كوة مغايرة … الانتقال من رد الفعل إلى صناعته

 


 

عمر العمر
6 يوليو, 2022

 

ماذا علينا لو نظرنا الى المشهد من كوة مغايرة لكل النوافذ المشرعة حاليا؟
عبر هذه الكوة يبدو الجنرال البرهان منكسرا هاربا ذليلا تحت ضغوط الحراك الجماهيري العارم بعد كل الحماقات الانقلابية المضادة ها هو الجنرال يحاول كسر محنته بانسحاب غير مشرف. عبر الكوة ذاتها يبدو الجنرال يحاول الاختباء من مطاردة الشعب والتاريخ باصطناع مظلة مجلس عسكري مهترئة. هو يدرك انها مظلة لن تنجيه من لعنة التاريخ الأبدية لكنه يراهن على النجاة بظلها المؤقت من العقاب! هكذا يبدو عبر النافذة انتصار شعبي باهر يجبر الطغاة على اللجوء الى الفرار وإخلاء مقاعد السلطة التنفيذية جهرا علنا في محاولة بئيسة لاستجداء الأمان حتى الظفر بالعفو أو تأمين الهروب الكبير . المحنة ليست في النجاة من الموت بل في النجاة من الجريمة.
*****

عبر الكوة المغايرة يبدو عاريا قصورنا عن استيعاب جوهر القضية .نعم الصراع بين قوى مدنية - مدنية. انها قوى الخير والشر. قوى الثورة والتقدم على جبهة وقوى التخلف والنهب على الربوة المواجهة. تلك القوى تستخدم كبار الجنرالات دروعًا عسكرية .تصوير المعركة بين المدنيين والجيش ينم عن عقلية غير نافذة . المؤسسة العسكرية مختطفة من قبل عصبة جنرالات فاسدين مزورين.من غير المجدي عند المنحنى الراهن الاستغراق في الجدل عما اذا جاء الانسحاب المعلن على لسان البرهان من قبل قوى الشر الكامنة خلف الدرع العسكري أم هو صادر من الجنرالات . الأهم انه يعبر عن انكسار امام الحراك الثوري الصمود في وجه كافة أشكال القمع العازم على بلوغ غاياته الكبرى .
*****

عبر الكوة المغايرة تبان حقيقة فاقعة .هاهي السلطة في حالة فراغ فاضح. التاريخ يحدثنا بشواهد من كل القارات؛السلطة لا تألف او تحتمل الفراغ البتة .فبمجرد انكشافها في حالة فراغ تهرع قوة على نحو تلقائي لشغل ذلك الفراغ . نحن الحالة الشاذة في رواية التاريخ . عبر كل النوافذ تشكل السلطة محور الصراعات السياسية لكن استيلاء اَي فريق على السلطة لا يضع خاتمة للصراع السياسي في اَي مجتمع .نحن لسنا استثناء. فان اندفاعنا لملء الفراغ الناجم عن هروب الجنرالات تمليه طبيعة الصراع بين الفرقاء. سد الفراغ لا يعني في أي من جوانبه استسلاما لشروط الجنرالات او تنازلًا عن ثوابت الثورة .كما انه يستهدف إطفاء لهب الغضب الجماهيري .
*****

عندما تؤسس قوي الثورة ماكينات إنتاجها السياسية تستطيع اعادة مجلس السيادة للحياة وفق ما تريد له كما تستطيع حصار المجلس العسكري المختلق او ازالته من خلال برلمانها المفوض بالتشريع والرقابة على كافة مؤسسات المرحلة الانتقالية. هي تصبح قادرة على اعادة هيكلة المؤسسة العدلية الخربة والأمنية العاجزة. هل يتساءل المرء عما إذا لم تستوعب القوى السياسية بعد تجارب اجهاض الفرص المواتية دوما لصناعة المستقبل !هل هي محقة عندما تلقفت كرة البرهان فتعرقلت في خلافاتها بدلًا عن الرد على الجنرال بكرة من نار فيما لو خرج اجتماع قوى الحرية والتغيير برئيس وزراء متفق عليه! ثم لماذا يتوهم البعض خسارة الشارع المقاوم حين سد فراغ السلطة العاري .فالشارع الشاب الفتي هو حارس الثورة مثلما هو وقودها. المترددون يخشون في الواقع من الشارع ليس عليه . ثم ماذا علينا و عليهم فيما لو اندفع أو دُفع بطرف متربص لسد الفراغ؟؟
*****

على النقيض سد الفراغ يضع قدمي الحراك الثوري في موقع متقدم لاستئناف معركته التاريخية مع قوى التخلف والجنرالات بالقبض على مفاتيح السلطة التنفيذية تنتقل قوى الثورة من موقع رد الفعل إلى القدرة على الفعل النافذ والمؤثر على صعيد الحياة اليومية لصالح الجماهير والتقدم. اَي فكر مهما كان جوهره دون الفعل ليس غير الفراغ كما يقول السياسي العربي الراحل منيف الرزاز. ذلك وضع ينقل قوى الثورة من موقع رد الفعل الى منصة المبادرة وصناعة المستقبل .بما ان حاضرنا متشابك مع مراكز إقليمية ومفتوح على قوى دولية فمن شان ذلك التقدم تعزيز صورة الحراك الثوري على المستويين من منظور الوعي والإحساس الوطني بالرغبة في الخروج من المأزق الراهن .
*****

فماذا علينا لو هرعت قوى الثورة السياسية الى سد فراغ السلطة المكشوف ثم بدأت في املاء شروط الثورة من موقع القدرة على اتخاذ القرار .نعم ربما بل حتما ستواجه عرقلة من عصبة الجنرالات .بل ممن يحتمون بهم.لكن يصبح في وسع قوى الثورة إحراز مكاسب جوهرية على درب التقدم .من شأن ذلك كله اعادة تشكيل ملامح المشهد السياسي وإعادة تموضع موازين القوى على جبهة النضال بين قوى الخير والشر.
*****

أحد جوانب الأزمة ان بعض أفراد من داخل معسكر الثورة يراهنون على الانتصار بالضربة القاضية. بينما هناك فريق يترقب استلام السلطة على طبق من أيدي الجنرالات. كلاهما يتوغلان في الوهم .بعض القوى السياسية فقدت رشدها بعد غياب فطاحلتها المفكرين المبدعين البنائين المبادرين المقنعين بعض آخر لم يستكمل ساستها بعد مرحلة التدريب والتجريب . هي تنظيمات مسكونة بالتشقق،التردد، الخوف وبعضها مهجوس مع ذلك بالحماس المفرط .أفنردد مع محمود درويش :من يملأ فراغ الذين يغيبون....أم نردد قول احمد شوقي : بطل من يقتل البطالة! المشهد السياسي الحالي يعج بقيادات لا تتمتع بالوعي والجرأة المؤهلتين لإلهام جماهير الثورة والصلاة خلفه.

 

aloomar@gmail.com

 

آراء