15/9/1988م
هذا العمود الصحفي من أول ما كتبت راتباً في جريدة “الخرطوم” التي كان زميلنا فضل الله محمد فضل الله رئيساً لتحريرها ومالكها الباقر محمد عبد الله. وهو عمود حبيب إلى نفسي ما كففت عن إعادة نشره.
لي في المسـالمة غـزال
جـاء في الأخبـار أن المواطن إيهاب محمد قد طارد واشتبك مع مجموعة من الصائدين قتلة الغـزلان (المحميـة بقانون حماية الحيوانات البرية) بجهة غرب أم درمان. ولم يستسلم إيهاب حين رواغـة هؤلاء القتلة فأبلغ عنهم المبـاحث وأرشدها إلى موضعهم ومكَّن من اعتقالهم مع حصادهم الدموي وقدره 20 غزالاً.
استبـاح الجشعون والأنانيون كـل حرمات الوطن في تراكم للثروة لا بركـة فيها. لم تسلم من غائلة يدهم الطويلة أرض ولا نهر ولا غابة ولا فيل ولا نمر ولا غزال ولا مال عام ولا رخصـة استيراد ولا ألبان إغاثة. وأصبح كسر القانون وازدراء هيبته هو موهبتهم الأكيدة من أجل الثراء. ولم تبق إلا ضمائر قليلة لم يلوثها مالهم الحـرام. ولم تبق إلا قلوب قليلة لم ترهبها دولتهم الصـاعدة. لقد انتهى بنا الجشعون إلى وطن كـاسد.
وفي هذا الإطار من الخذلان العام للوطن تبدو حـراسة إيهاب لعشرين غزالاً بقلبه ولسانه ويده فتوة مضيئة وغيرة وطنية عجبية. ففي حين أباح أكثر المكلفين بحماية حرمات الوطن هذه الحرمات للمتطفلين ذوي الجيوب الكبيرة تبرع أيهاب بحماية وحش الفـلاة وسلمت يده.
خلّـد مُدّاح النبي عتقه الغـزال كمؤشر على رقـة حاشيته صلى الله عليه وسلم. وقـال الشيخ علي بيتاي في (رؤيته) المعروفة إن الرسول قد بلغه أن ينبه أمة محمد أن لا يقتلوا الغزلان ولا أولادها الصغار. ومنع الحاردلو إيذاء الغـزلان وكف عن صيدهن لمشابه لهن بالنساء اللائى قال في غزلهن مربعاته الشائقة. ليسعد إيهاب بهذه الصحبة من الرجال الوسيمين ذوي القلوب الكبيرة التي حين وسعت الإنسان والحيوان زفت للناس البشارات واحدة إثر أخرى.
د.عبدالله علي إبراهيم
ibrahima@missouri.edu
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم