مآلات الصراع الاثيوبي على دور اثيوبيا الإقليمي .. بقلم: د. محمد تورشين/باحث مختص في الشأن الإفريقي


بينما ينشغل العالم بالسيطرة على الموجة الثانية من كوفيد ١٩ ، أدخلت حلقات الصراع الأثيوبي بين طرفي الأزمة الحكومة الفدرالية بقيادة ابي أحمد رئيس الوزراء من جهة والجبهة الشعبية لتحرير شعب التيغراي من الجهة الأخرى الى مرحلة جديدة، وخصوصا بعد الانتصارات الحكومية الأخيرة ومبادرة المصالحة والحوار التي اطلقها ابي احمد.
و الشاهد إن الخلافات بين الطرفين قديمة – متجددة ومعقدة، حيث أن ابي أحمد وصل إلى موقعه في مارس 2018م على حساب رئيس الوزراء السابق هايلي ديسالين الذي حكم منذ أغسطس 2012 والمحسوب على جبهة التيغراي. ومن المفارقات إن أبي أحمد قد ترعرع في صباه في حضن جبهة التقراي، كما أنه أول رئيس وزراء ينتمى لقومية الارومو ومن طائفية البروتستانت.
وبدأت الحرب في نوفمبر 2020م بالهجوم على إقليم التيغراي من قبل القوات الفدرالية (وبمساندة القوات الارترية وقوات إقليم الأمهرا) في حملة لانفاذ القانون واخضاع الإقليم للسلطة المركزية كما أعلن ابي أحمد. الا ان المهمة لم تكن سهلة كما تصور البعض، وإنما كانت بداية لمتاهات من الحرب والاقتتال الاثني في بلد يقوم اصلا على الفدرالية العرقية كما اجازها الدستور الاثيوبي الحالي.
والفيدرالية الاثنية هي أسوأ انواع الفدرالية بحيث تختزل وتحتكر كل إقليم لمكون أثنى وحيد، وأعتقد أن جبهة التيغراي لجأت لهذه التقسيم في مطلع التسعينات كمحاولة منها لإضعاف نفوذ قومية الامهرا وجعلها تحت السيطرة والتحكم، حيث يعتقد الكثيرون بأن الدولة الإثيوبية وقعت أسيرة لنفوذ وسطوة الامهرا طوال تاريخها الحديث.
ان المراقب يجد أن كل الحروب التي عاشتها إثيوبيا ولا سيما الحرب الأخيرة في جوهرها هي بمثابة صراع اثني أو جهوي على السلطة، وليست المواجهات المسلحة إلا تجليات لتعقيدات المشهد السياسي التي حتمت تلك المواجهات لأضعاف الخصم وانهاكه واستنزافه اقتصاديا.
وبالرغم من أن جبهة التيغراي استفزت الحكومة الفدرالية بتنظيم انتخابات احادية دون التقييد بالتدابير والإجراءات التي اعلنتها اللجنة الوطنية للانتخابات، والتي قضت بتأجيليها مرتان بدوافع وتداعيات كوفيد ١٩ وبدواعي الأوضاع المالية حتى قيامها في 2021م، الا ان الهجوم على إقليم التيغراي لم يكن مبررا، ولم يكن الهدف منه فرض هيبة الدولة وإنما القضاء على منافس قوى.
ذلك ان جبهة التيغراي كانت اقوى منافسي حزب الازدهار، بما لها من إمكانيات مالية وسياسية وعسكرية وتأثيرات وتحالفات محلية وإقليمية ودولية تفوق حزب الازدهار حديث العهد.
إن اطماع وطموح ابي أحمد في أبعاد واقصاء منافسيه عن دوائر التأثير والفعل السياسي لم تبدأ مع جبهة التيغراي وإنما كانت البداية مع جبهة تحرير الاورومو والتي رغم توقيعها لاتفاق سلمي، قام رئيس الوزراء باعتقال قياداتها وعلى راسهم جوهر محمد وإيداعهم السجن.
ابان الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها العاصمة أديس أبابا ومدن الاورومو، وهي القومية الأكبر في إثيوبيا، عقب مقتل المغني الشهير هاشالو هونديسا في يوليو 2020م، كانت من المعطيات التي تشير بأنه من العسير على ابي أحمد ان يفوز بالانتخابات البرلمانية، في ظل إمكانية تحالف جبهتي الاورومو والتيغراي.
لذلك كان قرار ابي احمد بالتخلص من منافسيه، وذلك بالزج بجوهر محمد في السجن وتوريط جبهة التيغراي في حرب عبثية نجحت أديس أبابا بكسب الجولة الأخيرة منها بشق الأنفس وبدعم غير محدود من الصين وتركيا والإمارات.
ان دعم هذه الدول لابي احمد جاء لحماية مصالح الجيواستراتيجية لتلك الدول، أما تدخل إرتريا عسكريا فقد أتى لقطع الطريق أمام اي مطامع لأقلية التيغراي في ارتريا للتحالف مع التيغراي الأثيوبيين وإعلان ما يسمي بدولة التيغراي الكبرى، وهي خطة تنسب لقادة التيغراي وينكرونها باستمرار.
من ناحية أخرى فإن جبهة تحرير التيغراي لم تجد اي جهة إقليمية داعمة لها، وذلك رغما عن اتهامات سلطات إديس ابابا للخرطوم بدعمها، وحقيقة إذا كان قد توفر الدعم المناسب لتغيرت المعادلة السياسية / العسكرية إبان محاولة جبهة التيغراي الزحف إزاء العاصمة.
الشاهد أنه بعد أن حصل ابي أحمد على ولاية ثانية في ظل غياب أقوى المنافسين، وبعد الانتصارات العسكرية الأخيرة للقوات الفيدرالية التي جعلت جبهة التيغراي تتراجع لحدود اقليمها، أجاز البرلمان اخيراً واعتمد لجنة وطنية للحوار الوطني، في خطوة رغم انها أتت متأخرة الا انها تأتي كمبادرة اخيرة ومحاولة لشرعنة الوضع القائم.
إن إطلاق سراح المعتقلين السياسيين وعلى رأسهم بعض قيادات التيغراي والارومو ، ووقف التقدم العسكري تجاه إقليم التيغراي، يمكن أن يحقق أرضية مناسبة للحوار ، الامر الذي يمكن ان يؤدي لوضع قواعد ومبادئ متقف حولها تنظم شكل الدولة ونظام الحكم.
لكن نجاح الحوار مرتبط بعدم وجود تصور ونتائج مسبقة من قبل الحكومة او فرض تصوراتها، حتى لو أدى ذلك إلى إعادة النظر في نتائج الانتخابات الأخيرة. كما ان وضع إقليم تيغراي المعقد، في ظل الاحتلال الاثيوبي الامهري للجزء الشمالي منه، سيكون حجر عثرة في التوصل لأي حل دائم.
من الملاحظ هنا إن مآلات الصراع الداخلي قد ألقت بظلالها على دور إثيوبيا الإقليمي، لاسيما في تطورات الأوضاع في الصومال واستفحال الأزمة السياسية هناك، في ظل انشغال أديس ابابا بالحرب، قد جعلها بعيدة عن أي مبادرة للتسوية.
فضلا عن ذلك نلاحظ غياب الدور الإثيوبي في الازمة السودانية عقب الانقلاب العسكري في 25 أكتوبر، حيث كانت أديس أبابا قد لعبت دوراً محورياً في التوصل إلى إعلان دستوري بين الجيش السوداني وقوى إعلان الحرية والتغيير في أغسطس 2019م.
أيضا لا يمكن إغفال الجانب الانساني وآثاره المرتبط بالوحدة الوطنية، باعتبار ان الحرب قد خلفت آلاف من القتلى والجرحى وملايين من النازحين الداخليين واللاجئين، سيستهلك ارجاعهم وتأهيل مناطقهم وإعادة دمجهم الكثير من الجهد والمال الاثيوبي والدولي، الامر الذي سيقلص من دور اثيوبيا إقليميا لسنوات، في ظل انشغالها بإعادة اعمار ما خلفته الحرب.

ليموج فرنسا
10 يناير 2022م

info@raialyoum.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!