثيان من بشاعة العقوبة ..!!.
رسالته الثالثة: بعنوان (الحكم بالجلد على صحفية ، واسمها لبنى أحمد حسين). وذَّكر لي أنها رفضت دفع الغرامة ، وفضلت السجن بغرض فضحهم ، وكانت تهمتها فقط ارتداء “البنطلون الواحد ده “الذي ألبسه أناوأنت وهي وهو ” على حد قوله ..!!.
وأنتم، «أصدقائي»، تجولوا تحت هذا العنوان ما شاء لكم الوقت ، فقط تجلّدوا بالصبر ، حتى لا يُحكم عليكم بالجَلد لعدم الصبر . فقط أُنبه الزميلات إلى تحسس مؤخراتهن ، لأنه قد يأتي عليهن اليوم الذي تطالهن فيه هذه العقوبة ، ما دمن يتحركن ما زلن ببنطلوناتهن الجينز، وهن يتبخترن بها ، متفاخرات ..!!.
رسالته الرابعة: هذه الرسالة من صديقنا «عبد الهادي» عبارة عن كاريكاتير لخارطة بلاده ، ينزف نصفها الأسفل .. دمًا أحمر ، من قصة قصيرة لكاتب اسمه عمر الحويج، وأُرفقت معها هذه الأسطر:
(تحمل الأم الأولى، نصفها .. الـ – يقطر – دمًا .. وتنطلق .
تحمل الأم الثانية ، نصفها .. الـ – يقطر – دمًا .. وتنطلق .
وقد تصادف أن كانت هنالك:
أم ثالثة تأخرت فقط .. عن الحضور) .
و .. يا للرعب الذي تملكني ، وقد تخيلت بعض أجزاء منا .. تنزف دمًا .. أحمر .. قانيًا ..!! وإن كانت مساحتنا لا تقبل القسمة على اثنين .
رسالته الخامسة: أصدقائي ، هذه الرسالة لها وقع خاص ، أذكر أنه عاتبنا حينها على موقفنا المُخزي والمُخجل .. كما قال ، حين تحدث عن “مجزرة مسجد مصطفى محمود”، وأنه لم يجدنا عند حدوثها . والحق يقال ، إننا لم نسمع بها إلا من رسالته تلك . ربما يكون عذرنا، «وهو أقبح من الذنب»، أننا كنا حينها “كلنا” لا ندري ما يدور حولنا . ولما لم أجد ما أقوله له ، أرسل لي على بريدي الإلكتروني رسالة غاضبة . تعرفون ماذا كتب؟! “أرسلوا لنا جثث القتلى حتى نواريها الثرى بمعرفتنا .. فأنتم ربما لا تجيدون الدفن .. أو ربما لا ترغبون في ذلك ..!!” .
وبعدها انقطع عن قروبنا ، ولم يعد إلينا إلا بعد أن وصلنا الميدان . أذكر يومها كانت أول رسالة لي منه ، كتب فيها .. “أنتم السابقون ونحن اللاحقون” . ونسي أنهم فعلوها قبلنا مرتين .. كما نسي أننا تعلمنا أخيرًا .. الكثير .
بعدها أرسل لي رسالة غامضة . سأبحث عنها في بريدي الإلكتروني ، فقط بعد أن أبحث عنكم .. وشاهيناز . وإن لم أجدكم .. وأجدها ، عدت أدراجي إلى مدونتي.
رسالته السادسة: ها هي .. لقد وجدتها .. سأدوّنها لكم الآن:
– الرسالة – (عسكر وحرامية)، هكذا وصلتني ، دون تعليق . وحتماً صديقنا عبد الهادي لا يعني لعبة الأطفال .. تلك البريئة اللطيفة ، إنما قطعًا كان يعني لعبة الكبار المدمرة ، التي يمارس فيها الطرفان لعبة القتل المجاني .. على الآخرين . فقد فهمت معناها في حينها ، ووصلني مغزاها حين عايشناها كما عاشوها . تذكرون ، أصدقائي ، حين احتدم الخلاف بين مجموعاتنا ، وكان الإصرار من جانبكم على عصر معداتكم ليمونة ، وكان الإصرار من جانبي ، ومعي شاهيناز – بعد أن اقتنعت برأيي – ألا نعصر معداتنا: لا .. لهذا ، ولا لذاك .. ربما أنا هنا لهذا السبب!! داخل الزنزانة رقم: 30 / 6 ..!!.
وقبل أن أواصل تجوالي في رسائل صديقنا عبد الهادي ، تأتيني الآن .. أصوات أقدام متعددة .. ومتعجلة ، تتحرك خارج الزنزانة – اسمحوا لي الآن : سوف أضغط على عجل .. زر الإغلاق في حاسوبي ، كي أستجلي الأمر ، ربما هي وجبة جديدة ، تسيل فيها الدماء .. وليس اللعاب ..!!.
اعذروني ، أصدقائي ، لقد تأخرت عليكم كثيرًا .. لقد عدت الآن فقط ، ليس محمولًا على الأكتاف .. إنما مسحولًا على الأرض الصلبة .. أنا الآن في غيبوبة شبه تامة .. أحس بأن أعضائي قد فارقت جسدي .. لقد أخذوا جسدي .. دون أعضائي . لقد سرقوا كامل جسدي .. ورغم ذلك .. سأحرك إصبعي الذي وجدته .. لا زال يعمل .. من بين كافة أعضاء جسدي ، أضغط به على زر التشغيل في حاسوبي: يا فرحي ..!! أخيرًا .. قد وجدتكم ، أصدقائي .. أنتم متواجدون على صفحاتكم في الفيسبوك .. ولكن ماذا أرى؟؟ .. حروفكم المصفوفة أمامي ، أقرأها بصعوبة .. (استشهــــاد الناشطة شاهيناز أحمد البدري): لا .. لا .. حاسوبي لا يعمل .. حاسوبي ليس معي .. لقد اخترقوا حاسوبي . حاسوبي في دماغي .. لهذا اخترقوا دماغي .. لقد أخذوا مني جسدي .. وتركوني عاريًا دون جسدي .
تنبيه: الرسائل في القصة عناوين حقيقية يمكن الرجوع إليها على مواقع التواصل الاجتماعي .

إضاءة نقدية في قصة «الزنزانة رقم (30/6)»

حين تصبح الزنزانة وطنًا محاصرًا
في قصة «الزنزانة رقم (30/6)»، لا يدخل عمر الحويج إلى عالم الاعتقال من بوابة السجن المألوفة، بل يختار مدخلًا سرديًا غير تقليدي، يجعل الوعي نفسه مساحة للمقاومة، ويجعل الكتابة محاولةً لاستعادة ما ينتزعه القمع من الإنسان: جسده، وحريته، وصلته بالعالم.
منذ الاستهلال، يجد القارئ نفسه أمام راوٍ لا يعرف كم مضى عليه من الزمن داخل الزنزانة، لكنه يعرف جيدًا ما تتركه «الوجبات» المتكررة من دماء وجراح. هنا تنقلب دلالة الكلمة من معناها اليومي المألوف إلى استعارة سوداء للتعذيب؛ فالمفارقة بين ما يُفترض أن يمنح الجسد الحياة وما يُستخدم لإيذائه تؤسس لواحد من أبرز مسارات السخرية المريرة في النص.
غير أن المفاجأة السردية الأهم تتمثل في الحاسوب الذي يحمله الراوي داخل دماغه. إنها صورة تتجاوز غرابتها الظاهرية لتؤسس لمفارقة عميقة: يستطيع السجّان أن يحاصر الجسد، لكنه لا يضمن السيطرة على الوعي، ولا على الذاكرة، ولا على قدرة الإنسان على تسجيل ما يجري حوله. تتحول المدونة إلى نافذة افتراضية يطل منها المعتقل على أصدقائه، ويستعيد عبرها صلته بميدان الثورة وبالعالم الذي انقطعت أخباره عنه.
لكن هذه النافذة ليست مفتوحة تمامًا؛ فالراوي يواصل الكتابة، فيما يغيب الذين ينتظر حضورهم، وتتراكم الأسئلة حول ما يجري خارج الزنزانة. وبذلك يتجاوز العزل حدود المكان، ليصبح عزلةً في التواصل أيضًا، حيث لا تكفي القدرة على إرسال الرسائل لضمان وصولها، ولا يكفي وجود الأصدقاء على صفحات التواصل لاستعادة حضورهم الإنساني.
وفي قلب هذا البناء تتشكل حكاية حمدي وشاهيناز. يلتقي الاثنان أولًا عبر الأفكار والمواقف، ثم يجمعهما الميدان، قبل أن تكشف الأسماء الكاملة عن حاجز اجتماعي وديني يقف بينهما. غير أن القصة لا تحوّل هذه العلاقة إلى حكاية غرام تقليدية؛ فالمشاعر تبقى محكومة بوعي الطرفين بتعقيدات الواقع، بينما تتقدم المشاركة في الثورة على الرغبة في تجاوز تلك التعقيدات. ويكتسب هذا المسار دلالة إضافية حين تصبح شاهيناز، في النهاية، ضحيةً أخرى للعنف الذي يهدد الجميع.
أما الرسائل الإلكترونية التي يستعيدها الراوي، فتفتح داخل القصة نوافذ على ذاكرة القمع: التعذيب، والعقوبات المهينة، وانتهاكات الحقوق، ومأساة انقسام الوطن. وهي لا تؤدي وظيفة التوثيق وحدها، بل توسع دائرة الزنزانة لتشمل تاريخًا من الانتهاكات وتجارب أجيال سبقت الراوي، كأن المعتقل لا يواجه مصيره الفردي فحسب، بل يجد نفسه داخل ذاكرة جماعية لم تُغلق ملفاتها.
ومن هنا تبرز أهمية الإشارات إلى الانقسام وإلى لعبة «عسكر وحرامية». فالقصة لا تكتفي بإدانة العنف الذي تمارسه السلطة، بل تلمّح كذلك إلى خطر انجرار القوى المتنازعة إلى لعبة لا يدفع ثمنها اللاعبون وحدهم، وإنما يدفعه المجتمع كله. ويتصل ذلك بموقف الراوي من رفض الانحياز إلى طرفي الصراع، وهو موقف يضعه داخل الزنزانة، من دون أن يجعل اختياره دليلًا على أن كل تفاصيل مصيره قد حُسمت بسبب واحد.
