د. محمد عبد الله الحسين
لابد لكل من تغرَّب أو ترك وطنه وهاجر لبلد غريب ان لمسه سوط الاكزينوفوبيا (كراهية/ الخوف الأجانب) وذاق مرارته ولسعته بشكل من الأشكال. فهل كراهية أو الخوف من الأجانب أحد الوجوه السمجة من أوجه الهوية والوطنية والانتماء أم هو تطرف وتعصب شوفيني. وبذلك فهو يندرج ضمن أمراض علم النفس؟
بالتأكيد الهوية لها دور كبير بل محوري في حياة الإنسان: تفكيره وسلوكه وتقييمه للآخرين وموقفه وردود فعله كلها تعتبر انعكاس لموقف هوياتي سواء كان كان سلبا أم إيجابا.
ما دفعني لكتابة هذا المقال هو ما قرأته في منصة إكس لشخص إيطالي دعني أشير إليه ب L’ A وهي الأحرف الأولى من اسمه. فقد كتب ما يلي:
(في إيطاليا يعيش حوالي 350 ألف صيني لم يطلبوا أبداً مساعدات، لا يصطفون أمام جمعية الكاريتان، لا يزعجون النساء ولا يعتدون عليهن، لا يقتلون، لا يبيعون المخدرات، لا يسرقون، ولا يريدون فرض عاداتهم أو دينهم علينا).
لفت نظري حديثه عن الصينين الموجودين في إيطاليا. في الحقيقة لم تفاجئني الروح التي كُتِب بها الموضوع فقد وجدت ردة فعله غير عادية من كثر ما قرأنا مثل ردة الفعل الاكزينوفوبية هذه بل وواجهتنا مثلها في عدة دول. من الواضح أن ما كتبه يوحي بالإحساس بالأمن والأمان لان هؤلاء الصينين بالرغم من أنهم أجانب/غرباء/مهاجرين فهو لا يشعر بأنهم يهددون وجوده كمواطن إيطالي، لا في الاقتصاد ولا الموارد ولا الطعام ولا الشراب والسكن الخ. علما أن الأمن والأمن واللذان يشملان الأمن الاقتصادي أيضا هو الهم الرئيسي للإنسان والباعث على اطمئنانه كما ورد الإشارة إليه في سورة قريش(…الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف). قادني الفضول لمتابعة التعليقات لأرى إن كان ذلك رأي بقية المواطنين الآخرين. ولم يخب ظني، فقد وجدت أن معظم التعليقات تشكك في وجهة نظر صاحب الحساب بل تمادى بعضها في إظهار ملامح من الاكزينوفوبيا بالتشكيك فيما أورده. وأوغل بعضهم في كشف البعض بعضا من الممارسات الخفية التي ينتهجها المهاجرون الصينيون والتي في رأيهم تهدد أمنهم الاقتصادي.
بالتالي فإن ما وجدته في التعليقات من مظاهر “كراهية الأجانب-الاكزينوفوبيا” أكد لي أنها سمة موجودة موجودة في كل أو في معظم المجتمعات البشرية حتى أكون أكثر دقة. والخوف أو كراهية الأجانب ناتج من المهددات الراهنة أو المحتملة للأمن والرفاه الاجتماعي واتقاءَ للمنافسة معهم على الموارد المتاحة. وهذه السمة وجدتُّها حتى في بلدانِ غارقة في الرفاهية، ولا تعاني من ضائقة أو تهديدٍ اقتصادي أو شحٍ في الموارد. ولكنه الشُّح الذي هو من شيَم النفوس (…وأُحضرتِ الأنفسُ الشٌحَ) أي أن الشح ملازم للنفوس. وجاء في آية أخرى للتخفيف من غلواء الشح والبخل وإن كان ذلك على المستوى الفردي (من يُوقَ شُحَّ نفسه فأولئك هم المفلحون(.
أما الجانب الآخر من الموضوع وهو المتعلق بالهوية والانتماء. فقد يكون أحد مبررات الاكزينوفوبيا أو كراهية الأجانب هو ادعاء الوطنية والتي يُعبر عنها في أقصى حالاتها تعصبا بمظهر او حالة من الشوفينية الصارخة. وهكذا تكون كراهية الأجانب كعامل نفسي أو فوبيا محصلة لعدة عوامل بعضها ظاهر وبعضها خفي.وهكذا فإن كراهية كظاهرة تتراوح بين السياسة وعلم النفس والاجتماع إن لم تجد الأسباب والمبررات لظهورها والتعبير عنها فسيتم اختلاقها دون تردد.
