مبارك الكوده يتعمق بمراجعاته في مسألة رد الحقوق الي أهلها (٢)

 

تعقيباً علي أحد الإخوة الكرام كتبتُ مؤخرا رسالةً بعنوان (آن أوان رد الحقوق الي أهلها) و(الحقوق) التي قصدتها كما أعتقد هي رسالة الإسلام التي جاء بها الرسل عليهم أفضل الصلاة والسلام من لدن آدم الي نبينا محمد مبشرين ومنذرين ليتمكن الناس من أداء خلافتهم في الأرض. وأعتقد كذلك ان (أهلها) هم، وبصفة خاصة، أهل الكتاب الذين سبقونا بالتأسيس، وبصفة عامة هي التجربة الإنسانية الطويلة والممتدة الي ما شاء الله.

لقد وصف المصطفي (ص) هذه الحالة بقوله (إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَكْمَلَهُ، إِلا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهُ فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ وَيَعْجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ: هَلا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ؟ قَالَ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ) وهذا البيت الذي بُنِيَ بصورةٍ حسنه هو الإسلام الذي جاء به الرسل أجمعين، وقد أجمل صلى الله عليه وسلم رسالته في قوله (إنما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق) وقال احد الصحابة (مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلا قَالَ: لا إِيمَانَ لِمَنْ لا أَمَانَةَ لَهُ وَلا دِينَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ) وقال أيضاً: (إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحْسَنُكُمْ أَخْلاقًا). وضع أساس هذا البنيان نبينا آدم عليه السلام، وساهم من بعده كل الرسل والانبياء والصالحين في رفع قواعده.
واللبنة المشار اليها في الحديث هي رسالة الإسلام الخاتمة، وهذه اللبنة بالطبع ليست مشروعاً جديداً ومنفصلاً إنما هي جزءٌ من كُل، ووصلٌ لما انقطع من هَدْيٍ، كما أن الرسالة الخاتمة ليست ناسخة لما قبلها من الرسالات إنما مصدقة لها ومهيمنة عليها والهيمنة احتواء واستصحاب لما ينفع الناس، وليست نسخاً مطلقاً وكأنها لا تساوي ثمن الحبر الذي كتبتُ به كما يقولون.
وإن كان ذلك كذلك فكيف يكون شرع مَنْ قبلنا شرع لنا (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ). قال (ص) أنا أولى الناسِ بِعِيسَى ابن مريمَ في الدنيا والآخرةِ ليس بَيْنِي وبينَهُ نَبِيٌّ، والأنْبياءُ أوْلادُ عَلَّاتٍ، أُمَّهاتُهُمْ شَتَّى، ودِينُهُمْ واحِدٌ).
ولكن يبدو ان هنالك انحرافاً كبيراً قد وقع لهذه المسيرة المسلمة أخرجها من مسارها الصحيح، وشابها بذلك كثير من الرّان والقصور، ولذلك يَتَعَيَّنُ علينا نحن مسلمي الرسالة الخاتمة الذين آمَنَّا بها أن نعيدها سيرتها الأولي ونجعل منها تكملة لما تحتاجه الانسانية من بناء لمكارم الاخلاق لتكون سبيلاً للناس كافة بدلاً من حصرها فيما بيننا صراعاً واقتتالاً وتخلفاً، والحق يقول (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) شريطة أن يكون المؤسسين الذين سبقونا جزء من هذا المشروع الرباني والإنساني الكبير، وبالطبع تتطلب هذه المراجعة دعوة أهل الكتاب ومجادلتهم بالتي هي أحسن كما أوصتنا الرسالة الخاتمة.
ويبدو أن هذا الانحراف الذي حدث قد أسس صراعاً بين مسلمي الرسالة الخاتمة ومسلمي الرسالات السابقة وتحول المشروع من مشروعٍ للبناء الي مشروعٍ للهدم، وقد صادف هذا الصراع هوىً في نفوس الذين لا يعلمون من الجانبين فاتسعت الهوة بيننا وبينهم.
وبما أن المسئولية الشرعية والأخلاقية تقع علينا نحن دعاة الرسالة الخاتمة فإننا الان أمام تحدٍ عظيم وفي حاجة ماسه لمعرفة كيف نردم هذه الهوة التي تعمقت وفصلتنا عن إخوتنا في الإنسانية وعن أمتنا الإسلامية وإلّا فإنه الخسران المبين فسنن الله ماضية (ۚوَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم) والله كما وعد فإنه متم نوره ولو كره الكافرون.

اللهم إني أسألك الّا تجعلني مع القوم الظالمين وأسألك أن تجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
مبارك الكوده، امدرمان الثورة الحارة ٢٠
١٧/ يوليو/ ٢٠١٨

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً