لماذا تتخفى النخب السودانية تحت لافتات تخفي جهودهم الفكرية

 


 

طاهر عمر 
4 فبراير, 2022

 

من المفارقات العجيبة في السودان أن الشعب السوداني متقدم على نخبه بما لا يقاس و قد إتضحت له الرؤيا و قد نضج له الهدف فيما يتعلق بالتحول الاجتماعي و التحول الديمقراطي إلا أنه قد عجز أن يفرز شخصية تاريخية لها القدرة على إستشراف المستقبل و كيفية الولوج الى عوالمه في ظل ظروف يمر بها العالم بأكمله حيث تتمظهر في أزمة تحتاج لنخب تستطيع أن تشق عباب الإختناقات السياسية و الأزمات الاقتصادية.

على سبيل المثال منذ الساعة الأولى لإنقلاب البرهان الفاشل قد إتضح بأن الشعب السوداني في مقاومته الباسلة للانقلاب مستعد أن يقدم آلاف الشهداء و يتذوق طعم العرق و الدم و الدموع من أجل أن ينتصر للحياة و للشعب السوداني قدرة هائلة لمجابهة الحياة بالحياة و حتما سينتصر لأن الشباب السوداني قد أثبتوا بأنهم أبناء الحياة كما يقول جبران و لم يتبخروا و يندثروا لأنهم قد عانقهم شوق الحياة كما يقول أبو القاسم الشابي.

بالمناسبة في ظل تقدم الشعب السوداني على نخبه تظهر لك العلاقة العكسية ما بين النخب السودانية و الشعب السوداني الذي أدرك بأن كساد النخب السودانية لم يستوعب حتى اللحظة بأن الشعب قد أدرك بأنه هو مصدر السلطة و القادر على فعل التغيير و ليس كما كان يعتقد بأن النخب و المفكريين و المثقفين من يقوم بالتغيير و هذه المعادلة المختلة هي التي جعلت النخب السودانية كاسدة و يتجلى كسادها في عقل الحيرة و الاستحالة و عدم قدرتها حتى على فهم تحول المفاهيم فيما يتعلق بالظواهر الاجتماعية و كيفية ترجمتها كقيم يصبو لتحقيقها المجتمع فيما يتعلق بمفهوم السلطة و مفهوم الدولة كمفهوم حديث و لا يمكن تحقيقه بأحزاب مهلهلة كحال الأحزاب السودانية و هي غارقة في وحل الفكر الديني و يسار رث متكلس في أيديولوجية متحجرة.

إذا فهمت النخبة الفاشلة بأن من يقوم بالتغيير هو الشعب و ليس النخب و المثقفين و المفكريين و القادة لما تأخر حمدوك لحظة في تفكيك التمكين و إبعاد أتباع الحركة الاسلامية السودانية من مفاصل الدولة و لم يتأخر لحظة في مواجهة حاضنته الفاشلة بأن ما يقومون به من محاصصة تحجب ملامح الدولة و أن تهافتهم على المناصب يدل هلى أنهم لم يدركوا بعد بأن ما تركته الأنقاذ الثمرة المرة للحركة الاسلامية السودانية من ركام يجب أن يزال و على أساس عميق ينبغي التأسيس للدولة التي تسيطر على المال العام عبر وزارة الاقتصاد و بنكها المركزي الذي يضمن عبره إنجاح سياسته المالية و سياساته النقدية و يوضح لهم بأن مفهوم الدولة كمفهوم حديث ليس له أي أثر في سجلات أحزاب سودانية كانت تقوم على ايمانها و لجؤها الى الغيب كما رأينا أحزاب الطائفية و السلفيين و أتباع الحركة الاسلامية السودانية أو نخب قد أصبحت أسيرة أيديولوجية متحجرة كما رأينا نسخة الشيوعية السودانية و هي حتى اللحظة و في كل نشاط لها يتضح لك بأنه ما زالت في وهمها القديم الذي يجعل ايمانها راسخ في مقاومة و رفض فكرة الدولة من الأساس.

لذلك ما زال الحزب الشيوعي السوداني و في مقاومته لفكرة الدولة و عدم ايمانه بها من الأساس لا يضيع أي فرصة تساعده في تحطيم إستقرار المجتمع على فكرة الدولة و رأينا كيف كانت خططتهم و قد تطابقت أهدافهم مع أهداف الفلول لإسقاط حكومة حمدوك و قد حقق لهم إنقلاب البرهان بغيتهم و بالمناسبة خروج أتباع الحزب الشيوعي السوداني من التاريخ و تكلسهم يجعلهم في مستوى واحد مع الكيزان في عرقلة ترسيخ فكرة تحول المفاهيم الذي يفتح الباب لفهم فكرة النشؤ و الإرتقاء و قد أنفتحت الآن على فكرة الدولة الحقوق و فكرة الحق في الحقوق مفارقة لفكرة الدولة الإرادة الالهية و الدولة الامة و لكن نسخة الشيوعية السودانية لا تضيع أي فرصة في تحطيم فكرة الدولة و لا تريد لها أساس كما كان الاتحاد السوفيتي يستخدم قوة الدولة كلها و يحطم بها المجتمع الى أن وجد نفسه و الشيوعية نفسها أمام الرياح هباء.

لذلك نجد أن الشيوعية تزدري علماء الاجتماع الذين قد توصلوا الى أن الماركسية لاهوتية و غائية و دينية و أن فكرة إضطراد التاريخ و العقل لا يفتح إلا على نظم شمولية بغيضة كما رأينا الاتحاد السوفيتي و لا حل بغير إفتراض بأن الفرد أخلاقي و عقلاني و له معادلاته السلوكية التي تناسبها فكرة الناخب الرشيد و المنتخب الرشيد أي الفكر الليبرالي و لكن مع سيطرة أفكار أتباع اليسار الرث المتمثل في أتباع النسخة السودانية من الشيوعية و أصدقاءهم نجد أن أدبيات الفكر الليبرالي في الساحة السودانية نادر كندرة الكبريت الأحمر و المضحك الكل يتحدث عن الديمقراطية و لا يتحدث عن أدبيات الفكر الليبرالي و كيف إنتصر توكفيل على ماركس كما أنتصر ريموند أرون على سارتر و أغلب النخب السودانية ما زالت غير قادرة على إستيعاب فكرة أن تحقيق العدالة أضمن و أقرب خط و أقصر خط لها هو فكر الليبرالية الحديثة الغائب من رفوف المكتبة السودانية.

بالمناسبة غياب الفكر الليبرالي الذي يرسم ملامح الدولة الحديثة التي تقود التحول الاجتماعي و التحول الديمقراطي هو ما جعل حمدوك يفشل في ترسيخ فكرة ملامح الدولة الحديثة لأنه كموظف له خبرة في المنظمات الدولية له دور مهم في إرجاع السودان الى حضن المجتمع الدولي أما فشله في ترسيخ فكرة الدولة و إبداء ملامحها لأنه يفتقر الى الإلمام بفلسفة التاريخ الحديثة و إلا لم إرتضاء أن تكون حاضنته غير قادرة على إدراك مفهوم الدولة الحديثة و كانت غير قادرة على تفكيك التمكين و إزالة أتباع الحركة الاسلامية السودانية من مفاصل الدولة و الكل يعلم بأن غير إبعاد أتباع الحركة الاسلامية من مفاصل الدولة لا يمكن تحقيق تحول ديمقراطي و لا يمكن ترسيخ فكرة مفهوم الدولة التي تقود التحول الاجتماعي.

لأن الكيزان أنفسهم مثل الشيوعيين السودانيين أي أنهم يلتقون مع الشيوعيين السودانيين في محاربتهم لفكرة الدولة من الأساس مثل إلتقاهم في ايمانهم بالمطلق و تقديم حلول نهاية كذلك نجد الشيوعيين يؤمنون بمطلق يؤدي الى إنحباسهم في فكرة انتهاء الصراع الطبقي و إنتهاء التاريخ و هيهات و لهذا السبب كان الشيوعيون السودانيين أيام حكومة حمدوك لا يستحون من رفع لافتة إسقاط الحكومة  و الهدف هو عرقلة ترسيخ فكرة الدولة لأنهم لا يؤمنون بفكرة الدولة من الأساس و هذا هو سر تعطيل الشيوعيين لأي تجمع يحاول أن يقدم فكرة يمكن أن تعجل باسقاط إنقلاب البرهان لأنهم يعتقدون بأن الفوضى ستجعل الأمور في النهاية سائقة لأيلولة السلطة الى حيزهم حيث لا تعني السلطة غير مفهوم التسلط في مفهومهم نتاج النظم الشمولية.

و حتى اللحظة و منذ الساعات الأولى لإنقلاب البرهان و الشعب يقاوم و يقدم شهداءه و يتذوق في كل لحظة طعم الدم و العرق و الدموع و ما زالت النخب غير قادرة على إفراز شخصية تاريخية تستطيع العبور بالشعب السوداني الى مشارف مفهوم الدولة الحديثة مفسر و مفصل لمفهوم السلطة وفقا لظاهرة المجتمع البشري و لا حل لها غير طريق الفكر الليبرالي في معادلة الحرية و العدالة المتطابقة مع شعار ثورة ديسمبر المجيدة حرية سلام و عدالة و هنا يتضح لك مسألة تقدم الشعب على نخبه الفاشلة نخب لم تستطع أن تقدم مفكر منفرد بل تتخفى في لافتات حتى تغطي على عيوبها مثل التخفي تحت لافتة أستاذة جامعة الخرطوم أو تحت لافتة حزب الأمة و مبادرته أو لافتة الحزب الشيوعي الذي يستتوب الأحزاب كما كان الامام الصادق المهدي يطلب التوبة ممن خرج من تحت عباءته و يريد أن يعود.

على الشعب السوداني أن ينتبه هذه المرة و هو مقبل على إسقاط إنقلاب البرهان يجب أن ينتبه الشعب السوداني الى حيل النخب الفاشلة و تخفيهم تحت اللافتات الخادعة و حتى يخفون عجزهم الفكري الموروث من أيام مؤتمر الخريجين سوف يأتوكم بلافتة الحزب الشيوعي لكي يخفون عجزهم الفكري كأفراد غير متصالحين مع الليبرالية الحديثة أو تحت لافتة أساتذة جامعة الخرطوم حتى يوهموك بأن تحت القبة فكي أو مبادرة حزب الامة و غيرها من أحزاب اللجؤ الى الغيب أحذروا الانبياء الكذبة أحذروا الكتبة و الفريسيين حفظة الشريعة قساة القلوب و أطلبوا الفكر من كل يأتي الى ثورتكم فكر واضح منتصر للفرد و العقل و الحرية فكر منتصر للديمقراطية الليبرالية بلا لجلجة و قد جربناهم و رأينا تدني مستوى فكرهم في عهد حمدوك.

فكر يبعد أتباع أحزاب الطائفية و أتباع الحركة الاسلامية السودانية و السلفيين و الشيوعيين بنسختهم المتحجرة و غير ذلك سوف تعيدون صراع النخب الفاشلة في صراعها على الغنائم و صراعها الفكري البائس كما كان يفعل مستشاري حمدوك و وزير إعلامه الذي كان ضد فكرة إزالة أتباع الحركة الاسلامية من مفاصل الدولة الى أن لحظة تخطيطهم الى إنقلاب البرهان الفاشل و كانت حجتهم أي حمدوك و وزير إعلامه بأنه لم ياتوا للانتقام.

من مثل وزير اعلام حمدوك كيف تنظر فكر يفتح على تحول ديمقراطي لهذا السبب إحذروا تخفيهم تحت اللافتات الكاذبة وزير إعلام حمدوك جاء الى ساحة الفكر تحت لافتة أن الصحفيين مفكريين و هذا أمر مضحك و خاصة لصحفي جاء للصحافة من إتجاه الصحافة و ليس من إتجاه الفلسفة و العلوم الانسانية. لهذا السبب تجد غياب مفكر سوداني يكون مثلا فيلسوف و مؤرخ و اقتصادي و عالم اجتماع كما نجد في الشعوب الحية و على سبيل المثال ريموند أرون في فرنسا و قد انتصر على سارتر. لذلك نقول لكم أيها الشعب السوداني طالبوا النخب الفاشلة أن يرتفعوا من مستوى وعيهم المتدني الى مستوى فكر يلبي طموح الشعب في مسيرته باتجاه الحرية و السلام و العدالة.

بالمناسبة تأخر تنظيم صفوف النخب دليل قاطع على تدني مستوى وعيهم و ها هو الشعب السوداني و منذ الساعة الأولى لإنقلاب البرهان الفاشل يقاوم و النخب غير قادرة على تنظيم نفسها و طرح فكر يقدم من بينهم من يلعب دور الشخصية التاريخية و هذا دليل على أن النخب ما زالت في ضلالها القديم و على الشعب ان لا يسمح للمغامرين و المحاصصين بأن يعيدوا علينا لحنهم القديم قد فشلنا و قد هيمنت علينا الدائرة الشريرة كما يحلو للنخب الفاشلة تكرار ذلك على مسامعينا و أكثر جهد فكري يمكن ان ينجحوا فيه عندما يعلن أحدهم في إنقلاااب كما صاح الحاج وراق صبيحة الانقلاب و هذا يعتبره نجاح كبير أنه إكتشف ان هناك إنقلاب أو كما صاح ياسر عرمان هناك إنقلاب زاحف و هذا غاية فكرهم الذي لا يقدم فكر منفتح على ديمقراطية ليبرالية ناجحة لأنها راسخة على أساس فلسفة التاريخ الحديثة.


taheromer86@yahoo.com

 

آراء