بقلم الريح عبد القادر
هل سبق أن وقفت أمام المرآة لتُصلح خللاً في هندامك لم تكن لتراه لولا تلك القطعة من الزجاج؟ في عالم الأفكار، نمتلك جميعاً مرآة مماثلة، لكننا غالباً ما نُبقيها مغطاة، أو نتجاهلها. هذه المرآة هي ما يسميه علماء النفس “Metacognition”، وهي ببساطة قدرة عقلك على الوقوف بعيداً ليرقب كيف يفكر، وكيف يخطئ، وقدرته على تقبل النتيجة بروح التواضع الجم. يشير مفهوم الـ Metacognition إلى القدرة الذهنية المقرونة بالشجاعة الأدبية التي تجعلك تنظر في هذه “المرآة الذهنية” لكي ترى أوجه القصور في كل ما تقول وكل ما تفعل وكل ما تفكر فيه، وتجعلك تدرك أن ما تعرفه ليس إلا قطرة في بحر ما تجهله.
وبينما يمنحك الذكاء العادي أدوات التفكير التقليدية، يعمل الـ Metacognition كأستاذك الموجه، أو قائد الأوركسترا الذي يرشد ذكاءك، ويدير أدواته المتاحة لك. فهو لا يجعلك تفكر فحسب، بل يدفعك لرصد مدى جودة هذا التفكير. إذن فهو مرتبة فوق الذكاء. ويتفوق الشخص الذي يمتلك هذه القدرة على الأذكياء الذي يملكون أعلى درجات الـ IQ لأنه يمتلك “المرونة الذهنية” التي تجعله يدرك متى يخطئ، ومتى يجب أن يغير مساره. لذا، فإن الـ Metacognition هو الذكاء في أرقى مستوياته، وأجمل صوره؛ إنه الذكاء الذي يعرف حدوده فيصبح قادراً على تجاوزها، ويدرك نقصه فيكمله.
1- لماذا اخترنا كلمة “المِدراك” لترجمته
بادئ ذي بدء، نحن نقترح كلمة “المِدراك” لترجمة مصطلح (Metacognition). فالترجمة الحرفية الشائعة “ما وراء المعرفة” تبدو وصفية وطويلة، وقد تثير التباساً لربطها بعبارة “ما وراء الطبيعة” الغيبية. لذا، ومن منظور ترجمي يميل إلى الإيجاز والدقة، نقترح استخدام كلمة “المِدراك” (على وزن مِفعال، كاسم آلة من الفعل أدرك)، ومن المنظور المجازي يمكن أن نقترح “المرآة الذهنية”. فالمِدراك، إذن، هو تلك “الآلة الذهنية” التي لا تكتفي بالإدراك البسيط للأشياء، بل تراقب عملية الفهم نفسها، وتقوم بمراجعتها، وتضبط جودتها، محولةً التفكير من كونه عمليةً عفوية ليصبح آلية واعية ومُحْكمة.
2- من أين جاءت المرآة الذهنية؟
في عام 1979، أحدث عالم النفس الأمريكي جون فلافيل (John Flavell) ثورة في فهمنا للعقل عندما صاغ مفهوم الـ Metacognition الذي ترجمناه إلى “المدراك”. لم يكن فلافيل يبحث في “ماذا” نتعلم، بل في “كيف” نراقب هذا التعلم. لقد وصف فلافيل المدراك بأنه القدرة على أن نكون “علماء نفس لأنفسنا”؛ أي أن يراقب الفرد تفكيره كما يراقب العالِم الباحث تجربته في المختبر. ويرى فلافيل أن القوة الحقيقية للإنسان لا تكمن في ذكائه الفطري، بل في قدرته على إدارة هذا الذكاء، ومساءلته، وتقييم جودته.
3- تساؤلات أرسطو: عندما يتواضع العقل أمام نفسه
لطالما آمن أرسطو بأن الفضيلة هي وسط بين رذيلتين، والتواضع الفكري هو المنطقة الوسطى بين “الجهل المطبق” و”الغرور المعرفي”. طرح أرسطو تساؤلات تدخل في صميم المِدراك، فكان يرى أن “العقل لا يفكر أبداً من دون صورة ذهنية”، ومن هنا يجب أن نتساءل: هل الصور التي في عقولنا هي الحقيقة أم مجرد انعكاسات مشوهة؟ إن إدراك أرسطو بأن “معرفة نفسك هي بداية كل حكمة” هو الجوهر الفلسفي الذي يدعونا لفحص أدوات تفكيرنا قبل الوثوق المطلق بنتائجها.
4- حكمة سيدنا لقمان والانطلاق من التواضع إلى المدراك
أوصى سيدنا لقمان الحكيم، عليه السلام، ابنه، أكثر ما أوصاه، بالتواضع في السلوك، فلا يمشِ في الأرض مرحاً، ولا يصعرْ خده للناس، ولا يرفعْ صوته. فهذه التهيئة السلوكية تجعل المرء مستعداً لمراجعة نفسه، وتنأى به عن العجب بالنفس والاعتداد بالرأي. فهاتان الخصلتان هما عدوتا الذكاء مهما بلغت درجته. ويُنسب إليه من القول ما معناه أنّ لكل شيء مطية توصِل إليه، ومطية العلم التواضع. فالعلم ليس بالاعتداد بما تعلم، بل بالاستعداد الدائم للرجوع للحق متى ما تبيّن لك. ومن وصاياه لابنه: “يا بني تواضع للحق تكن أعقل الناس”.
5- تأثير دانينغ-كروجر: عندما نرى خيالاً لا حقيقة
في علم النفس الحديث، تفسر ظاهرة “دانينغ-كروجر” لماذا يشعر الأشخاص قليلو العلم بالزهو كما لو كانوا جهابذة في العلم. بل إن العالم يرجع جاهلاً حين يعجب بعلمه. فالمشكلة ليست في نقص المعلومات فحسب، بل في تعطل “المرآة الذهنية” أو المِدراك لديهم. ينظر هؤلاء في مرآة “محدبة” تضخم لهم ذواتهم وتجعلهم يعتقدون أنهم بلغوا شأواً عظيماً في العلم. والسبب أنهم يفتقرون إلى القدرة على تقييم كفاءتهم. وهنا يأتي دور التواضع السلوكي والتواضع المعرفي لتصحيح العدسة حتى يرى الشخص حجم حصيلته المعرفية الحقيقي في فلاة شاسعة من المعرفة.
6- كيف نصقل مرآتنا الذهنية؟
صقل المرآة لا يتحقق بالتمني والتنظير، بل بممارسة تمارين التواضع المعرفي يومياً:
- تذكر دائماً قول المولى عز وجل “وما أوتيتم من العلم إلا قليلا” وتحذير الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من “إعجاب كل ذي رأي برأيه”.
- ذكر نفسك: العلم للانتفاع والنفع به وليس للمباهاة والجدال والفوز في المناظرات، وتذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال إنه يضمن بيناً في ربض الجنة لمن ترك الجدال وإن كان محقاً.
- ابتعد عن الأحكام المسبقة، والأحكام العامة المتعسفة، والقوالب الجاهزة، والمبالغات الفطيرة.
- في وسائل التواصل الاجتماعي، تذكر أن اللايكات والمشاهدات والمتابعات ليست شهادات.
- امتلك القدرة على كبح الثقة المفرطة: كلما شعرت بثقة مطلقة، تذكر أن معظم المتهورين لديهم ثقة مطلقة.
- كن دائماً تلميذا جيداً، ومستمعاً جديدا، وتعامل مع كل معلومة وكأنك تسمعها لأول مرة، فلربما ترى فيها جديداً.
- اعترف بـ “لا أعرف”: هذه العبارة هي “سيدة العلم”، وأقوى مُنظف للمِدراك، وتستطيع أن تفتح آفاقاً جديدة كان يسدها ادعاء المعرفة.
- حاول أن تمتلك القدرة على السخرية الإيجابية من الذات عند اكتشافك لادعاءات النفس الإمارة. يِحكي أحد الظرفاء أنه أصابته حالة من التدين المفاجئ. وفي ذات يوم لبس جلبابه الأبيض وتوجه إلى المسجد. فمر بجانبه صبي على ظهر دراجته الهوائية مسرعاً فتطاير الماء الراكد على جلباب “مولانا”. فإذا بشيخنا ينسى الورع والتقوى وينهال شتماً على الصبي. ولكنه انتبه بسرعة وقال لنفسه متهكماً منها: “ها، شوف شيخك!”.
وآخر دخل المسجد بعد غيبة طويلة لم تشغله إلا شواغل الدنيا. فلما توسط باحة المسجد أخذته نشوة كادت أن تتحول إلى زهو، فخاطب نفسه: “شَقَّة غريبة يا مولانا!”.
ممارسة هذا النوع الخفيف من التهكم على الذات كفيل بكبح جماح النفس التواقة إلى التميز بالعلم والمعرفة…. والتدين. - تذكر أننا في السودان بحاجة ماسة إلى المدراك، و”المداركة”، فالكل عالم، والكل معجب برأيه، معتد بموقفه، إلى درجة الحرب.
7- خاتمة
المدراك هو المرآة الذهنية التي تكشف لنا مدى صحة أفكارنا، أو مدى خطلها، وأن نكون قادرين على تقبل الأمر، فمعرفة الخطأ في الحقيقة علم. والمدراك كلمة مستحدثة نقترحها لترجمة مصطلح Metacognition البالغ الأهمية. ولعل هذا الخيار يجنبنا استخدام عبارة وصفية طويلة ومضطللة، هي “ما وراء المعرفة”. ولما كان المدراك آلة أو شبيه بالآلة، فربما يمكننا أن نستخدم المصدر “مداركة” للإشارة إلى استخدام تلك الآلة وتطبيقها، وملاومة النفس ومساءلتها في ما تدركه. فكأني أرى “النفس اللوامة” تحاور “النفس الأمارة”. وبهذه الآلة والآلية، ينتهي الجدل، والدجل، ويتحقق التواضع المعرفي، الذي به ندرك حدود معرفتنا، فتنفتح أمامنا آفاق لا نهاية لها من المعرفة.
مشروعالتواضعالوطني
elrayahabdelgadir@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم