تأمُلات
كمال الهِدَي
أثار دكتور كسلا نقطةً شديدة الأهمية يُفترض أن تعصف بالأذهان، لو كنا فعلاً ذلك الشعب الواعي، وأردنا أن نكون موضوعيين في أحكامنا التي يبدأ الإعلام دائماً بإطلاقها في الهواء دون سند، ليلتقط جمهور الكرة القفاز ويُكمل الناقصة بجدلٍ بيزنطي وأحكامٍ عاطفية لا تضيف شيئاً.
قال النجم والمدرب السابق والمحلل في تصريح لموقع الترا سودان، ما معناه إن قول كثير من السودانيين إن فلاناً أفضل مدافع، أو لاعب وسط، أو مهاجم في تاريخ الكرة السودانية، لا يمت إلى الموضوعية بصلة. وإن الصحيح – إذا كان ذلك ضرورياً – أن نقول إن فلاناً أفضل مدافع أو مهاجم في فترة زمنية محددة. وحتى هذا أراه شخصياً صعباً نظراً لغياب الإحصائيات والوثائق والبيانات الكافية، كما ذكر كسلا نفسه.
وأهم ما ذكره الدكتور هو أن مثل هذه الأحكام المطلقة تنطوي على قدرٍ من عدم احترام الكرة السودانية نفسها، وتسفيه تاريخ الكثير من نجومها السابقين والحاليين.
وليت السودانيين توقفوا عند حدود اعتبار لاعبٍ أو مجموعةٍ من اللاعبين الأفضل في مراكزهم على مر التاريخ.
فهناك من الإعلاميين وجماهير الكرة من يرون هيثم مصطفى “سيد” الكرة السودانية عبر تاريخها الطويل، متجاوزين في ذلك جميع من مارسوا اللعبة، بغض النظر عن مراكزهم سواءً كانوا مدافعين أو لاعبي وسط أو مهاجمين أو حتى حراس مرمى.
ومثل هذه الأحكام المطلقة تظل محل جدل واسع، لأنها تقارن بين لاعبين ينتمون إلى أزمنة مختلفة وظروف متباينة، وفي غياب المعايير والإحصائيات الدقيقة يصبح الانطباع الشخصي والعاطفة هما العاملين الأكثر تأثيراً في إصدارها.
والعجيب أنني عندما كنت أسأل أحدهم: “هل شاهدت إبراهومة الديسكو؟” تكون الإجابة: لا. و”هل رأيت طوال حياتك الرشيد المهدية يداعب الكرة؟” فتأتيك الإجابة بالنفي أيضاً. و”هل تابعت عادل أمين أو سامي عز الدين؟” فيختصر المشجع العاطفي، الذي ساقه إعلامي رياضي متعصب وغير موضوعي سواقة الخلا كما نقول ، بعبارة واحدة لإغلاق النقاش والتهرب من الأسئلة الصعبة: ” كل شيء عندكم زمان زمان، هيثم سيدا وبس”.
شخصياً، لا أعتب على تلك الفئة العاطفية من جماهير كرة القدم، وإنما ألقي باللوم على بعض الإعلاميين الرياضيين الكبار في السن، الذين شاهدوا مختلف لاعبي خط الوسط الذين تعاقبوا على ملاعبنا، ويدركون أن هناك من فاقوا هيثم موهبة وإبداعاً. ومع ذلك أصروا دائماً على إيهام جمهور الهلال بأن ملاعبنا لم تنجب لاعباً بمثل قدراته، فأطلقوا عليه ألقاباً مثل “البرنس” و”سيدا”.
وأذكر أنه في الوقت الذي كان فيه هيثم في قمة توهجه، كنت كلما كتبت بموضوعية عن المهارات التي تنقصه كلاعب كرة قدم، يثور حنق كثيرين. فإذا قلت، على سبيل المثال، إن هيثم لا يجيد اللعب بالرأس، ولا يؤدي أدواراً دفاعية تُذكر، ولا يحسن التعامل مع الكرات العالية، وأنه كان في الغالب يستلم الكرة على الأرض من زملائه ليحسن تمريرها وتوزيعها، لكنه يجد صعوبة في التعامل معها عندما تصله عالية، فإنني لم أكن أُواجه بردود تفند هذه الملاحظات أو تناقشها فنياً، بل كان الرد في معظم الأحيان مجرد امتعاض واستياء مما كتبت.
ولا يعني ذلك التقليل من موهبته الاستثنائية وقدرته الكبيرة على صناعة اللعب، وإنما الاعتراض على تحويل أي لاعب إلى معيار مطلق.
وفيما تقدم أوضح دليل على أن عديدٍ من الإعلامين وكثير من جماهير الكرة يحيدون عن الموضوعية، ويريد كل أن يروج لفكرته دون سندٍ فني.
والأنكى والأمرّ، أن بعض من يُطلق عليهم “صحفيون”، ترى الواحد منهم يزبد ويرغي، ويكيل لك الاتهامات جزافاً إذا تجاسرت على انتقاد سلوكٍ ل ” سيد الكرة السودانية”، ويحاول بكل ما أوتي من قوة تحريض جماهير الهلال ضدك وإيهام البسطاء منهم بأنك تحمل عداءً شخصياً للفتى.
وقد أسهمت هذه الفئة من الكتاب العاطفيين والمُضللين في ترسيخ الأحكام العاطفية وإضعاف وعي جماهير الكرة وإفساد الذوق العام.
لذلك أرى أننا ما زلنا بعيدين كل البعد عن الفكرة التي طرحها دكتور كسلا؛ ففكرته تتطلب قدراً عالياً من الوعي وذائقة فنية رفيعة، وهو ما لا يسمح به بعض الإعلاميين الرياضيين، لأنهم يكتبون في أمور لا يملكون عنها معرفة كافية. وكلما تطورت ذائقة جمهور الكرة وارتفع مستوى وعيه، ضاقت المساحة أمام هذه الفئة من الإعلاميين وفقدت كثيراً من نفوذها وتأثيرها وسط الجماهير.
وحتى أكون مُنصفاً، أذكر بأن الأمر لا يتوقف على الكرة أو هيثم وحده، ففي السياسة نرى من يجزم بأن دكتور حمدوك هو رجل المرحلة، وأن حواء السودان لم تنجب سياسياً مثله، وفي المجال العسكري افترض كثيرون أن عمر البشير، رغم سيئاته التي لا تخفى حتى على طفلٍ غض، هو أسد أفريقيا، وهكذا في سائر المجالات. فنحن شعب تشيع وسط فئات منه أحكاماً تحتاج إلى مراجعات جادة.
kamalalhidai@hotmail.com
لكن هيثم سيدا يا كسلا
