بقلم: هشام الحلو
في رحاب الأدب الخليجي والعربي، تبرز ليلى العثمان كعلامة فارقة؛ لا لكونها مجرد كاتبة، بل لكونها “رائية” تمكنت من تحويل القلم إلى مبضع جراح يشرح تفاصيل النفس والمجتمع. ويتجلى هذا الدور بوضوح في مجموعتها القصصية “في الليل تأتي العيون”، التي أبصرت النور في طبعتها الأولى عام 1980م عن دار الآداب العريقة ببيروت. إن العيون في هذه المجموعة ليست مجرد حاسة للبصر، بل هي أدوات للمعرفة وتلصص على أحاديث النفوس التي تُحبس نهاراً لتتحرر في عتمة الليل؛ حيث نجد تجسيداً حياً لهذا الصدام الجميل بين الواقع والفانتازيا في مرحلة نضج أدبي صاغت فيها العثمان تحولاً في السرد الخليجي من الواقعية المباشرة إلى الرمزية العميقة.
لقد تميزت العثمان بكونها أديبة لا تصالح الواقع ولا تراه قدراً محتوماً، وهذا ما أكده الروائي الكبير حنا مينه حين وصفها بأنها لا تتعبد الواقع صنماً ولا تنوء تحت وطأته، بل تواجهه وتستأنف ضده وتومئ إلى عالم آخر أحلى وأبهى؛ ومن هنا تملك قصتها الإضافة المستقبلية وتتجنب السقوط في فخ النقد الباكي. وتتجلى عبقريتها في قدرتها على مزج الرمزي بالواقعي؛ فقصص مثل “النمل الأشقر” أو “الأورام” ليست مجرد حكايات عابرة، بل هي إسقاطات سياسية واجتماعية ونفسية، حيث تتحول المشاعر المكبوتة إلى أثقال جسدية تنهك الروح، مما جعل مجموعتها هذه وثيقة أدبية تعكس هواجس الإنسان العربي منذ ثمانينيات القرن الماضي وحتى اليوم.
ولم تكن ليلى مجرد صدى للأدب العربي في الخليج، بل كانت صوتاً أصيلاً فرض خصوصية البيئة الكويتية على خارطة الإبداع، محولةً العناصر المحلية من بحر وعباءة وحكاية شعبية إلى منطلقات لقضايا إنسانية عالمية، وهو التميز الذي تُوّج باختيار عملها “وسمية تخرج من البحر” ضمن أفضل مائة رواية عربية في التاريخ، مما يعكس الأثر الممتد لمشروعها الأدبي ككل.
إن أثر “في الليل تأتي العيون” يمتد ليكون تأسيساً لـ “أدب المواجهة” الذي كسر حاجز الصمت، ممهدة الطريق لأجيال من الكاتبات الخليجيات للسير في درب المكاشفة والتحرر من القوالب التقليدية. ومن هذا المعين السردي الجريء، يستمد جيل الشابات الجديد في المشهد القصصي والروائي الخليجي المعاصر شرارة الانطلاق؛ حيث نرى اليوم كاتبات يقتحمن عوالم التجريب السريالي والاشتباك مع الواقع بذات الشجاعة والعمق اللذين دشنتهما العثمان، كما يتجلى في أطروحات بثينة العيسى، واستبرق أحمد، وبشاير محمد، وعائشة العاجل، وجوخة الحارثي، وغيرهن من الأقلام التي تواصل حفر مسارات مبتكرة تعبر عن هوية المرأة المعاصرة وتحدياتها. لقد أعطت المجموعة صوتاً للمرأة كذات مفكرة، ونجحت في أنسنة المكان والزمان بأسلوب سريالي يجعل القارئ يعيد التفكير في مفاهيم الحماية والأمان، لتظل نصوص ليلى العثمان نموذجاً يُحتذى في تطويع اللغة لخدمة قضايا الحرية، ورسالة خالدة مفادها أن الأدب ليس ترفاً، بل هو نور يُنير دروب المستقبل من وسط عتمة التحديات.
hishamissa.issa50@gmail.com
