ما هي “غبينتنا” مع ماركس والماركسية؟! (10): دولة النفاق الدينية .. بقلم: عزالدين صغيرون
26 سبتمبر, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
49 زيارة
لقد رأينا فيما سبق كيف نقل ماركس مفهوم الاغتراب من خانته التي كان عليها في مادية فيورباخ التأملية الذهنية، في معرض نقد الأخير للظاهرة الدينية، مؤكداً، من جانبه، بأن الإغتراب يتم في خضم الحياة العملية للإنسان في علاقته بالطبيعة والآخرين. فالظاهرة الدينية عند ماركس، باعتبارها شكلاً من اشكال الوعي الزائف، كما قلنا سابقاً، هي نتاج النشاط العملي، أي النشاط الانتاجي والعلاقات التبادلية مع البشر الآخرين، وأن الدين منتج اجتماعي. وأن المجتمع والدولة هما اللذان ينتجان الدين. وقد حلل بمهارة ووضوح تجليات ذلك في علاقة العامل بعمله، وعلاقته بنتاج عمله، ورأينا كيف يعبر مفهوم العمل المغترب عن نفسه وكيف يعرضها في الحياة الواقعية اليومية.
(2)
بنظرة متعمقة تتجاوز السطح الشعاراتي الاختزالي يستطيع المرء أن يستنتج بأن ماركس لم يكن عدوَّاً للدين أو معادياً للدين بشكل كلي مطلق.
ولم تكن بينه وبين السماء وآلهتها “غبينة” أو ثأر شخصي.
ببساطة، لأنه لم يكن معنيُّ بها – هذه الآلهة – بشكل حصري، ولم تكن هي شاغله الشاغل الوحيد والأول.
كانت مشكلته هي الإنسان، وعلاقات البشر.
شقاء الانسان واغترابه، واستلابه، واللاتوازن في علاقات الناس ببعضهم البعض، بما يعني اختلال ميزان العدالة.
وما ينتجه ذلك، أو يسببه من مآسٍ وحروب وأمراض وتشوهات نفسية.
والدين، والايمان بوجود إله من عدمه، من هذا المنظور، ليس هو لُبُّ أو جوهر القضية، ولكنه ضمن عوامل أخرى يلعب دوراً “وظيفيَّاً” في تمرير وترسيخ قواعد هذه اللعبة اللاإنسانية. وكما رأينا من قبل، فإن ماركس يقول مؤكداً، بأنه لا الطبيعة ولا الآلهة هي المسؤولة عن/ أو المستفيدة من شقاء الأشقياء، المستلبة والمسحوقة إنسانيتهم، لأنها ليست هي المتحكمة في رأس المال ، ولا هي المخدم.
إلا أن السطحية والاستسهال، وربما سوء الفهم هو ما شاب نظرة الكثيرين لمقاربة ماركس لمسألة الدين. في حين أن تركيز نظر ماركس كان موَّجها نحو الدولة وبنية اقتصادها الكلي، أو على نحو أصح نحو رأس المال.
وواقع الأمر أن ماركس كان يواجه نفس المشكلة الأزلية التي ظلت – وإلى يومنا – ومنذ تشكُّل نواة الاجتماع البشري تواجه كل الفلسفات والأديان، ألا وهي توازن قطبي المعادلة: الفرد والمجتمع.
هذا المطلب الوجودي للسلام وتحقيق اكتمال الانسان، الذي لا سبيل إلى تحقيقه إلا بتلبية حاجة الفرد إلى الحرية وحاجة المجتمع إلى العدل والاستقرار ليتحقق السلام. وهذا ما حاول ماركس جهد فكره تحقيقه.
إلا أن تحليلات ماركس ، وكما يمكنك أن تتوقع، قادته إلى أن رأس المال/ الدولة كانت له الغلبة دائماً في هذا العملية، وفي الإخلال بتوازن معادلتها، وبالتالي في استلاب الفرد/ الحرية/ اللادولة.
وكما هو واضح اليوم فإنه ومع تطور تقنيات التواصل والمعلوماتية أصبح التناقض أكثر حدة بين تحالف رأس المال/ الدولة، وبين حرية/ الفرد، خاصة ذلك الانسان الذي يقبع أسفل سلم المجتمع.
لقد اتسعت الفجوة بينهما على أوقح ما يمكن.
ربما هذا الآن ليس مكان ولا مقام تفاصيل هذه الفجوة ومساراتها التاريخية، إلا أن لماركس مقاربة ذكية لملاحظة طرحها انجلز يمكنها أن تختصر لنا الطريق.
(3)
يقول ماركس “كان انجلز على حق حين سمى آم سميث لوثر الاقتصاد السياسي. فكما اعترف لوثر بالدين – الايمان – كجوهر للعالم الخارجي. وبالتالي وقف معارضاً للوثنية الكاثوليكية. وكما تجاوز التدين الخارجي بجعل التدين الجوهر الداخلي للإنسان، وكما نفى الكهنة خارج الانسان العادي لأنه غرس الكاهن في قلوب الناس العاديين، هكذا كان الأمر مع الثروة: فقد ألغيت الثروة كشيء خارج الإنسان ومستقل عنه، ومن ثم كشيء لا يمكن أن يحفظ أو يؤكد إلا بطريقة خارجية، أي أن هذه الموضوعية الخارجية اللامعقولة للثروة قد ألغيت، إذ أصبحت الملكية الخاصة متجسدة في الإنسان نفسه، والإنسان نفسه يعتبر ماهية لها. ولكن نتيجة لذلك يجلب الإنسان إلى داخل مدار الملكية الخاصة، تماماً كما جلب – عند لوثر – إلى داخل مدار الدين” (1).
لم يكن تقريظاً أو إشادة ذلك من انجلز بآدم سميث وبروتستانيته، حيث قام ماركس في مخطوطاته بتمزيق ما تحاول به الرأسمالية أن تغطي – بمنطقها المهترئ – لاعقلانيتها ولا إنسانيتها، ليعري ويكشف عورتها.
فوفق هذا المنطق، من وجهة ماركس، لم يعد الانسان يقف في علاقة خارجية من التوتر مع الجوهر الخارجي للملكية الخاصة، بل أصبح هو ذاته الماهية المتوترة للملكية الخاصة.
أوليس هذا هو الاستلاب بذاته؟.
وإذا كان هذا الاقتصاد السياسي يتظاهر بالاعتراف بالإنسان (استقلاليته، تلقائيته الخ..)، وإذا كان يحدد موضع الملكية الخاصة في وجود الإنسان ذاته، فإنه لم يعد ممكناً أن يظل محدداً بالخصائص المحلية أو القومية أو غيرها من خصائص الملكية الخاصة، وكأنها شيء يوجد خارجه.
إن الإجابة على السؤال: كيف نستطيع القفز على هذا الحاجز؟، يمكن أن تعطينا فكرة عن حقيقة موقف ماركس من الدين بمنظور اقتصادي، فهو يقول “إن التخطي الايجابي للملكية الخاصة كتملك للحياة الانسانية هو التخطي الايجابي لكل اغتراب، وبعبارة أخرى عودة الانسان من الدين والعائلة والدولة الخ إلى اسلوب وجوده الانساني أي الاجتماعي. فالاغتراب الديني بما هو كذلك لا يحدث إلا في مملكة الوعي، حياة الانسان الداخلية، لكن الاغتراب الاقتصادي هو اغتراب الحياة الواقعية، وبالتالي فإن تخطيه يشمل كلا الجانبين. ومن الواضح أن المرحلة الأولى للحركة بين مختلف الشعوب تتوقف على ما إذا كانت الحياة الحقة للشعب والأصيلة بالنسبة له تتجلى أكثر في الوعي أو في العالم الخارجي، ما إذا كانت بدرجة أكبر مثالية أو واقعية. والشيوعية تبدأ منذ البداية (أوين) مع الإلحاد. لكن الإلحاد في البداية أبعد من أن يكون شيوعية، والحق أنه لا يزال في أغلبه تجريداً.؟.
وهكذا فإن خيرية الإلحاد هي في البداية خيرية فلسفية مجردة. أما خيرية الشيوعية فهي على الفور واقعية تتجه مباشرة إلى الفعل” (2).
وهذا ما يميز فلسفة ماركس.
فجميع التصورات الفلسفية للنظرية الماركسية هي مقولات اجتماعية واقتصادية، على حين أن مقولات هيجل الاجتماعية والاقتصادية هي كلها مقولات فلسفية. وحتى كتابات ماركس المبكرة، كما رأينا في المخطوطات، لم تكن فلسفية وكما يقول ماركيوز فإن “كل المقولات في مذهب هيجل تفضي إلى النظام القائم وتنتهي إليه، على حين أنها في مذهب ماركس تشير إلى نفي هذا النظام وانكاره فهي تستهدف شكلاً جديداً للمجتمع حتى حين تصف شكله الراهن، وهي أساساً تستهدف حقيقة لا يتم الوصول إليها إلا عن طريق الغاء المجتمع القائم، فنظرية ماركس “نقد” بمعنى أن كل التصورات فيها تمثل ادانة للنظام القائم في مجموعه”(3). بمعنى أنها النقيض لكامل نظام هيجل: (كل ما هو واقعي عقلاني، وكل ما هو عقلاني واقعي).
(4)
كما قلنا من قبل أن الباحثين لم يستطيعوا حتى اليوم الاتفاق على تحديد أو تعريف موقف موحد للماركسية من الدين، إلا أن المؤكد بالنسبة لنا ، بقدر ما يتعلق الأمر بالقراءات المختلفة لتراث ماركس، وبالزاوية التي يختار القارئ الوقوف منها، إلا أن ماركس لم يكن في موقفه من الدين معني به كتجربة روحية متسامية للإنسان، بقدر ما هو معني بنتائج توظيفه اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً. فالدين في هذا المستوى هو وعي زائف لا شك في ذلك.
وثمة خيط رفيع بين ما أقررناه هنا وبين ما يذهب إليه البعض – مثل الدكتور زكريا ابراهيم – من أن الدين يمكن أن يكون حلاً إذا تم توظيفه سياسياً في صالح الطبقة البروليتارية – لأن العامل الحاسم الذي تفتقر إليه الأديان لحل مشكلة علاقات الانتاج، يظل مفقوداً في الأديان، التي تستمد رؤاها، وتشريعاتها بالتالي، من عالم الغيب، عن طريق نبي ملهم وموحى إليه من السماء، وصفوة مختارة من المؤمنين به وبرسالته، تشكل طبقة تحتكر بيدها السلطتين الدينية والتشريعية الدنيوية، ولا نحتاج لأن نقول بأن هذا واقعي ومؤكد بشكل فاجر في فضاء مجتمعاتنا العربية والاسلامية.
ويقدم لنا فردريك انجلز مثالاً في كتابه (حرب الفلاحين في المانيا)، وهي الثورة الفلاحية التي اندلعت في العام 1524 بقيادة المصلح الديني وعالم اللاهوت توماس منذر الذي كان رفيقاً لمارتن لوثر في حركته الاصلاحية البروتستانتية ثم اختلفا وافترقا، يرى فردريك انجلز أن تلك الثورة كانت ثورة ضد الاقطاع، رغم طابعها الديني الروحي، الا أن اسباب تفجرها كانت اجتماعية اقتصادية بحتة، وأن الدين فيها لم يكن سوى غلاف لحقيقتها المادية. ويؤكد انجل هذا المعنى في الفصل الثاني من كتابه المذكور قائلاً “إن المبادئ السياسية لمنذر كانت تتبع مبادئه الثورية الدينية بصورة لصيقة وتكاد مفاهيمه الدينية تتجاوز مفاهيم عصره كما أن مبادئه السياسية كانت تذهب بعيداً نحو تغليب الشروط الاجتماعية والسياسية وتكاد الفلسفة الدينية لمنذر أن تصل إلى حد الإلحاد بينما كان برنامجه السياسي يصل إلى حد الشيوعية” (4). ويقول في مكان آخر من نفس الكتاب ان منذر دعا الى إقامة مملكة السماء والقضاء الفوري على المؤسسات الدينية الكنسية لإعادة المسيحية كما كانت في اول ظهورها، ولكن مفهوم منذر لمملكة السماء – والكلام لا يزال لانجلز – يتمثل في إقامة مجتمع بلا طبقات ولا ملكية خاصة، وبلا دولة تكون مستقلة عن اعضاء المجتمع وغريبة عنهم، ويضيف انجلز أن توماس منذر كان لديه خطاب مزدوج، خطاب للذين يؤمنون بالنبوة الدينية وخطاب آخر لمجلسه السري الذي كان اعضاؤه يعرفون اهدافه الحقيقية والنهائية، ويمضي قائلاً ان التعاليم الفلسفية الدينية لتوماس منذر لم تهاجم اسس الكاثوليكية فحسب، بل ووجهت هجومها لعموم المسيحية… ويضيف ايضاً أن منذر تحت عباءة المسيحية نفسها تحدث في مواعظه عن وحدة الوجود او شيء من هذا القبيل، وهي اشبه بالتأمل التجريدي الحديث. وقد وصل به الامر في بعض الاحيان الى حد الالحاد، وقد انكر أن يكون الانجيل وحياً لا يأتيه الباطل من امامه ولا من خلفه، وقال ان الوحي الحقيقي الحي هو العقل الذي هو الوحي الموجود دائماً بين الناس. فهل أبقى منذر بعد ذلك للدين من شيء؟!
ويزيد كارل ماركس الأمر وضوحاً في رسالة بعث بها الى صديقه انجلز في مانشستر بتاريخ الخامس من مارس 1856 يقول فيها “إن توماس منذر كان نافذ البصيرة حين قال: انا افهم كي اؤمن، بينما قال مارتن لوثر: انا اؤمن كي افهم”، ويمكنك أن تستشف من مقالته أن العقل/ الفكر في مسائل اجتماع الناس يحتل الموقع الأول ويسبق الايمان. ويشير في نفس الرسالة الى أن صحيفة ( بريشسي زايتنغ ) قد اجابت بان لوثر قد ندم في سنواته الاخيرة على موقفه البائس، وفي مقاله (مساهمة في نقد فلسفة الحق عند هيجل) يقول ماركس “إن حرب الفلاحين وهي الحقيقة الاكثر جذرية في تاريخ المانيا، وصلت الى تلك النهاية المحزنة بسبب اللاهوت” (5).
(5)
الصورة لموقف ماركس من الدين وموقعه في بناء الدولة، تجد تفصيلها على نحو أكثر وضوحاً في (حول المسألة اليهودية)، حيث يجيب على أسئلة برونو باور الاحتجاجية حول حقوق اليهودي في الدولة الفرنسية ودستورها، فبرونو يسأل بدوره: لماذا ينبغي للألماني أن يهتم بتحرِر اليهود إذا كان اليهودي لا يهتم بتحرير الألماني؟.
ثم يتساءل – وله الحق في التساؤل – بأن الدولة المسيحية لا تعرف إلا الامتيازات، واليهودي يملك فيها امتياز كونه يهوديا. وله كيهودي حقوق ليست للمسيحيين. فلماذا يطالب بحقوق ليست له، يتمتع بها المسيحيون؟ فحين يريد اليهودي التحرر من الدولة المسيحية فإنه يطاب أن تتخلى الدولة المسيحية عن حكمها الديني المسبق. فهل يتخلى هو اليهودي عن حكمه الديني المسبق؟ أفيكون من حقه أن يطلب من غيره أن يتخلى عن الدين؟
ماركس يجيب بأن الدولة المسيحية لا تستطيع تبعا لجوهرها أن تعتق اليهودي، ولكن لا يستطيع اليهودي أيضا من حيث جوهره أن ينعتق، طالما بقيت الدولة مسيحية واليهودي يهوديا فإِن كليهما على السواء غير قادر على منح التحرر أو تلقيه.
لا تستطيع الدولة المسيحية أن تسلك إزاء اليهود إلا بطريقة الدولة المسيحية، هذا يعني بطريقة منح الامتيازات، أيِ بأن تسمح بتمييز اليهود عن بقية أبناء الرعية، و لكنها تجعله يشعر بضغط المجالات الأخرى المتميزة، و بصورة أشد حين يكون اليهودي في تعارض ديني مع الدين السائد. ولكن اليهودي أيضا لا يستطيع أن يقف من الدولة إلا موقفا يهوديا، هذا يعني أنه يقف من الدولة موقف الغريب، بأن يضع قوميته الوهمية مقابل القومية الحقيقية ويضع قانونه المتوهم مقابل القانون الحقيقي بأن يظن أن من حقه أن يتمايز عن البشرية، بأن يحجم مبدئيا عن المشاركة في الحركة التاريخية، بأن يطمح في مستقبل لا يجمعه بالمستقبل العام. للإنسان شيء، بأن يعتبر نفسه عضوا في الشعب اليهودي ويعتبر الشعب اليهودي الشعب المختار.
والحال من بعضه – كما يقول المصريون – هنا في ما يطلق عليه “قضية الأقليات” في المجتمعات العربية والاسلامية.
فما هي المشكلة إذن، وكيف يتم تحرير الانسان، وهل الدين هو العدو؟.
ماركس يقول لك: إذا كنا نجد حتى في بلد التحرر السياسي الكامل (شمال أمريكا) ليس وجود الدين وحسب، وإنما وجود الدين المفعم بالحياة و القوة أيضا، يكون الدليل قد قدم على أن وجود الدين لا يتعارض مع قيام الدولة الكاملة.
ولكن لأن وجود الدين هو وجود لنقص، فإن مصدر هذا النقص لا يمكن أن يبحث عنه إلا في جوهر الدولة نفسه.
لا يعود الدين بالنسبة لنا هو الأساس وإنما كظاهرة للمحدودية الدنيوية وحسب. ومن هنا فإننا نفسر اللاموضوعية الدينية للمواطنين الأحرار بلاموضوعيتهم الدنيوية.
لا ندعي أن عليهم أن يتخلوا عن محدوديتهم الدينية، ليزيلوا حواجزهم الدنيوية.
بل نزعم أنهم سيتخلون عن محدوديتهم الدينية حالما يزيلون حواجزهم الدنيوية.
إننا لا نحول المسائل الدنيوية إلى مسائل لاهوتية، و إنما اللاهوتية إلى دنيوية.
نحل الغيبيات في التاريخ بعد أن انحل التاريخ وقتا كافيا في الغيبيات.
تصبح مسألة علاقة التحرر السياسي بالدين بالنسبة لنا علاقة التحرر السياسي بالتحرر البشري.
إننا ننتقد الضعف الديني للدولة السياسية حين ننتقد الدولة السياسية في بنيتها الدنيوية بصرف النظر عن الضعف الديني.
التحرر السياسي لليهودي و المسيحي و الإنسان المتدين بوجه عام هو تحرر الدولة من اليهودية و المسيحية ومن الدين بوجه عام.
(6)
تتحرر الدولة في شكلها، الذي يتضمن جوهرها الخاص كدولة، من الدين بتحررها من دين الدولة، هذا يعني بعدم إقرار الدولة كدولة بدين، بل بإِقرارها بكونها دولة.
ليس التحرر السياسي من الدين هو التحرر من الدين المطبق والخالي من التناقضات، لأن التحرر السياسي ليس الأسلوب المطبق والخالي من التناقضات للتحرر البشري.
فالدين هو الاعتراف بالإنسان بطريقة غير مباشرة، عبر وسيط.
الدولة هي الوسيط بين الإنسان وحريته، فكما أن المسيح وسيط يحمله الإنسان كل ألوهيته، كل تحيزه الديني، فإِن الدولة هي الوسيط الذي يضع فيه كل بشريته و كل تحيزه البشري.
«كي تقوم الدولة كواقع واع و أخلاقي للعقل، فإِنه من الضروري تمايزها عن شكل السلطة و العقيدة. و لكن هذا التمايز لا يظهر إلا بمقدار ما تقوم به الكنيسة من جانبها بالفصل. هكذا فقط اكتسبت الدولة بوقوفها فوق الكنائس الخاصة شمولية الفكر و مبدأ شكلها الذي تظهره للوجود.» (هيجل” فلسفة الحق” الطبعة الأولى، ص 346).
حقا تتشكل الدولة هكذا فقط مرتفعة فوق العناصر الخاصة كمؤسسة للمجموع.
أجل، ليست الدولة المسماة مسيحية، التي تعترف بالمسيحية كأساس لها و كدين للدولة و تميز نفسها بهذا عن الديانات الأخرى هي الدولة المسيحية الكاملة،
وإنما الدولة الملحدة، الدولة الديمقراطية، الدولة التي تضع الدين ضمن باقي عناصر المجتمع البورجوازي.
لم تنجح بعد الدولة التي لا تزال لاهوتية والتي تقر باعتناق المسيحية بصورة رسمية، التي لا تجرؤ بعد على إعلان نفسها كدولة،
لم تنجح هذه الدولة بعد في التعبير عن الأساس البشري في شكل دنيوي بشري، تكون المسيحية التعبير الدافق عنه.
إن ما يسمى بالدولة المسيحية هو ببساطة اللادولة،
إذ لا تستطيع المسيحية كدين، وإنما الخلفية البشرية للدين المسيحي فقط أن تطرح نفسها في إبداعات إنسانية حقيقية.
إن ما يسمى بالدولة المسيحية إنما هو النفي المسيحي للدولة، و لكنه ليس تحقيقا للمسيحية من قبل الدولة بأي حال من الأحوال.
الدولة التي لا تزال تقر بالمسيحية على شكل دين، لا تقر بها على شكل دولة، فهي لا تسلك سلوكا متدينا إزاء الدين،
هذا يعني إنها ليس التحقيق الفعلي للأساس الإنساني، لأنها لا تزال تقود إلى الوهم، إلى الهيئة الخيالية لهذه النواة الإنسانية.
إن ما يسمى بالدولة المسيحية هو الدولة غير المكتملة، والدين بالنسبة لها تكملة وعلاج لنقصها.
من هنا يصبح الدين بالنسبة لها بالضرورة وسيلة، وهي دولة النفاق.
يحتاج ما يسمى بالدولة المسيحية إلى الدين المسيحي ليكتمل كدولة.
أما الدولة الديمقراطية، الدولة الحقيقية فهي لا تحتاج إلى الدين من أجل اكتمالها السياسي.
وأكثر من ذلك فهي تستطيع أن تطرح جوانب كثيرة من الدين لأن الأساس الإنساني للدين متحقق فيها بطريقة دنيوية.
وعلى العكس يقف ما يسمى بالدولة المسيحية موقفا سياسيا إزاء الدين ودينيا إزاء السياسة. وحين تحط هذه الدولة من الأشكال السياسية ظاهريا فإِنها تحط من الدين ظاهريا بنفس القدر.
هوامش
(1) مخطوطات كارل ماركس لسنة 1844، ترجمة محمد مستجير، دار الثقافة الجديدة، معهد الماركسية اللينينية التابع للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي، (ب. ت) ، ص (90).
(2) مخطوطات كارل ماركس (سابق) ص (98).
(3) هربرت ماركيوز، العقل والثورة: هيجل ونشأة النظرية الاجتماعية، ترجمة الدكتور فؤاد زكريا، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، 1970، ص 254.
(4) ترجمة نص انجلز لأحمد القاضي، ومقتبسات انجلز عن حرب الفلاحين في المانيا، راجع: ” تديين كارل ماركس”، موقع الحوار المتمدن، العدد (3185) بتاريخ ( 2010 / 11 / 14).
(5) أحمد القاضي (م. سابق).
(6) كارل ماركس، حول المسألة اليهودية، كتبها كارل ماركس في خريف عام 1843. نشرت لأول مرة في شهر فبراير عام 1844 في Deutsch-Franzosische Jahrbucher (الحولية الألمانية الفرنسية) بباريس، ترجمة د. نائلة الصالحي
izzeddin9@gmail.com
//////////////