من نافلة القول إن دعم لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو ومساندتها أمر ضروري باعتبار أن اللجنة إحدى آليات تحقيق أهداف الفترة الانتقالية، وتنفيذ مطلوبات الثورة، بتفكيك الأعمدة التي زرعها نظام الإنقاذ لتركيز وجوده في بنية الدولة وحلحلة الروابط التي مكنته من البقاء على رأس الحكم لمدة ثلاثين عاماً. ويلف هذه المهمة قداسة مستحقة، فالشعب الذي ثار على نظام الانقاذ كان أحد همومه إزالة نظام الانقاذ وتصفية وجوده واسترداد الأموال التي تم استلابها من الدولة لصالح الحزب الحاكم دون وجه حق. وتستمد اللجنة شرعيتها من واجبات المرحلة الانتقالية التي حددتها الوثيقة الدستورية ومنها (تفكيك بنية التمكين لنظام الثلاثين من يونيو وإقامة القانون والمؤسسات).
إلا أن الأهداف المقدسة يجب أن لا تغيب عنها أدوات العدالة، فالشعارات التي قامت عليها الثورة تضمنت تفكيك نظام الثلاثين إلا أنها بنفس القدر هدفت إلى تحقيق العدالة. ولا ريب أن عمل اللجنة عمل سياسي في المقام الأول، وقد صدق عضو اللجنة السيد محمد الفكي سليمان حين ذكر: (لذلك نقول إن نظام التمكين هو نظام سياسي وتفكيكه يتم وفق تفويض سياسي أعطتنا له ثورة ديسمبر المجيدة تتم بأدوات قانونية حتى لا نتجاوز حدودنا ونظلم الآخرين) والخطر أن يتم النظر إلى مهمة اللجنة السياسية وإغفال الأدوات القانونية اللازمة لضمان صحة قراراتها وحفظ حقوق الآخرين من أن تضيع دون أساس، أو يتم استخدام اللجنة في تصفية الحسابات الشخصية. فالصراع السياسي الذي لا يتقيد بقواعد قانونية عادلة ويفتقد البيئة الضابطة يمكن أن يؤدي إلى التخوف الذي نبه إلى إمكانية حدوثه السيد محمد الفكي سليمان.
توجد عدد من الإشكالات القانونية التي أحاطت بعمل لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو وأثرت على أدائها، ومن الضروري الانتباه لها في سبيل ترقية عملها وتصحيح مسارها ولا غنى عنها في سبيل تحقيق العدالة التي رفع شعارها الثوار في زحفهم العظيم :
أولاً: أعطى قانون تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 وإزالة التمكين اللجنة سلطة التحقيق، وفي ذات الوقت منحها صلاحية إثبات التهمة والبت فيها، ومن ثم جمعت اللجنة بين سلطة التحقيق من جانب وسلطة الاتهام والبت من جهة أخرى. وهذا الجمع في جهاز واحد يجعل من اللجنة الخصم والحكم في ذات الوقت، فكان من الضروري أن ينشأ لكل من هاتين الوظيفتين جهاز مستقل عضوياً ووظيفياً على نحو يكفل الحياد في أحكام اللجنة بما في ذلك إنهاء الخدمة ومصادرة الأموال الخاصة.
ثانياً: انتاب آلية تحقيق العدالة في قرارات لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو خلل كبير بتغييب لجنة الاستئنافات المختصة بالنظر في الاستئنافات المقدمة ضد قرارات الجنة. ومن الاجحاف البين أن تصدر اللجنة قراراتها باسترداد ومصادرة الأموال وفصل الموظفين دون أن تكون هناك عدالة سريعة يلجأ إليها من اتخذت قرارات بحقهم لغياب لجنة الاستئنافات، ويتفاقم هذا الاجحاف في ظل نصوص القانون التي أوضحت عدم جواز الأمر بوقف القرارات التي تصدر عن اللجنة قبل الفصل في الطعون بالاستئناف. بالطبع فإن هذه عدالة بائسة التي تجعل من صدرت قرارات بحقهم مغلولي اليدين عن اتقاء أثر قرار اللجنة لعدم وجود جهة الاستئناف التي تقرر مدى صحة القرار ، وفي نفس الوقت مغلولي اليدين عن اتقاء أثر القرار، لأن القانون لا يجيز وقف القرار إلى حين النظر فيه من قبل لجنة الاستئناف.
ورغم أن من حق لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو مراجعة قرارها وإلغاء ما صدر عنها إذا تبين لها بعد المراجعة أنه قرار غير صحيح، إلا أن ذلك لا يقوم مقام لجنة الاستئناف المستقلة. فالعدالة تقتضي أن تقام كافة المؤسسات الرقابية على قرارات اللجنة التي يمكن التظلم لها لضمان نزاهة القرارات وصحتها وحيدتها.
ثالثاً: تأثر أداء لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو تأثراً بالغاً بالفجوة العدلية الناشئة عن تغييب المحكمة الدستورية وعدم ملء المناصب الشاغرة التي انتهي أجل شاغليها منذ يناير 2020 أي قبل ما يربو على تسعة عشر شهراً، وعدم وجود جهة قضائية أخرى يمكن أن تقوم بدورها العدلي بدلاً عنها. وكان يمكن للمحكمة الدستورية أن تلعب دوراً قانونياً إصلاحياً في أداء اللجنة بالقدر الذي يخلق اساساً متيناً لأعمالها ومن ذلك:
1- إزالة الغموض الذي احتوش عدداً من نصوص قانون تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 وإزالة التمكين من خلال تفسير هذه النصوص ومنحها معناها الواضح الذي يتفق مع معايير القانون. فعلى سبيل المثال فإن مفردة (الاسترداد) مفردة غريبة في القانون السوداني، ورغم أن قانون تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989، قد فسرها، إلا أن تفسيرها خلق غموضاً خاصة عند مقارنتها بمصطلح (مصادرة) الذي نصت عليه الوثيقة الدستورية، وبيان الاختلاف بينهما. ومن شأن وجود المحكمة الدستورية أن تفض الاشتباك بين المفهومين. وهذا بالطبع يؤدي إلى تقوية الجانب الاجرائي لعمل بتوضيح الأعمال التي قامت بها اللجنة ومنها مصادرة الملكية الخاصة للأفراد دون حكم قضائي، في ظل وجود نص دستوري واضح نصت عليه الوثيقة الدستورية في مادتها رقم 61 بعدم جواز مصادرة الأموال الخاصة إلا بموجب حكم قضائي. وستظل أعمال اللجنة في هذا الجانب عرضة لمخاطر جمة بالإلغاء في حال عرض هذه القرارات على جهة قضائية مستقلة للنظر فيها.
2- ينطبق نفس الموضوع على ما قامت به اللجنة من فصل لعدد من القضاة في السلطة القضائية فقد كان يمكن أن تلعب المحكمة الدستورية دوراً موضحاً لصحة هذه الإجراءات وبيان مشروعيتها في ظل النصوص الدستورية الواضحة التي أحاطت السلطة القضائية بسياج منيع من الاستقلال عن السلطة التنفيذية والسلطة السيادية والمجلس التشريعي باعتباره السلطة التشريعية الأصيلة في الدولة، وحددت طريقاً واضحاً لإصلاح السلطة القضائية من خلال مجلس القضاء العالي، والذي بدوره تم تغييبه رغم أنه الجهة المعنية التي تتولى أمور السلطة القضائية وتتولى اختيار قضاة المحكمة الدستورية.
لا مناص من تصحيح البيئة القانونية والعدلية التي تعمل فيها لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو ووضع اللجنة في إطارها القانوني الصحيح الذي يحقق العدالة وفي ذات الوقت يؤدي إلى إزالة تمكين نظام الثلاثين من يونيو.
أبوذر الغفاري بشير عبد الحبيب
abuzerbashir@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم