هل يبدو لك المشهد السياسي والاجتماعي مُرْبِكاً ومرتبكاً وغرائبيّ بشكل محيِّر، وأن الجميع – بمن فيهم أنت – تائهون مشوشون (دائشون)، في حالة من التخبط الأعمى؟!.
حسناً. لا تبتئس، فهذا يكاد يكون حال الجميع. حتى أولئك الذين يمسكون بمفاتيح السلطة، ويفترض أنهم القادرون على تبديد الضباب وإزالة الغموض وإنارة الطريق.
هم مثلك، وربما أكثر منك حيرة وتخبطاً وارتباكاً.
رغم أن حالكم لم يكن هكذا طوال ما يقارب العام من ديسمبر 2018 إلى أغسطس 2019، حين كنتم طيلة شهورها تخوضون معركة شرسة ضد نظام شمولي لم يترك سلاحاً فاتكاً لم يستخدمه في مواجهة هتافاتكم وأناشيدكم وصدوركم العارية. أو حين كنتم تتوافدون لساحة الاعتصام، تدخلونها آمنين (عندك خُت، ما عندك شيل)، أمام قيادة ما يفترض أن يكون حارسكم (حيث تم الغدر بكم وقُتِلتم).
ورغم الغدر الخسيس والقتل الجبان والاغتصاب، ودفن الجثث الطاهرة في قاع النيل وباطن الأرض، لم تلين عزيمتكم ولم تهنوا.
لم تضيع بوصلة اتجاهكم ولم تتلفتوا بحثاً عن إجابة. كان الطريق واضح والهدف محدد.
فلماذا الآن هذه “الجهجة” والحيرة والارتباك؟.
ما الذي حدث ويحدث ؟ ولماذا يحدث؟.
(نافضو التراب عن مؤخرة جلابيبهم)
ما حدث ، وباختصار شديد، هو أننا أعدنا – ما يكاد يكون علامة سياسية خاصة وحصرية بنا – سيناريو نفس المواقف في نفس الأحداث، لننتهي إلى نفس النتائج في خاتمة القصة.
وفي غير هذا المكان، ذكرت أكثر من مرة، أننا وبعد كل ثورة شعبية على حكم ديكتاتوري، كانت الأحزاب السياسية تسارع دائماً لتختطف الثورة في مرحلتها الانتقالية. لتمارس نفس ألاعيبها السياسية وتتنازع العظمة. بحماقة من يتصارعون على قسمة الفراخ قبل أن يفقس البيض. ليأتي من الثكنات من يفض هذه الفوضى ويستلم الحكم، يعود بعدها كل فأر إلى جحره في انتظار هبة شعبية تقتلع الديكتاتور من مقعده، لينفض كل منهم التراب عن مؤخرة جلبابه مسرعاً إلى الكرسي الشاغر، ويستأنفون الصراع من جديد، وبنفس قواعد اللعبة القديمة التي تحكمها المصالح الحزبية الضيقة والمكاسب السلطوية الآنية والمؤقتة.
وهذا ما حذرت من نتائجه الكارثية وتكرارها هذه المرة في المقال الفائت بعنوان “مهلاً، أنتم توشكون على قتلها”.
وبما أن كل تجربة تاريخية خائبة تبدأ كملهاة – يقول ماركس محقاً – وتنتهي إلى مأساة. فقد انتهت ملهاتي أكتوبر 1964م، ومارس/ أبريل 1985م، إلى مأساة بدأت في أغسطس 2010، بعد ديكتاتورية استغرقت ثلاثة عقود، تغيرت خلالها ملامح السودان وتبدلت بشكل دراماتيكي، ولم تنتهي فصولها حتى يومنا هذا.
وقريباً من مقالة ماركس في نتائجها الكارثية تجري على اللسان السوداني مقالة “الثالثة واقعة”.
وها نحن نقترب من هذه “الوقعة”، نتيجة لهذا التشاكس والتشاكل بين المكونات الثلاثة على اختطاف الثورة الوليدة وهي ما تزال على ضعفها في حاضنتها، لفترة “مؤقتة” ريثما يشتد عودها في خيمة الأوكسجين.
(لاعب الاحتياط .. رأس الحربة الجديد !)
وبما أن القوى المتصارعة على القصعة في مكوناتها المختلفة – العسكرية منها والمدنية – حباها الله ذاكرة آل بربون، فات عليهم أن هناك لاعب جديد هذه المرة لم يشارك قبل، ولم يكن له وجود مؤثر في الثورتين السابقتين.
أو هو بالأحرى، كان “احتياطي” في دكة الانتظار لم يكمل استعداده بعد لمشاركة الكبار، وهو الآن “رأس الحربة” في فريق الثورة.
وهذا اللاعب الجديد يتشكل من: القوى الشبابية التي قضت مراحل طفولتها وصباها ومطالع شبابها في محاضن جحيم الإنقاذ، ” بلا انتماءات أيديولوجية. خارج” تشكيلة الأحزاب وفرقها السياسية المختلفة، التقليدي منها والحديث.
كما يتكون من تلك القوى الشبابية التي كانت سجينة المحابس الحزبية، طاقة معطلة وغير فاعلة، تحت سلطة الزعامات الحديدية الخانقة. ولهذه الأخيرة فيما سنرى لاحقاً مهمة أخرى “داخل” أحزابها.
ويوحد هؤلاء وأولئك هدف واحد محدد: دولة الحرية والعدالة والسلام المدنية.
الدولة أولاً.
والدولة المدنية تحديداً.
تلك التي تحقق العدل والمساواة بين جميع مواطنيها، وتكفل حريتهم وكرامتهم، ويسودها السلام من ثم، يعم كل أرجائها، وتستظل تحته كل شعوبها.
لم تكن الأيديولوجيات التي تتدرع خلفها الأحزاب السياسية تعنيهم في شيء.
ولم تكن الأحزاب نفسها تعني شيئاً لهم، طالما هي غير موجودة في معاناتهم اليومية، ومستقبلهم يُسرق تحت أعينهم من بين أيديهم (عينك يا تاجر).
كانوا وحدهم تماماً، عُزلاً، في مواجهة إرهاب الدولة الإسلاموية الدموية.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم