مبارك الكوده لمنتقدي مراجعاته: عقلي إمامي قبل الأئمة الأربعة

 

للذين يُخْضِعُون ما أكتبُ من مراجعات فكرية للموروث من كتب تاريخية ويقولون أن مثلي لا يحق له أن يراجع نفسه بحجة أنني لم أرْتَقْ في علمي لفلان أو علان ولم أنِل من العلم ما يؤهلني للمراجعات، وعَلَيّ أن أكون تابعاً لزيد أو عبيد من الفقهاء الأوائل، أقول لهولاء إنّ العِلم الذي تَدّعُونه ليس هو العِلم الذي يُعْرَف به الله، ولم يكن الرسول (ص) بقارئٍ، ونشأ في بيئة تفتقر للحد الأدني من مظاهر التطور والرُقي، الّا أنه عَرِفَ ربه بعقله وبقلبه قبل أن يوحي اليه، بالاضافة الي أني لا أجد فرقاً بيني وبين من درس الفقه وعلوم الحديث في أي جامعة إسلامية، فهذه علوم إنسانية متاحة للجميع.

كما أن مراجعاتي ليست نتيجة لقراءة في كتب السَلف، ولا بحثاً أكاديمياً يَعْتَمِدُ علي مناهج البحث العلمي، إنما هي (حالة) خاصة جداً ب (إنسان) سَوَّاه ربه في أحسن تقويم، ونفخ فيه من روحه، وسجدت له الملائكة، ومَيَّزه علي سائر المخلوقات بعقلٍ يؤهله أن يكون خليفة في الأرض ومن ثم يمَيِّز الخبيث من الطيب، فأنا وبهذه الكيفية من التقييم والتقويم الرباني لا أحتقر نفسي، ولا أقلل من شأنها، بعد أن كرمها الله بهذا القدر.
بهذا (الوجود) وجدت نفسي إنساناً مُقَيّماً ومكلفاً بالخِلافَة في الارض، وسآتيه يوم القيامة فرداً كما خلقني أول مرة، وبعَدْله المطلق لن يسألني يومئذٍ عن ابن كثير ولا ابن تيمية أو الطبري وغيرهم من الناس، مع تقديري لهم أجمعين، فيومئذٍ يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه، لكل إمرءٍ منهم يومئذٍ شأن يغنيه. ولذلك، لن أُجَرّدَ نفسي من هذه القيمة الانسانية الربانية العظيمة بمقولات الرجال واجتهاداتهم، ولن أجعل من نفسي دميةً في إيدي مَنْ هم مثلي مِن الناس، لسيتغلني باسم الدين من نَصّبَ نفسه وصياً علي الآخرين، وسأتدرج لمعرفة الله بفطرتي المسلمة التي فطرني الله عليها، وبالتجربة الإنسانية الممتدة في الزمان والمكان، وبهدي محمد (ص) الذي بُعِث بشيراً ونذيراً يأمرنا بالمعروف الذي تعارفنا عليه، وينهانا عن المنكر الذي تناكرناه، ويحل لنا الطيبات ويحرم علينا الخبائث ويضع عنا اصرنا والأغلال التي كانت علينا، ويرفع عنا الحرج في الدين (وما جعل عليكم في الدين من حرج) فإن شئت آمنت به رباً، وإن شئت كفرت به رغم أنف مَن نصب نفسه شريكاً لله (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر).
وجدت نفسي بعد المراجعة حراً في عالمٍ تحكمه سُنَن وقوانين ربانية ويتنافس فيه الإنسان مع أخيه الإنسان في أرض الله الواسعة دون محاباة، فالخلق كلهم عياله (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) والصالحون هم الذين لا يفسدون في الأرض وهم المؤهلون للخلافة وعمارة الأرض ولو كانوا من الكافرين فسُنَن الله لا تجامل أحداً وتنتصر للحق أينما كان ومن أي وعاء خرج.
وجدت نفسي بعد المراجعة حراً بلا وصايا من متنطع أو متفيقه أو متشدد، وإذا صَغُرت نفسي وزَنيت فأنا مُسْلِم، وإن ضَعُفت نفسي كذلك وشربتُ خمراً أو سرقت مالاً فأنا مُسْلِم، رغم أنف الصحابي الجليل أبو ذَر الغفّاري، فلا تُضيقوا واسعا ولا تجعلوا من أنفسكم أنداداً لله في حكمه.
ومن أدب الدعوة أن خطابها عام (ما بال اقوام يفعلون كذا وكذا) كما للنصيحة أدب خاص فهي كالنفقة لا تَعْلَم يدك اليُسْرى ما تصدقت به اليُمْنى، فالنصائح التي توزع يُمْنةً ويُسْرى وتُقَدَّم أمام كل الناس ليست بنصيحة إنما استعراض رخيص من الناصح وتزكية للنفس لا علاقة لها بالدِّين.
مراجعاتي ليست بدعاً من المراجعات التي سبقتني بل وربما هَدَتْني السابقات للتي هي أحسن، فأنا أحترم جداً فكر الشيخ راشد الغنوشي وحزبه الذي فصل السياسية عن الدين بفكرٍ جعل من المجتمع حاضنة لدين الله، ومن الدوله والسياسة وفنونها خادمة للمواطن المسلم وغير المسلم في معاشه وأمنه وخدماته، وتقف الدولة ومؤسساتها وهي تَطّلِعُ بهذا الدور وبهذه المسئولية الأخلاقية على مسافة واحدة من كل الناس بلا تمييزٍ في الدين، وأن أردت أن تكون ناصحاً أميناً فعليك بالحكمة ومنهج الرسل فقد قال الله سبحانه وتعالي لموسي وهارون (اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ) فعلينا إن شئنا أن نلتزم منهج (ليناً).
ونسأله التوفيق والسداد.
مبارك الكوده
أمدرمان الثورة الحارة (20)
31 يوليو 2018

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً