مناظير السبت 20 يونيو، 2026
مناظير
زهير السرَّاج
manazzeer@yahoo.com
مثل احتلالها لمثلث حلايب وأبو رماد وشلاتين في عام 1995 وضمها للدولة المصرية باستغلال ضعف وخنوع الحكومة السودانية آنذاك، يبدو أنها تعتبر أن منطقة شمال الوادي داخل الأراضي السودانية تابعة لها، أو أنها تخطط لاحتلالها مستغلة ضعف وخنوع وتواطؤ سلطة الأمر الواقع في السودان التي تخضع للإرادة المصرية حفاظاً على سلطتها الزائفة والحصول على الدعم السياسي والعسكري الذي يمكنها من الاستمرار في حربها ضد الشعب السوداني.
*ما يؤكد هذا الاعتقاد الخبر الذي نشرته صحيفة (المصري اليوم) يوم الخميس الماضي عن “تكثيف الحملات الأمنية لحماية مواقع الذهب بالبحر الأحمر”، وهو خبر يعتبر مناطق التعدين الجنوبية المتاخمة للحدود وكأنها امتداد طبيعي للسيادة المصرية، أو على الأقل يكشف وجود تفكير أمني مصري يتجاوز الحدود المعترف بها دولياً.
- كانت القوات المصرية، ممثلة في سلاح الطيران المدعوم بقوات برية قوامها نحو 25 عربة دفع رباعي محملة بالجنود والأسلحة، قد استهدفت منجم جبل العقيدات في منطقة شمال الوادي السودانية بالقرب من الحدود المصرية، وهو أحد أكبر مواقع التعدين الأهلي في المنطقة حيث يعمل ما بين 5 إلى 7 آلاف معدِّن سوداني، يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين، أي قبل يوم واحد فقط من نشر تقرير (المصري اليوم) عن تكثيف الحملات الأمنية في مناطق الذهب بالبحر الأحمر.
- تضمنت الغارتان إلقاء براميل متفجرة على تجمعات المعدِّنين، بعد أيام من التحليق المكثف للطيران العسكري فوق المنطقة، ولقد أسفر القصف عن سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى وسط دمار واسع في موقع التعدين.
- تشير التقديرات الأولية إلى مقتل نحو 50 شخصاً، مع توقعات بارتفاع العدد إلى أكثر من 100 بسبب وجود جثث متفحمة وأشلاء لم يتم حصرها حتى الآن، إضافة إلى عشرات الجرحى الذين تم نقلهم بجهود أهلية إلى مناطق مجاورة، وفرار الناجين خوفاً من تجدد الهجمات.
- إن إستخدام القوة العسكرية وفقاً لميثاق الأمم المتحدة، داخل أراضي دولة أخرى دون موافقتها يعد انتهاكاً صريحاً لسيادتها وعدواناً على أراضيها، كما أن استهداف تجمعات مدنية يعتبر انتهاكا واضحا للقانون الدولي الإنساني الذي يفرض حماية المدنيين وعدم استهدافهم.
- غير ان هذه الجريمة الوحشية لا تقتصر على الاعتداء المصري السافر، فالصمت الذي قابلت به السلطة الانقلابية في السودان هذه الأحداث يمثل فضيحة سياسية وأخلاقية كاملة. عشرات القتلى السودانيين سقطوا داخل الأراضي السودانية، ولم يسمع السودانيون كلمة واحدة من الانقلابي عبد الفتاح البرهان أو حكومته. لا إدانة، ولا احتجاج، ولا مطالبة بتحقيق، ولا استدعاء لسفير أو حتى سكرتير ثالث، ولا حتى بيان هزيل لحفظ ماء الوجه.
- يؤكد هذا الصمت الحالة المزرية من العبودية والتبعية والخنوع والهوان لمصر التي أوصلت السودان إلى هذا الوضع المهين، فالنظام الذي يزعم الدفاع عن السيادة الوطنية لم يجد الشجاعة للدفاع عنها عندما انتهكتها دولة أجنبية، والسلطة التي ترسل آلاف الشباب للموت في ساحات القتال تحت شعارات الكرامة الوطنية، لم تستطع حتى إصدار بيان استنكار عندما سالت دماء السودانيين على أرضهم.
- إن تكرار الاعتداءات المصرية على مناطق التعدين الغنية بالذهب يجعلنا نتساءل عن الأهداف الحقيقية وراء هذه الجرائم والعمليات العسكرية، فمصر التي قامت باحتلال وضم مثلث حلايب وشلاتين منذ أكثر من ثلاثين عاماً مستفيدةً من ضعف وهوان نظام الحركة الاسلامية وحكومة المخلوع البشير السودانية، يبدو انها تسعى لاعادة السيناريو مرة اخرى في منطقة شمال الوادي الغنية بالذهب والثروات المعدنية، بينما تواصل السلطة السودانية الخنوع والصمت وكأن الأمر لا يعنيها.
- من حقنا كسودانيين أن نعرف ماذا تريد مصر من شمال الوادي، ولماذا يتكرر استهداف المواطنين السودانيين في تلك المنطقة، ولماذا يصمت قائد السلطة الانقلابية على كل ذلك .. فالأرض السودانية ليست ملكاً للبرهان حتى يصمت على انتهاكها، والدم السوداني ليس ملكاً له حتى يتجاهل إراقته.
- ما فعلته مصر جريمة خطيرة تُصنَّف من جرائم الحرب حسب القانون الدولي، لكن الأخطر من ذلك وجود سلطة انقلابية ليس لها الإرادة والقدرة على الدفاع عن سيادة البلاد وكرامة المواطنين، واستعدادها للتضحية بكل شيء من أجل البقاء يوماً إضافياً في الحكم.
