ما هي “غبينتنا” مع ماركس والماركسية؟! (7): ارتباكات الوعي وصور الخلاص الشائهة .. بقلم: عزالدين صغيرون
19 أغسطس, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
80 زيارة
في الفضاء الثقافي السياسي العربي والاسلامي اعتمر ماركس عمامة فقهاء وعلماء الدين الاسلامي، وتم حفّ شاربه الكث وشُذبت لحيته الفوضوية، ليبدو متسقاً ومقبولاً في البيئة التي هُجِّر إليها. ومخطئ من يظن بأن عملية أسلمة ماركس تمت بكاملها، من ألفها إلى يائها، في مجتمعاتنا، أو أننا من ابتدر هذه العملية وقمنا بهذه المبادرة الوقحة في شجاعتها. فنحن مثلنا مثل ماركس وماركسيته كنا ضحايا عملية تديين الماركسية، وكل ما فعلناه هو أننا أكملنا تديينه وقمنا من ثم بطقوس التديين وفصَّلنا ما يناسبه من أزياء رمزية تؤكد هويته الجديدة.
لقد تمت هذه العملية بتدرج قادت كل خطوة منها إلى الخطوة التي تليها على نحو غير ملحوظ، وبتضافر قوى اجتماعية وسياسية وثقافية مختلفة لم يكن من الواضح الخيط الذي يربطها منذ أول وهلة، ولكن بشيء من التدقيق يمكن متابعة الخيوط المتشابكة والمتقاطعة والمتداخلة والامساك بها.
(2)
ثمة خيطين يسهل الامساك بطرفيهما والتعرّف على تأثيرهما، أولهما مصدره النسخة اللينينية التي حولت النص الماركسي بعد اعادة انتاجه وصياغته على نحو أحالت به الماركسية النقدية العقلانية، إلى أيديولوجيا مغلقة و”دين علماني” جديد، كما رأينا بشيء من التفصيل سابقاً.
وسنرى، في الخيط الثاني، كيف تبنى الفكر الغربي الرأسمالي هذه النسخة الأيديولوجية من الماركسية اللينينية وأعتمدها كمرجعية ينازل بها ما يتوهم بأنها ماركسية ماركس، زاعماً بأنه يقاتل الوحش، بينما لم يرق ما كان يقاتله حتى إلى مستوى طواحين الهواء. ليلتقط سوق الثقافة العربية والاسلامية هذا الخيط ويتخذ من أطروحته سلاحاً ينازل به الماركسية.
لقد استند الفكر الرأسمالي في نقده ودحضه لمقولات “الماركسية المُتوهَمة” على مفهوم مشوَّه لـ”المادية” نَسَبهُ لماركس، وهو ليس مفهوم مُختلق في الواقع، بقدر ما هو مصطنع بعمدٍ عن قصد. وما يحيِّر ويثير السخرية، أن الفكر الرأسمالي ألصق بالماركسية، كتهمة، يجرِّمها بها، ما يجاهر هو بأنه ميزته التي يتميز ويباهي بها متفاخراً.
فالفكر الرأسمالي أشاع الفكرة بأن ماركس يؤمن بأن الدافع الأعظم للإنسان هو ميله للراحة والكسب المادي، وأن سعيه من أجل الفائدة المادية القصوى يشكل الحافز الرئيسي في حياة الإنسان الفردية، وفي تطور الجنس البشري. وقد أعتبر نقد ماركس للدين مطابقاً لإنكاره كل القيم الروحية، وقد بدا هذا أكثر وضوحاً لدى أولئك الذين يؤمنون بأن الإيمان بالله أو الحرص على الالتزام بالدين وطقوسه هو شرط التوجه الروحاني.
وتمضي هذه الرؤية لماركس بعدئذٍ لمناقشة فردوسه الاشتراكي الموعود بوصفه يضم الملايين من الذين خضعوا لبيروقراطية الدولة الكلية السلطات، أولئك الذين تنازلوا عن حريتهم، بالرغم من أنهم ربما يكونوا قد حققوا المساواة، حيث يفقد فيها هؤلاء “الأفراد” المكتفون مادياً فرديتهم ويستحيلون بنجاح إلى ملايين من الروبوتات النمطية والآلات الأتوماتيكية التي تقودها نخبة من القادة.
هذه الجرأة و”قوة العين” في التدليس والتلبيس هي ما دفعت إريك فروم ليقول بعد ما تقدم: إن قدرة الإنسان اللامحدودة على إخفاء التناقضات الصارخة بواسطة التبريرات العقلية – إذا طابقت مصالحه – لا يمكن أن تظهر بشكل أكثر وضوحاً من هذا الاتهام” (1).
تسأل لماذا؟.
ويجيبك فروم بما صرت الآن تعرفه أنت: “إن نفس الحُجج التي يُدعى أنها البرهان على أن أفكار ماركس غير متوافقة مع تقاليدنا الروحية والدينية، والتي أعيد استخدامها للدفاع عن نظامنا القائم ضد ماركس، هي نفسها بالضبط التي يجري استخدامها من قبل الأشخاص ذاتهم، للبرهان أن الرأسمالية تلبي تطلعات الطبيعة البشرية، وبالتالي أنها أكثر سمواً من الاشتراكية “اللاواقعية”!.
بينما في الواقع جعلت سيطرة الشركات الكبرى في المجتمعات الرأسمالية من الإنسان حيواناً لا يحركه سوى ميله للراحة والكسب المادي، وأن سعيَّه من أجل الفائدة المادية القصوى يشكِّل الحافز الرئيسي في حياته، وهو المجتمع الذي استلبت فيه من الناس حريتهم وفرديتهم بعد أن تمَّ تنميطهم، وصُبوا في قوالب جاهزة، حتى حاجاتهم صارت تحددها لهم الشركات الكبرى، التي تتحكم في تحديد أذواقهم وتتحكم عبر الآت الاعلام في تكييف ردود أفعالهم وتشكيل قناعاتهم، واصبحوا الآت مبرمجة وألعوبة فقدت وعيها النقدي. ثم ها هي تعيب على ماركس أن يصدح برأيه بـ”لا عقلانية” هذا النظام، والبحث عن نظام يعيد للإنسان إنسانيته وكرامته، ثم تصفه – ماركس ومقتَرَحه – باللاعقلانيةَ!!.
(3)
التشويه اللينيني للماركسية وتحويلها إلى أيديولوجيا جامدة ومغلقة، وديانة من أردأ أنواع الديانات العلمانية، وتقبُّل الغرب الرأسمالي لها ولتطبيقها السوفيتي، واعتماهما كمرجعية وثوقية لمحاكمة ماركسية ماركس، ومن ثم نقد اطروحاتها – بعد إعادة تأويلها – في سياقها اللينيني، ومن ثمَّ دخول كل أولئك في سوق الثقافة العربية والاسلامية التي كانت مجتمعاتها تعيش في حالة صدمة حضارية ودوار سياسي واجتماعي وثقافي جراء الغزو الغربي منذ القرن الثامن عشر، وتحديث التعليم ووسائل الانتاج ونمط العيش، ودخول قيم ومفاهيم ونُظم سياسية واجتماعية عصرية حديثة. ثم تشرذم وتمايز قوى هذه المجتمعات التقليدية وتفرقها بين مدارس واتجاهات فكرية، ما بين علمانية، وتحديثية، واصلاحية، وأصولية سلفية، متصادمة، منذ أواخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين. مروراً بتفكك دولة الخلافة في العشرينيات من القرن العشرين، والاحتلال الأوروبي للدول العربية والاسلامية، وتفاعل القوى الوطنية المختلف الأشكال، ومواقفها المتباينة في التعامل مع الاستعمار والمستعمرين، كما في مواقفها من الحداثة والتغيير/ والتراث والتأصيل، أو الاصلاح والتوفيق بين النزعتين التحديثية والمحافظة.
في كل هذه “الجوضة” – التي أحدثها الاتصال العنيف بالغرب وما تسببت به من ربكة في الوعي العربي والاسلامي الذي كان ثابتاً راسخاً مطمئناً طوال حقب الخلافات الاسلامية المتعاقبة – اختلط حابل التحديث بنابل التأصيل في هذه المجتمعات. وأما التصنيف الرائج اليوم للفكر العربي الحديث إلى عنوانين كبيرين: سلفي وليبرالي، فكثيراً ما تختلط فيه الأمور وتنبهم الخطوط كما في حالة طه حسين على سبيل المثال. ولكن يقف التبدل والتغير الذي اعترا مفهوم الاصلاح في العقل الاسلامي الشاهد الأكبر والأكثر وضوحاً على تأثيرات الاتصال بالغرب.
فإلى عصر الامام الغزالي كان “الإصلاح” عند المفكر الإسلامي يعني ردم الهوة التي اتسعت بين الاسلام المعياري، إسلام النصوص الأساسية الحاكمة وسيرة السلف، وبين مجتمع المسلمين المعاصرين. والمرجعية كما ترى هنا هي حقبة من الزمان ولكنها خارج الزمان، والقطب الجاذب للزمان فيها هو الماضي وليس المستقبل. وبالتالي فإن الاسلام ليس في حاجة إلى مكتسبات وافدة، ولا هو في حاجة إلى أن يقتبس من الغير، إنه يصلح ذاته بذاته.
لكن هذا المفهوم الإصلاحي سوف يتغير مع صدام المسلمين بالمجتمع الحديث وقواه ودوله، وسوف تتغير علاقة المسلمين بالزمان، وسوف يتغير أيضًا بالتالي مناط الإصلاح.، ليدور حول ثنائيات جديدة تمامًا على الفكر الإسلامي: ثنائية التقدم والتأخر. بمعنى أن هناك وعيًا بتأخر المسلمين، وليس تأخر الإسلام. فهناك اتفاق بأن الإسلام لا ولم ولن يتأخر… الذي تأخر هم المسلمون.
وإذا كان التأخر بمفهومه القديم هو تخلف واقع المسلمين عن الإسلام الأصل. فإن مفهوم التأخر في الفكر الإصلاحي الحديث يعني تأخرًا مزدوجًا: تأخرًا عن الإسلام كما ينبغي أن يكون، وتأخرًا عن الدول التي بيدها أسباب القوى. لذلك لا يمكن أن نجد هذه المصطلحات في الفكر القديم، وإذا نظرنا إلى كبار مفكري الإصلاح سنجد أنهم جميعًا يفكرون في ثنائية التقدم والتأخر، ويسألون: لماذا تقدم الغير وتأخرنا؟
وهذا السؤال كان خارج المُفّكّر فيه عند المفكرين والفقهاء والعلماء القدامى، لأن فكرة التقدم نفسها حديثة حتى في الفكر الغربي. ويعو السبب في طرحها هنا إلى أن هناك خللًا حصل بين المسلمين وبين أوروبا. وهذا الخلل حصل بالضبط في منتصف القرن الثامن عشر بين أكبر قوة كانت تمثل العالم الإسلامي آنذاك وهي القوة العثمانية وبين الغرب. ففي ذلك القرن بدأت الدولة العثمانية تفقد مواقعها في منطقة البلقان بالخصوص، وانفصلت عنها اليونان، وأصبحت تفقد أهم قوة عسكرية آنذاك وهي السيطرة على البحار لصالح أساطيل أمم أخرى وخصوصًا البريطانية والإسبانية ثم الفرنسية.
(4)
وهذا الخلل في ميزان القوى هو الذي أدخل فكرة التقدم والتأخر في أذهان المصلحين، ولم يكن السبب هو الهزيمة العسكرية وحدها، لأن هزيمة المسلمين في مواجهة الجيوش الأوروبية في العصر الحديث تختلف عن هزائمهم السابقة، سواء في الأندلس أو الحروب الصليبية، لأن وراء تفوق القوة العسكرية للغرب، كان هناك تنظيم متقدم للاقتصاد ونظام متطور للدولة وتقدم علمي وتكنولوجي متفوق، وكانت هناك، كما يمكن أن يقول ابن خلدون “قيم” متفوقة أيضاً للمنتصر، يتأثر بها أو يقلدها المهزوم. ولم يكن هذا في وارد تفكير المصلحون القدماء، حين انهزمت جيوشهم في مواجهات عسكرية سابقة، لأنه لم تكن هناك ثمة هوة حضارية بينهم وبين أوروبا أو غير أوروبا.
ولذلك بدأت الاصلاحات في العالم العربي والاسلامي في اتجاهين مزدوجين: عودة إلى الاصول أي تحرير كل ما تراكم على الفكر الإسلامي والعودة إلى النصوص الأصلية، وثانيًا اقتباس أسباب قوة الغرب. لذا كان طبيعيًا أن يبدأ هذا الإصلاح في الإمبراطورية العثمانية، وفي القرن الثامن عشر بالذات الذي – كما قلنا – أحدث خللًا في التوازن بين عالم المسلمين وأوروبا. وبدأ هذا الإصلاح الذي قاومه جيش الانكشارية العثماني التقليدي لأنه لم يكن في مصلحته، السلطان سليم الثالث في ثمانينات القرن الثامن عشر بفتح المدارس لتعليم العلوم العصرية والعسكرية واللغات، وإنشاء مطبعة تطبع ترجمات في الرياضيات والجغرافيا والملاحة. وبدأه في مصر محمد علي بعد قضائه على المماليك، بإنشاء جيش وبحريةً حديثين، وبرنامج إصلاحي للإدارة، ونظام للضرائب، وقاعدة لاقتصاد عصري، كما أرسل بعثات إلى الخارج، وفي تونس وُضع أول دستور في العالم الإسلامي سُميَّ القانون الأساسي في 1860، وقبله أصدر محمد باي “عهد الأمان” الذي ينص على مبادئ الحرية والعدل والأمن، ونجد في المغرب محمد الرابع ابتداءً من أواسط القرن التاسع عشر ينشئ مدارس للمهندسين فيها مساحون طوبوغرافيون ومدفعيون ويرسل بعثات إلى الخارج، ويقوم بإصلاح ضرائبي، وغيرها من أوجه الاصلاحات في مختلف الدول الحديثة.
ومن الملاحظ أنه في البحث عن اسباب التخلف، وبالتالي وضع تصور للنهضة والتقدم، يشترك المفكرون العرب: السلفيون منهم والليبراليون، حول تصور واحد يربط “التأخر” و”التقدم” بطبيعة المؤسسة السياسية: فالاستبداد هو سبب التأخر والتخلف، والحل أو الاصلاح هو إقرار نظام “الشورى” أو “الدستور”. ورغم اختلاف اتجاهات الفكر العربي ما بين السلفي والليبرالي، إلا أن أنهما اتفقا على أن القضية الدستورية هي المفتاح والمطلب الأول للنهضة والتقدم. وقد ترتب على هذا أن العمل السياسي نفسه ارتبط في البلدان العربية بالقضية الدستورية وبمسألة “الحكم” (2).
وارتباط الاصلاح على هذا النحو الاشتراطي بمسألة الحكم والسلطة السياسية، جعل من “الانقلاب” في وارد البرنامج السياسي لكلا الطرفين: الليبرالي والسلفي، تحت ظل القناعة بأن سرعة انجاز المهام النهضوية تبرر الانقلاب على النظام الدستوري طالما النخب الحاكمة تجعل تحقيق مطالب الشعب أمراً مستحيلاً!.
(5)
وبما أن المسألة الدينية هي الرهان الأقوى في المجتمعات العربية والاسلامية، على عكس المجتمعات اليابانية والصينية على سبيل المثال، فإن جميع الفرقاء: السلفيون منهم والليبراليون، كانوا في حاجة للعب بهذه الورقة الرابحة لكسب رصيد التأييد في الشارع الوطني. وفارق آخر وهو أنهم غير مقيدين بشريعة دينية تفصِّل في حياة الفرد وحياة الجماعة مثل الشريعة الاسلامية. ولذلك الاختلاف بينهم وبين الغير متصورٌ عندهم حضاريًا وليس دينيًا. والمقابلة عندهم ليست بين دار حرب ودار سلام، وإنما هي بين المتحضرين والبرابرة، فهم المتحضرون، وغيرهم، حتى الأوروبيون الذين غزوا دولهم هم البرابرة. وواضح من هذا أننا لم نصل إلى اجتهاد يُدمج الفكر الديني في الفكر الإصلاحي، لذلك ظل إصلاحنا مبتورًا، وكل المحاولات التي بُذلت في هذا الباب كانت تقف أمام أفق مغلق مسدود لا يقود إلى أي مكان.
وكل ما فعله الاصلاحيون، سواء في التيار السلفي أو التيار الليبرالي، هو أنهم كانوا يقومون بتشويه المنظومتين: الدينية والعلمانية. ولكن ليس مثلما فعل التوفيقيون – ومحمد عبده خير من يمثلهم – الذين حاولوا “تبيئة” المفاهيم والنظم الغربية الحديثة، فجعلوا الشورى “غصباً عنها” موازية أو مطابقة للديمقراطية مع أن الشورى تتأسس على مبدأ الولاية والوصاية كما يقول محمود محمد طه، فهي أقرب إلى حكم ولاية الوصي على القاصر. والحاكم في المنظومة الاسلامية هو “ولي أمر” المحكومين و”راعيهم”. يجمع بين يدية السلطتين الدينية والسياسية الدنيوية، ويتمتع بكافة صلاحيات السلطة الأبوية لـ”ولي الأمر”. وفي محاولة التوفيق والمساواة هذه بين المفهومين والنظامين “تلفيق” لا يخفى على أحد.
إلا أن الاتجاهين الآخرين: السلفي والليبرالي، قاما بما هو أفدح من ذلك، بمحاولتهما “تلتيق” المفهومين بعد اقتلاعهما من سياقهما، وقيامهما بإعادة صياغتهما أو إعادة انتاجهما في مخلوق جديد، على نحو جعل من الدين والعلمانية أشبه بفرانكشتاين، أو أشبه بجبة الدراويش المركبة من مختلف أنواع الأقمشة المتنوعة الألوان. وإذا كنا قد رأينا طرفاً من ذلك في “لينينيَّة سيد قطب”، فإننا سنرى طرفاً من ذلك في عملية تديين ماركس.
هوامش
(1) إريك فروم، مفهوم الإنسان عند ماركس، دار الحصاد للنشر والتوزيع، دمشق/ سوريا، الطبعة الأولى 1998، ص (19، 18).
(2) علي أومليل، الاصلاحية العربية والدولة الوطنية، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت/ لبنان، ط/1/ 1985، ص (5، 6).
izzeddin9@gmail.com
///////////////