فنيًا، تعتمد القصة على تداخل الحاضر المأزوم مع الاسترجاع، وعلى التكرار الذي يتحول من مجرد لازمة لغوية إلى إيقاع يحاصر الراوي والقارئ معًا. وتتكرر مفردات الدم والوجبات والزنزانة والحاسوب، فتتشكل منها شبكة رمزية تصل بين الجسد المعذّب والوعي المقاوم والعالم الخارجي المتصدع. كما تمنح مخاطبة الأصدقاء القارئ موقعًا داخل التجربة؛ فهو ليس متلقيًا بعيدًا، بل طرف يُستدعى مرارًا، ثم يُواجَه بغيابه وصمته.
وتبلغ المفارقة ذروتها في الخاتمة، حين يظن الراوي أنه استعاد الاتصال بأصدقائه، ليقرأ خبر استشهاد شاهيناز، ثم يكتشف أن الحاسوب الذي ظن أنه يحتمي به قد صار جزءًا من دائرة الاختراق نفسها. إنها نهاية تعيدنا إلى السؤال الذي بنته القصة منذ بدايتها: هل يستطيع الوعي أن يظل حرًا حين تُحاصر كل منافذه؟ لا تقدم القصة جوابًا مطمئنًا؛ بل تترك القارئ أمام انهيار الحدود بين الجسد والآلة، وبين السجن والعالم، وبين النجاة المتخيلة والموت الذي يتسلل إلى الوعي.
إن «الزنزانة رقم (30/6)» ليست حكاية تعذيب فحسب، ولا تسجيلًا سياسيًا مباشرًا، بل محاولة سردية لالتقاط اللحظة التي يتحول فيها الاستبداد من سلطة على المكان إلى سلطة تسعى إلى محاصرة الذاكرة والتواصل والأمل. ومن هنا تكتسب القصة راهنيتها: فالزنزانة التي تحمل رقمًا محددًا داخل النص تتسع، في دلالتها، لتصبح صورةً لوطن تُغلق أمام شعبه أبواب التغيير، ويظل فيه الإنسان متمسكًا بحقه في أن يروي ما حدث، حتى حين يصبح فعل الرواية ذاته آخر ما تبقى له من الحرية.

omeralhiwaig441@gmail.com

Author
عمر الحويج

عمر الحويج

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
تردد اسم الملياردير المصري سويريس في مأساة السودان الحالية ، وتذكرت سويريسا آخر .
منبر الرأي
الأبيض… قبل البكاء عليها
الملف الثقافي
الدوبيت .. بقلم: علاء الدين شاموق
منبر الرأي
ماذا يدور في جبل عامر؟! .. بقلم: عثمان محمد حسن
منبر الرأي
حوار مع عبد الرحمن الكواكبي حول: من أين أتي أصحاب أسواق المواسير؟! .. بقلم: ابراهيم الكرسني

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

تخيل .. الجزء الأول!! .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى

طارق الجزولي
منبر الرأي

هل اللحوم والفواكه والخضروات السودانية صالحة للاستخدام البشري ؟؟؟ سوق الخرطوم المركزي نموذجا .. بقلم: هاشم علي السنجك

طارق الجزولي
منبر الرأي

شر البلية ما يفقع المرارة .. بقلم: عصام جزولي

طارق الجزولي
منبر الرأي

رد من المكتوين بنيران “جهاز المغتربين” .. بقلم: عثمان عابدين

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss