(كلام عابر)
كانت تلك اللحظة من يوم الثلاثاء الثاني من أغسطس والثاني من رمضان والتي نقلت فيها الكاميرات عبر الفضاء مشهد الرئيس المصري السابق أو المخلوع محمد حسني السيد ابراهيم مبارك وهو داخل قفص الاتهام ممددا على سريره الطبي ومن حوله نجليه علاء وجمال وهم جميعا يواجهون تهم القتل والتحريض على القتل والفساد السياسي والمالي بمنظرهم البائس، كانت لحظة فارقة في التاريخ العربي استطاعت أن تمسك بالعصر.
في مصر كانت عقدة الفرعون الإله ملازمة لحضارة الفراعنة آلاف السنين فقد عرف الفرعون الإله بأنه قادر على كل شىء وله ملك الأرض والشعب، لأنه يعطى الخصب ويحفظ كل شىء وظلت عقدة الفرعون الإله لقرون طويلة متتابعة يمسك بعضها بخواصر بعض لا ترى تغير الأزمنة من حولها بعد أن عزلت أحاسيسها من مجتمعاتها. كان أمرا مذهلا حقا أن يشاهد المواطن الفرعون الإله وقد تنزل إلى درجة البشر العادي الذي يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويمرض بل ويقف أمام القضاء ليحاسب ويحاكم شأنه في ذلك شأن كل البشر. على مر التاريخ العربي قديمه وحديثه ما من حاكم ،إلا ما ندر جاء باختيار شعبه أو ترك الحكم طوعا، معظم من أجبروا على التخلي عن الحكم قتلوا بالسيف، الذي ما يزال بعضهم يلوح به، أو السم أو ضربا بالقباقب،أو سحلا في الشوارع أو خنقا على أعمدة المشانق. المختلف هذه المرة أن شيئا من ذلك لم يحدث للحاكم الذي أزيح من كرسي الحكم بل أجبر على الوقوف أمام القضاء، والجديد أيضا أنه وقف متأبطا ،لأول مرة، المصحف.
لحظة تاريخية تخاطب كل ضحايا الحاكم العربي على مدار القرون.. قائمة الضحايا طويلة طويلة مخضبة بدماء عمار بن ياسر و سعيد بن جبير وحسين بن منصور الحلاج وسيد قطب ومحمود محمد طه وملايين غيرهم و تلال من الجماجم والمحارق وبحور من الدماء ، والقائمة تطول وتمتد حتى تبلغ بنا عصر خالد سعيد.
هذه اللحظة التاريخية قد تكون المدخل العربي لنهج جديد يلحق بمنظومة العصر التي تتدافع نحوها الشعوب. ورغم أن العرب جاؤوا متأخرين قرونا طويلة للحاق بالركب بعد سفر طويل وزاد قليل ، فما زال بعض حكامهم يجد هويته في عملية إلغاء كرامة الإنسان. هناك دول يقع فيها القمع؛ كاستثناءات وتجاوزات، ودول هي في أساسها مشروع قمع كامل؛ تتجه كل مكوناتها لسحق وإلغاء كرامة الإنسان ،وهذا النوع من الثقافة هو الذي ما يزال مهيمنا في المجتمعات العربية، لكن هذه اللحظة التاريخية تعيد الاعتبار الى ثقافة جديدة تقضي بقيام الدولة في كل بلد عربي وتحديث مؤسساتها السياسية والاقتصادية والثقافية والفكرية، ليكون الافق الديموقراطي سبيلا رئيسا لا بديل له للولوج الى رحاب الحداثة وارساء تطور مجتمعي وفكري اساسه تغليب العقلانية على الغيبيات والاساطير، فكل فرعون إلى زوال ولو بعد حين، حتى لو هيأوا له أنه ليس كمثله أحد وأنه لن يشهد نفس التجربة؛ ومن تتجاوز به البصيرة موطيء القدمين فسيلم مبكرا بحقيقة العصر ويستبق ما هو قادم لا محالة ليلقاه في منتصف الطريق؛ هكذا تعلمنا تلك اللحظة التاريخية.
(عبدالله علقم)
Khamma46@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم