كيف أساءت المحكمة الجنائية إلى النظام الدولي؟! … بقلم: د. محمد وقيع الله
7 مارس, 2009
د. محمد وقيع الله, منبر الرأي
40 زيارة
لَقَد كانَ فينا الظُلمُ فَوضى فَهُذِّبَت حَواشيهِ حَتّى باتَ ظُلماً مُنَظَّما!
هذا ما أنشده حافظ إبراهيم في أوائل القرن الماضي في قصيدة من ثمانية أبيات عالج فيها شأنا أصغر بكثير من شأن الظلم الدولي التي تم تنظيمه وتقنينه أخيرا في صيغة هذه المحكمة الانتقائية المسيسة التي سموها المحكمة الجنائية الدولية.
وأوكلوا إليها تعقب خصومهم والتنكيل بهم، وفوضوا مهمة الادعاء فيها إلى مدع صهيوني الهوى من أقطاب المحافظين الجدد ومن خدام الامبريالية العريقين، عرف بعدم النزاهة وبعدائه (المبدئي) للسودان من قبل أن يأتي مدعيا فاجرا في هذه المحكمة الاستثنائية الفاجرة.
آكد نظريات العلاقات الدولية:
فهو الذي كان ينشر التقارير التضليلية المفبركة الكاذبة عن السودان يوم كان نائبا لرئيس منظمة غير شفافة تدعى منظمة الشفافية العالمية، وكان يذيع منها التقارير التي تستهدف ضرب الاقتصاد السوداني بزعم أنه من أكثر اقتصاديات العالم فسادا وقلة شفافية.
وهي الخدعة التي لم تنطل على أحد من المستثمرين الأذكياء وإن كان كثير من أعداء السودان قد استثمروها، وهلل لها جمع من الصحفيين السودانيين الجهلة الذين لا يعرفون شيئا في حقيقة نظرية المؤامرة، التي هي نظرية مؤكدة، وواحدة من آكد نظريات العلاقات الدولية، التي لا يعرفون كيف تدار قضاياها في الخفاء، ولا يدركون رغم تتابع الشواهد والأمثلة والأدلة، أن الظلم الدولي الذي كان قد فوضى في الماضي قد هذبت حواشيه حتى بات ظلما منظما!
تحطيم أنبل الأهداف:
وقد أسيئ بهذا الظلم المؤسسي المنظم الحواشي أكبر إساءة إلى الجهود الكثيرة التي بذلت في سبيل مأسسة النظام الدولي. وهي جهود من أعظم وأنبل الجهود التي سعى بها في الفترة الأخيرة جمع كبير من محللي ومنظري العلاقات الدولية، الذين قادوا تيارا جديدا في مواجهة التيار (الواقعي) السائد حاليا، وهو التيار الذي يقول بأن الدولة القومية هي الأساس في النظام الدولي وأن المنظمات حتى ولو كانت ذات طابع عالمي إلا أنها تتبع في النهاية للدول التي تمثلها وبالتالي فلا حاكمية ولا أثر يذكر لهذه المنظمات إلا بالقدر الذي يمكن أن يذكر للدول التي تمثلها.
وتبعا لهذا المنطق الذي يستمد أصالته من الواقع ويبرره ولو كان واقعا ظالما فإن إدارة أمر العلاقات الدولية ينبغي أن يكون للدول الكبرى وحدها، وأن تكون لكبراها الكلمة العليا التي لا يعلو عليها أحد.
و ينبغي ألا تنازع الدولة الكبرى في الأمر حتى ولو وجهت النظام الدولي وجهة منحرفة ظالمة لأن من الطبيعي جدا أن يسود الظلم في عالم العلاقات الدولية وأن يستبد القوي فيه بالضعيف فهذه سنة الحياة وهذا منطق قانون العلاقات الدولية وقانون الغاب وهما قانونان سيان في التجرد من مادة الأخلاق وحس العدالة والإنصاف.
الالتفاف على خط الإنصاف:
اتجه المنظرون المناوئون ذوي الحس الأخلاقي والعدلي العالي إلى الدعوة إلى مأسسة النظام الدولي ولو على نحو تدريجي قاصر، عسى أن يتحسن أو يتكامل مع مرور الزمن الطويل ويحقق العدالة والمساواة بين جميع الدول والشعوب.
ونجح هؤلاء المنظرون بالفعل في إقناع العالم بالانضواء في ظل منظمات دولية كان لها منافع كثيرة، ولكن هؤلاء (الواقعيين) الفاسدين المتصهينين ما زالوا بالمرصاد لأي تطور يعطي لهذه لمنظمات الدولية سلطة عليا أعلى من سلطات الدول الكبرى. وهم على أتم استعداد لمواجهة هذا الخط العادل والخروج عليه كلما هدد مصالحهم القائمة على انتقاص الآخرين والعدوان عليهم.
ولذلك رأينا خروجهم المتكرر على قرارات مجلس الأمن التي تدين إسرائيل وتطالبها بالعدول عن أفعال الظلم التي ترتكبها ضد الفلسطينيين والدول العربية الأخرى، ورأينا خروجهم على الشرعية الدولية أو ما يسمى بهذا الاسم غداة غزوهم للعراق وما غزا العراق إلا هؤلاء المتصهينون من المحافظين الجدد من زملاء أوكامبو وأساتذته وموكليه.
محكمة لتصفية حساب القوى الاستكبارية مع السودان:
وما نراه الآن من تسييس هؤلاء المحافظين الجدد المتصهينين لما يسمى بالمحكمة الجنائية الدولية ما هو إلا فرع لتلاعبهم بالمنظمات الدولية التي يريدون تتبيعها لإرادة الدول الكبرى، حتى تلك التي لا تشارك فيها رسميا، ولكنها توجهها فعليا لتصفية حساباتها مع الدول المستقلة المتأبية عن طاعة إرادتها طاعة عمياء، وتريد أن تؤدبها وتجعل منها عبرة لمن يعتبر من الجبناء.
فحبن فشل أعداء السودان في ملاحقته بتهم الإرهاب المطاطة المبتذلة، اخترعوا هذه الوسيلة لملاحقته وإذلاله بها. ورتبوا للأمر جيدا فقد ظنوا أنهم بإبرامهم لصلح نيفاشا قد دقوا إسفين الموت في جسد حكومة الإنقاذ وذلك بإدخالهم لأنصارهم ومؤيديهم من أتباع حركة التمرد وفلولها وأذيالها في تركيبة الحكم.
وظنوا أنهم لم يبق لهم بعد ذلك إلا أن يشعلوا حركة تمرد عسكرية أخرى في أقصى غرب البلاد، عسى أن تتمكن هذه الحركة المتمردة من شل النظام وهزه وتمكين أعدائه للإطاحة به من داخله.
ولكن خاب فألهم. فقد كانت الإنقاذ لهم بالمرصاد ولم تفاجأ بتمرد دار فور، فهي حكومة ذات خبرة جيدة بمؤامرات خصومها، تلك المؤامرات التي انهلَّت عليها منذ يومها الأول ولم تتوقف قط. وما كان لها أن تتوقف بانبرام صلح نيفاشا وإنما كان حريا بها أن تتخذ مسارا جديدا أشد خطرا ومكرا وإيذاء من ذي قبل.
وقد أدارت حكومة الإنقاذ الباسلة معركتها مع خصومها في تمرد دار فور بمهارة مقتدرة. وكسرت حركة التمرد غير مرة ومنعت استفحالها على الأرض كما استفحلت حركة التمرد في جنوب السودان.
فجاؤوا عندئذ ليشنعوا عليها بموضوع الجنجويد المفتعل وبموضوع الإبادة الجماعية المزعوم وأرادوا أن يهيجوا بذلك العالم أجمع على حكم الإنقاذ، وقد أفلحوا بالفعل في تهييج العالم كله على الإنقاذ ولكن إلى حين.
أما الآن فقد عرف كل من يريد أن يعرف أن الأمر ما كان إلا تهويلا في تهويل وكذبا في كذب وغرضا في غرض ومرضا في مرض. وأدركوا جميعا أن أعداء السودان هم المتورطون حقيقة في عدائه، وإشعال الفتن في أرضه، وأن أهل السودان وحكومته ليس لهم من غرض في فتنة ولا شر ولا رغبة لهم في عداء أحد وإيذائه.
كسب المعركة الدبلوماسية:
هذه المعرفة الصحيحة التي توفرت أخيرا للجميع هي سر تكتل أكثر دول العالم اليوم في مساندة الإنقاذ، ومواجهة هذه المحكمة العدائية المسيئة للعدالة بكل معنى من معانيها والمسيئة لكل معنى سام شريف في أفق العلاقات الدولية.
وهي المحكمة التي ذكر أحد القادة الأفارقة في حقها أنها محكمة الرجل الأبيض لإدانة الرجل الأسود. وهو محق في هذا القول، والتاريخ الحديث يشهد له بذلك وأكثر.
فهو تاريخ حافل في كل مفاصله بمظالم الغرب الأبيض المتكررة والمتواترة على عالم السود والسمر والصفر. بل حتى على عالم البيض من مسلمي البوسنة والهرسك وكوسوفو والشيشان.
وهكذا بارت خطة هذه المحكمة الآثمة، وتكسرت على صلابة جدار الإنقاذ المنيع. ولن تفلح أبدا في هز النظام ولا تقويضه مهما تابعت مع جهات الظلم الدولي أمر تنفيذ استدعائها للبشير لتحاكمه.
كل ما هنالك أن أدى قرارها المجحف إلى تزايد شعبية البشير وتزايد حظوظه في الفوز بالانتخابات الرئاسية القادمة وهذا هو عكس ما يشتهون تماما إذ أنهم فاوضوا الإنقاذ سرا على أن تأتي بمرشح آخر غير البشير وحين ذلك يعدلون عن أمر محاكمته!
ولكن إذا بارت مؤامرة التآمر اليوم فإن للقوم في كل يوم جديد ضد الإنقاذ، وعما قريب سنسمع بخطة جديدة من خطط الجور والبغي، وستنجو الإنقاذ بحول الله تعالى من خطط السوء جميعا، واحدة إثر الأخرى، وشأنها شأن القائل:
وضاقتْ خطةٌ فخلُصتُ منها خَلاصَ الخمرِ من نَسْجِ الفَدَامِ!
waqialla1234@yahoo.com