كيف تفك النخب السودانية إرتباطها بالجمود الفكري

 


 

طاهر عمر
1 November, 2022

 

حاولت أن ألفت انتباه النخب السودانية مرارا و تكرارا الى أن هناك جمود و تكلس فكري تجيده النخب السودانية و يتجلى في إنحباسها في حقبة ستينيات القرن المنصرم.
و يظهر في كتابات النخب السودانية و خاصة الجيل الذي قد كان له دور في أحداث ثورة أكتوبر 1964 حيث نجد كثير من مقالاتهم معادة عن أحداث ثورة إكتوبر و إعادة الحكي بألف طريقة الى درجة يصبح حكي كما يقول العراقيون في تهكمهم على مثل حكي جيل ثور اكتوبر السودانية و انبهارهم بها رغم انها لم تثمر ثمار قيم الجمهورية.
و لكن يمكنك ألا تحس بعقدة الذنب و أنك متحامل على جيل يجيد النواح الذي يبعثه الحنيين الى الماضي و لا يمكن الخلاص منه بغير تفكيك الأصنام الذهنية كما يقول داريوش شايغان. لا تحس بالتحامل على هذا الجيل و قد صار صنو الجمود و التكلس الفكري لدرجة أن يوصف فيها جيل أكتوبر بجيل الأصنام الذهنية لعدم قدرته على تفكيكها وفقا لفكر فرانسيس بيكون و قد أستلفه منه داريوش شايغان.
لفتة خفيفة و مقارنة ما بين ثورة اكتوبر السودانية و ثورة الشباب في فرنسا عام 1968 توضح لك بشكل جلي ما أود أن أقوله لك. ماذا يقول مفكري ثورة الشباب الآن في فرنسا عن ثورة الشباب؟ و ماذا يقول جيل ثورة اكتوبر السودانية غير مكرور الكلام عن ثورتهم؟
انزوى جان بول سارتر بماركسيته و تنحى جانب ليفسح الطريق الى فكر ريموند أرون ليؤكد بأن فلسفة التاريخ الحديثة قد أصبحت أم الديمقراطية أبنة القيم الناتجة من التشريعات و القوانيين. و انطوى زمن فلاسفة ما بعد الحداثة و هجومهم على عقل الأنوار.
و اختفى بغير رجعة ضباب العقل عما يتعلق بمفهوم السلطة و كيف أصبح التفريق سهلا بين ديمقراطية هي مآل تاريخ ينفتح على اللا نهاية و فكر شمولي تجسده غائية و دينية و لاهوت الشيوعية في إرتكازها على نهاية التاريخ و إنتهاء الصراع الطبقي.
باختصار نقول لك بأن الساحة الفرنسية اليوم لا يلعب فيها من يتحايل على القارئ غير المدرب و يتحدث عن النظم الشمولية كما يفعل أتباع النسخة السودانية من الشيوعية.
و ما زالوا لم يروق لهم أن شيوعيي الغرب قبل قيام الحزب الشيوعي السوداني قد أيقنوا بأن لا طريق غير نمط الانتاج الرأسمالي و هذا بالنسبة للشيوعي السوداني مثل كأس السم الذي تجرعه الخميني عندما قبل بوقف إطلاق النار لينهي حرب العراق و ايران كما قال.
ما أود أن أقوله و أوضح به فكرتي و هي منذ أيام ثورة الشباب و كيف انزوى سارتر و أفسح المجال لفكر ريموند أرون في دفاعه عن الفكر الليبرالي قد أعقب ريموند أرون كل من كلود لوفرت و مارسيل غوشيه و حتى اللحظة و هو يطور في فكر ريموند أرون و لكن كانت ضربة فكره القوية في العام 1985 و في نفس العام أي عام 1985 ايضا نجد كيف هجم لوك فيري على فلاسفة ما بعد الحداثة.
ما أعنيه بأن سبعة عشرة سنة بعد ثورة الشباب في فرنسا قد أنتجت فكر و حقبة لم يفهمها المثقف السوداني الى اللحظة و هذا هو سر كساد فكرنا حتى اللحظة و قد فوّت علينا إمكانية توسيع زاوية النظر في تجربة ديمقراطية ابريل عام 1985 و هو نفس لحظة بلوغ مارسيل قمة تفكيره عن أن الديمقراطية صيرورة و غياب فكره مع فكر لوك فيري و هجومه على فلاسفة ما بعد الحداثة أضاع علينا فرصة إنجاح تجربة ديمقراطية ابريل 1985.
عندما بلغت ثورة الشباب في فرنسا عقد من الزمن وضع ريموند أرون الحد ما بين النظم الديمقراطية و النظم الشمولية التي ما زالت تبهج الشيوعي السوداني ببريقها الذي يعمي بصره حتى لا يرى أن الديمقراطية قد أصبحت صيرورة و مآل كل مجتمع بشري.
مهما تأخر حدوثها أي الديمقراطية و ضرب مثل بأن مجتمع الاتحاد السوفيتي و مجتمع الغرب الصناعي كليهما صناعيين و لكن الفرق في طبيعة النظم ديمقراطي أم شمولي و سيكون الانتصار للنظم الديمقراطية.
و نجد في نفس العام قد قدم عمانويل تود فكره في كتابه السقوط النهائي و قد تنباء بسقوط الاتحاد السوفيتي و قد كان و حتى اليوم ينادى بالفيلسوف النبي في فرنسا.
مسألة صيرورة الديمقراطية و أنها قد أصبحت قرار و إختيار وفقا لديالكتيك ريموند أرون حيث أصبح علم الاجتماع بعد معرفي في صميم الديالكتيك و اختيار المجتمع للديمقراطية تفرضه معادلة الحرية و العدالة وهي من صميم الفكر الليبرالي و صميم فكر توكفيل.
و كيف يرى توكفيل أن الديمقراطية نتاج التحول الهائل في مفاهيم البرجوازية الصغيرة و إحساسها بالمسؤولية الاجتماعية نحو الفرد بسبب التغيير الهائل الناتج من الثورة الصناعية التي قد تزامنت مع استقلال امريكا عام 1776 و قد تصادف مع صدور كتاب ثروة الامم لأدم اسمث.
أيها القارئ المحترم قارنا ما بين ثورة الشباب في فرنسا 1968 و ثورة اكتوبر 1964 في السودان حتى يتضح لك كيف تطور الفكر في فرنسا منذ منتصف الستينيات و قد ذكرنا على سبيل المثال ثلاثة من فلاسفة فرنسا كل منهم قد شكل منعطف فكري كبير بعد ثورة الشباب و هم مارسيل غوشيه و لوك فيري و عمانويل تود.
و بالمناسبة ما قدموه من فكر عقب فكر ثورة الشباب قد تجاوز فلاسفتها و هو الفكر الذي لم يصل الى ساحتنا حتى اللحظة. و هذا هو سبب عدم نجاح ديمقراطية ابريل عام1985 لأن المثقف السوداني حاول أن يجد لها مقاربات بأفكار الستينيات و نسى أن البعد الفلسفي و الجمالي لها كباحثة عن الديمقراطية يكمن في فكر لم تره عين و لم تسمعه اذن و لم يخطر على بال مفكري السوداني في عام 1985 و حتى اليوم ما زالوا يحاولون تقديم مقاربات للفلسفي و الجمالي لثورة ديسمبر بفكر ثورة اكتوبر الستينيات و قد غادرها الفكر لأن الديمقراطية صيرورة.
عندما نقول أن الديمقراطية صيرورة نقصد ما قاله توكفيل في اعجابه بالديمقراطية الأمريكية حيث أصبحت فكرة التحول الهائل في المفاهيم لدي البرجوازية الصغيرة و ما يتعلق بالمسؤولية الاجتماعية نحو الفرد قد جعل من الديمقراطية صيرورة تحل محل الفكر الديني.
لأن توكفيل قد لاحظ أن الديمقراطية الأمريكية قد كانت نتاج عقد اجتماعي طبّق فكر جون لوك بحذافيره فيما يتعلق بفصل الدين عن الدولة و بالتالي قد أصبحت المساواة بين الأفراد نتاج مجد العقلانية و إبداع العقل البشري و زال هم الفرد عن كل ما يشغل باله عن فكرة المساواة ما بينه و الآخرين ليس من منظور الفكر الديني و لكن فكرة المساواة الناتجة من عقل الانسان و تجربته كانسان رغم وجود الرق و صراع الاعراق و إضطهاد المرأة.
و حينها قد أيقن توكفيل أن زعم الكاثوليكية و الكاثوليك في فرنسا غير صحيح فيما يتعلق بامكانية تحقيق الديمقراطية عبر تطور الكاثوليكية و هذا ما نريد قوله و هو أن الديمقراطية السودانية لا يمكن تحقيقها بكاثوليك السودان و هم أتباع الامام الصادق المهدي و اتباع مولانا الطائفية أي الميرغني و أتباع الترابي كمرشد و قطعا ليس عبر السلفيين بل يمكننا تحقيق الديمقراطية عندما نيقن أن الديمقراطية كصيرورة قد أصبحت بديلا للفكر الديني من كل شاكلة و لون أي دين.
و عندما نتحدث عن الديمقراطية يصبح الدين شأن فردي و علاقة بين الفرد و ربه بلا وساطة من رجال الدين. أما عن مسألة صيرورة الديمقراطية و كيفية توضيحها لمسألة فشل النظم الشمولية كما رأينا في فكر ريموند أرون و كيف تحدث عن الفكر الليبرالي بأنه ما يمثل التاريخ الطبيعي للانسانية التاريخية و ما الشيوعية غير نتاج إنحراف لأزمة قد كانت نتاج نهاية ليبرالية تقليدية و بداية ليبرالية حديثة و كذلك نهاية لفلسفة تاريخ تقليدية و بداية فلسفة تاريخ حديثة و بعدها سيعاود التاريخ مساره الطبيعي متجاوز كل من النازية و الفاشية و الشيوعية و يعود لصيرورة الديمقراطية.
و هذا ما طوّره مارسيل غوشيه كامتداد لفكر توكفيل و عبر فكر ريموند أرون حيث يقول مارسيل غوشيه أن الشيوعية قد كانت تريد أن تكون بديلا دينيا لفكر ديني قد انتصرت عليه الديمقراطية و أصبحت بديلا للفكر الديني. و في نظر مارسيل غوشيه ما الشيوعية إلا دين ضد الدين و من هنا كانت حتمية فشلها مقابل الديمقراطية في صيرورتها و قد أصبحت بديلا للدين.
و بالتالي ظهور كل من الشيوعية و النازية و الفاشية على مسرح الأحداث نتاج أزمة فكر أي أزمة ألمت بالليبرالية التقليدية و من نتائجها ظهور الشيوعية و النازية و الفاشية المؤقت على مسرح الفكر و إختفاءها لكي تعود الديمقراطية كصيرورة فكر يحل محل وحل الفكر الديني.
ما أريد قوله أن جمود الشيوعي السوداني هو محاولة تأبيد الشيوعية كفكر مؤقت ظهرت مع الفاشية و النازية نتيجة أزمة الليبرالية التقليدية و قد جاءت فلسفة التاريخ الحديثة لتسند ليبرالية حديثة لا تترك مكان للمؤقت من الفكر كالشيوعية و بالتالي قد تحدث مارسيل غوشيه عن صيرورة الديمقراطية و هذا مجال مقالاتي القادمة و سوف أتحدث فيها عن صيرورة الديمقراطية في فكر مارسيل غوشيه و كيف أصبحت الديمقراطية بديلا للفكر الديني و كيف فشلت الشيوعية في أن تصبح دين ضد الدين.
و عندما نتحدث عن أن الديمقراطية قد أصبحت بديلا للفكر الديني لا يفوت علينا بأن مارسيل غوشيه يعتمد على فكر ريموند أرون في اعتماده عن فكرة زوال سحر العالم عند ماكس فيبر حيث لم يعد للدين أي دين دور بنيوي على صعد السياسة و الاجتماع و الاقتصاد.
و أضيف ملاحظة و هي أن المؤقت على مسرح الفكر كالشيوعية و النازية و الفاشية يحتاج ظهوره و إختفاءه لعقود حيث نلاحظ ان أزمة الليبرالية التقليدية قد بدأت منذ عام 1880 و استمر الحال لما يزيد على الثلاثة عقود حتى ظهور الشيوعية و النازية و الفاشية.
و قد دفعت البشرية الكثير من العرق و الدم و الدموع بسبب حربين عالمتين ما أريده من القارئ أن يفهمه هو أن المؤقت من الفكر لكي نتخلص منه نحتاج لعقود مثلا بعد تجربة الانقاذ بعد ثلاثة عقود و هي تعتبر فترة مؤقتة و بعدها قد وصل الشعب السوداني الآن وفقا لتجربته لشعار حرية سلام و عدالة و بالتالي لا يكون التحول الديمقراطي بغير أن تصبح الديمقراطية بديلا يزيح خطاب وحل الفكر الديني الى الأبد من مشهد الفكر في السودان لأن شعار ثورة ديسمبر حرية سلام و عدالة قد كنس فكر الانقاذ و وحل الفكر الديني من مشهد الفكر في السودان و أتاح إمكانية صيرورة الديمقراطية التي تفرض علينا تفكيك التمكين و تفكيك فكر وحل الفكر الديني الذي قد جاءنا بالتمكين.
ستكون الديمقراطية بديلا عن وحل الفكر الديني في السودان و هذا يحتاج لوعي جديد يتجاوز روح النخب السودانية التلفيقية التي لا تخدم غير الترقيع الذي يؤآلف ما بين العلمانية و الدين و هيهات لأن التحول الديمقراطي يحتاج لجهود هائلة و تحول في المفاهيم حتى يستطيع الشعب السوداني تجاوز حقبة سيطرة المؤقت من فكر وحل الفكر الديني كما تجاوزت أوروبا المؤقت من الفكر في حقبة النازية و الفاشية و الشيوعية و بعدها يبدأ مسار التحول الديمقراطي و بالتالي يمكننا أن نقول بأننا قد بدأنا طريق صيرورة الديمقراطية و هي منفتحة على اللانهاية.

taheromer86@yahoo.com

 

آراء